Coming Up Fri 9:00 AM  AEDT
Coming Up Live in 
Live
Bayt Al Mazzika radio
بودكاست الهوية

"ظنوا أنني ممسوس": ما الذي دفع بطبيب متدرب للصحة النفسية الى التفكير بإنهاء حياته؟

Provisional psychologist Tareq Ahmed Source: Tareq Ahmed

في هذه الحلقة من بودكاست "الهوية"، يشارك طبيب متدرب في الصحة النفسية الفلسطيني الأسترالي طارق أحمد قصته مع المرض النفسي. اذ واجه تحديات وضغوطات منذ الطفولة كان بعض منها محاولة ارضاء عائلته ومجتمعه وتجاهل نفسه. وتسبب قله وعيه بالصحة النفسية ووصمة العار الاجتماعية المرتبطة بالاعتراف بها، إلى الاعتقاد بأنه ممسوس، وسعى للعلاج الديني.

واجه طارق أحمد تحديات وضغوطات منذ الطفولة كان بعض منها محاولة ارضاء كل الناس الا نفسه. وتسبب قله وعيه بالصحة النفسية ووصمة العار الاجتماعية المرتبطة بالاعتراف بها، في تفكيره بالانتحار في مرحلة من مراحل حياته التي صارع فيها اضطرابات الاكتئاب والقلق الشديدين.

"بدأنا نفكر، ربما أصبت بالعين، أو قام لي أحدهم بسحر أو بشعوذه، أو ربما كنت ممسوسا."

بدأت تحديات طارق مع قله ثقته بنفسه والخوف أو الخجل من التعبير عن رأيه ورغابته منذ الطفولة. لم يفصح أبدا عما بداخله لأهله، وكان يفضل تجنب المواجهة. كان طفل خجول وهادئ، ويحب قضاء وقته في اللعب بمفرده. 

كان يشعر ومنذ الصغر ان علاقته مع والده كانت علاقة رسمية، "مثل ضابط وجندي، مدير وموظف، معلم وطالب،" لم يكن هناك قناة للتواصل مفتوحة بين الطرفين، وامتازت بالإنصات للأوامر والطاعة.

في عمر الست او السبع سنوات، فُرض على طارق مسؤولية الذهاب الى العمل مع والده كمتفرج فقط. ولكن عندما بلغ 12 عاما، كان يذهب الى المدرسة في أيام الأسبوع، والى المدرسة العربية والدينية في عطلة نهاية الأسبوع. ويذهب الى العمل مع والده بعد المدرسة وأيام السبت لبيع الأغراض المستعملة في الأسواق المفتوحة في سيدني.

"لم يكن عندي الحرية لأختار ماذا أريد أن أفعل في يومي، كلما ذهبت معه شعرت بحرقة في قلبي. كنت مجرد طفل يريد اللعب. يوم الأحد كان الوحيد الذي استطعت فيه الذهاب والقيام ببعض النشاطات الرياضية."

الحرقة التي شعر بها في قلبه، لعدم المقدرة عن افصاح ما يشعر به، كبرت معه عاما بعد عام.

Tareq Ahmed
Tareq Ahmed as child.
Tareq Ahmed

"كان أبي يحضر الكهربائيات والأغراض المستعملة للمنزل وكنت أساعده في تحميلها في الشاحنات وبيعها في السوق. لم أحزن بسبب طبيعة العمل، وانما لعدم وجود الخيار لأتمكن من الاستمتاع ببعض من الهدوء والراحة والمتعة في طفولتي."

"لم أكن أستطيع أن أخبره بما أشعر به طبعا. ولا عن أي مشاكل كنت أواجها خارج المنزل، أو أي قلق كنت أشعر به. كبرنا ونحن نسمع أباءنا وهم يقولون لنا كم تعبوا في حياتهم من أجلنا، وأن أي مشاكل أو تحديات نوجها الآن لا تقارن بما عاشوه هم من قبل."

جلب سن المراهقة معه ضغوطات وتحديات نفسيه أكبر. اذ يحتاج الطفل في هذا السن الكثير من الدعم النفسي والمعنوي، ليستطيع أن يفهم التطورات التي تحدث في جسده وطريقة تفكيره وصورته الاجتماعية.

"قالت لي أمي أن هذه المرحلة من حياتي ستكون صعبة بعض الشيء، ولكن لم يحدثني أبي قط عن أي شيء يتعلق بمراهقتي. كان يذكرني فقط بأني يجب أن أتفوق في المدرسة لأتمكن من دخول الجامعة."

كان انهاء المدرسة الثانوية بالنسبة له بمثابة مهمه تسلق ثلاثة جبال كل يوم: ضغوطات المنزل، تنمر المعلمين والطلاب في المدرسة، وتعليقات أقاربه المحبطة عن ترك المدرسة وإيجاد صنعة تدر عليه المال الوفير.

لم يستطع الا أن يصدق الا أنه "قبيح، سمين، وعديم الجدوى." وكان متأكد من أنه مهما فعل لن يحقق أي شيء في حياته.

"في هذه الفترة تمنيت لو كنت أستطيع أن أختفي عن الوجود."

Tareq Ahmed
طبيب متدرب في الصحة النفسية طارق أحمد
Tareq Ahmed

بعد أن تمكن من انهاء المدرسة الثانوية، قرر أن يدخل الجامعة خوفا من أن يخيب ظن والده فيه وبالتوقعات التي وضعها له من النجاح أكاديميا. اختار أن يدرس الاقتصاد. ولم يعرف لما اختار هذا التخصص أصلا. وبعد عام من دراسته في جامعة غرب سيدني، المعروفة بشعبيتها بين الطلاب العرب، انتقل الى جامعة سيدني.

"لم أتمكن من تكوين الصدقات في الجامعة الجديدة. لم أشعر أني كنت أستطيع أن أفعل هذا. كان معظم الطلاب من خلفيات غير عربية وكانت نشاطاتهم بعيدة جدا عن النشاطات التي كنت أقتنع بفعلها. كانوا يذهبون للشرب في الحانات بعد المحاضرات وأن كنت أذهب للمنزل."

"كان أمامي خيارا لأكون صداقات جديدة، ولكن لم أتجرئ حينها، وهذا أثر عليّ كثيرا. كنت أشعر بالانعزال. وكنت أكره ما أدرسه ولم أعرف ماذا سأفعل بعد التخرج."

لم يعرف أحد بالدوامة التي كان طارق يعيش فيها.  والإفصاح عن الصراعات الداخلية لم يكن خيارا متاحا بالنسبة له. لم يشعر انه كان هناك شخص يمكن أن يسمعه أو يفهم ما يشعر به.

بعد أن أكمل دراسته الجامعية، وجد عملا في محل لتصريف العملات الأجنبية. ولكنه لم يستمتع به، ولا بأي شيء فعله في حياته، سوى الذهاب الى الجيم.

"بدأت بالابتعاد عن عائلتي، وعن كل أصدقائي. وكنت أرى شخصا واحدا فقط."

في هذه الفترة بدأ يشعر بأوجاع غريبة تصيب جسده، ومعها ساعات وساعات من السهر والقلق.

لم أعد أتمكن من النوم، آلام شديدة في بطني وصدري منعتني من ذلك. كنت أنهض لأذهب للعمل وأن مجهد جدا، كنت أحاول أن أخفي ألمي النفسي والجسدي في آن واحد.

"كنت أعد الدقائق والساعات لأعود الى المنزل وأقفل الباب على نفسي. إخفاء مشاعري والتظاهر انني بخير أمام الجميع كان أمر متعب جدا."

ومع مرور الوقت، آلام طارق لم تعد تطاق. وقرر اجراء بعض من الفحوصات عند الطبيب ليتطمأن انه لم يعاني من أي أمراض تسبب له هذه الأوجاع.

"أجريت كل فحوصات الدم المطلوبة، وجاءت جيدة. وذهبت الى أخصائيين آخرين وقاموا بجراء عملية الناظور ولم يتمكنوا من أي يجدوا أية أمراض أو مسببات داخلية للألم."

أصبحت تصرفاته تثير قلق العائلة وقرر والداه أن يتحدثوا معه ليجدوا حلا لوضعه.

"قالوا لي ربما يستطيع الشيخ أن يساعدك، وقد تتمكن الرقية من تخليصك من ألمك. ربما أصبت بالعين، أو قام أحدهم بسحر أو بشعوذه، أو ربما كنت ممسوسا."

وفعلا، كان طارق مستعد لفعل أي شي ليساعده في التخلص من الآلام الجسدية التي أصبحت جزءا من معاناته.

لم أصدق بأني كنت ممسوسا.

"ولكن ذهبت للشيخ، ربما لخمس أو ست جلسات ليرقيني. وكلما ذهبت اليه وعدت الى المنزل شعرت بألم أكبر. لم يستطع أن يشعرني بتحسن. وفي النهاية قال لي، خذ هذا العسل والمطيبات وتناولها كل يوم واقرأ القران وستشعر بتحسن."

"لم أتحسن. وبدأت لا شعوريا بالابتعاد عن الدين وأماكن العبادة وعن كل الناس. لم يتمكن أحد ولا الأطباء من تخليصي من ألمي."

لم يبقى أمام طارق سوى الذهاب الى الجيم للتنفيس عن ألمه وليحافظ على تماسك مظهرة الخارجي. وهناك بدأ يفكر، لمن يمكنه أن يتحدث عن حاله ولمن يستطيع أن يشكو ألمه؟ وورد اسم صديق له في خاطره، كان يعمل في مجال الصحة النفسية، ويساعد الآخرين، وقرر التحدث معه ولقائه.  

"أخبرته عن آلامي النفسية والجسدية، وأخبرته كيف قررت الابتعاد عن عائلتي وأصدقائي. فطلب مني أن أكتب على ورقة كيف أرى نفسي، وبعض ما كتبت كان:

لا أثق بنفسي. عندما أتحدث أشعر أن كلماتي لا تحمل أي معنى. أرى نفسي سمينا وقبيحا وأشعر بالاختناق عندما أرتدي ملابسي. لا أستطيع التحدث بشكل صحيح في الأماكن العامة، ولست مهمًا ولن أكون أبدًا شخصية مهمة لأحد. لا أتمكن من انجاز الكثير ومهما فعلت لن أكون ناجح.  وإذا حققت شيئا، أجد طرقًا لتجاهل واحباط نفسي وانجازاتي. غير صبور عند محاولة إجراء تغيير، ولا أبدأ أبدًا مهمة أضعها لنفسي لأكون شخصًا أفضل. أقنع نفسي دائمًا أنه في المرة القادمة سأبذل المزيد من الجهد ولكني لا أبذل أي جهد، وأتراجع."

أنا عديم الفائدة!

"طلب مني صديقي أن أقرأ ما كتبته. وعندما بدأت القراءة، لم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء. صدمت من حجم كرهي لنفسي. صديقي نصحني بالذهاب والتحدث الى طبيب صحة نفسية. ورشح لي واحدا بعيدا جدا عن مكان سكني ومجتمعي. وقررت الذهاب لأنه لم يتبقى خيارا آخر أمامي."

Tareq Ahmed
"What I thought of myself before seeking mental health support" - Tareq Ahmed
Tareq Ahmed

كانت هذه المرة الأولى التي فكر طارق فيها بزيارة طبيب صحة نفسيه. وقرر أن يخفي لجوؤه للعلاج النفسي بسبب وصمة العار الاجتماعية المرتبطة بالاعتراف بالأمراض النفسية.

"فتحت قلبي وجروحا قديمة جدا، منذ أيام الطفولة. أخبرته بأشياء كثيره ضايقتني ولم أتمكن من اخبارها لأي أحد من قبل."  

"لم أصدق أنه كان هناك أحد يسمعني من دون أن يستهزأ بمشاعري، ويخبرني بأن ما أشعر به قليل الأهمية ولا يقارن بما مرّ به والدي من تحديات."

بعد بضع جلسات مع الطبيب النفسي، بدأت أفكار الانتحار تراود طارق. ليس لأنه شخص ضعيف، ولا لأن ايمانه كان ضعيفا كما قد يعتقد البعض. أسباب الأمراض النفسية والتفكير بالانتحار كثيره وتختلف من شخص لآخر.

"فكرت بإنهاء حياتي ظننا مني أن هذا كان الحل الوحيد لايقاف الألم والوجع الذي أشعر به. وصلت لمرحلة متقدمة من معاناتي من الاكتئاب والقلق الشديدين اللذين كنت أعاني منهما ولم أعلم ذلك من قبل. ولكن قررت أن أخبر طبيبي النفسي عن أفكاري هذه ليساعدني على التخلص منها وايجاد حل لمعاناتي."

الطبيب قرر إعطاء طارق دواء لعلاج الاكتئاب. الفكرة التي اقلقته في البداية، ولكن قرر أخذه لعله يساعده على الشعور بتحسن.

لم يعرف أهله شيئا عن حالته. وبعد أسابيع من أخذ الدواء والذهاب الى الجلسات لعلاج الاكتئاب والقلق الشديد اللذان كان طارق يعاني منهما، بدأ يشعر بالفارق في نوعية الحياة التي يعيشها. وقرر أن يصارح أهله بذهابه للجلسات العلاجية، وكيف تغير حاله بعد سنتين من العلاج.

"بدأت أشعر بالفرح، ورغبتي بالاختلاط بالناس والعمل، مشاعر كثيرة لم أحسها من قبل عادت اليّ."

وبدأ طارق يدرس العلاج النفسي بنفسه ليفهم الأمراض النفسية ويساعد غيره على فهمها وأهمية طلب المساعدة.

Tareq Ahmed
my Arab Identity podcast with provisional psychologist Tareq Ahmed
Tareq Ahmed

واستطاع أن يواجه بعض من الأمور والأشخاص الذين تسببوا بوضع الكثير من الضغوطات عليه في مراحل مختلفة من حياته.

"بعد عامين من العلاج قررت الجلوس مع أبي، قلت له عن كل شيء قام به منذ الطفولة جرحني وأحزنني ووضع الكثير من الضغوطات عليّ وعلى حياتي."

"أبي صدم، وقال لي: ما زلت تذكر هذا كله حتى الآن؟

قلت له نعم.

قال: أتريدني أن أعتذر؟

قلت: نعم.

قال: أنا آسف.

"عندها شعرت براحة غمرت قلبي، بأن وأخيرا استطعت أن أخبره بما أردت اخباره به لفترة 22 عاما. وكان رد فعله جميل جدا. بكينا وحضنا بعضنا البعض. وأصبحت علاقتي بوالدي علاقة جميلة جدا، وأنا اليوم أقرب اليه من أي وقت مضى."

القراء الذين يسعون للحصول على المعلومات والدعم بخصوص منع الانتحار يمكنهم التواصل مع Lifeline على الرقم 13 11 14 أو Suicide Call Back Service على الرقم 1300 659 467 أو Kids Helpline على رقم 1800 55 1800 حتى سن الخامسة والعشرين أو الاتصال بالخط الساخن لمنظمة Beyond Blue على الرقم التالي 4636 22 1300.

طارق أحمد طبيب متدرب في الصحة النفسية. حصل على بكالوريوس في الاقتصاد ومن ثم علم النفس وأكمل الماجستير في نفس التخصص.  طارق شغوف بمشاركة قصته ضمن ورشات عمل ومحاضرات يقدمها للعامة من أجل التخلص من وصمة العار المتعلقة بالمرض النفسي خاصة بين الذكور.

يمكنكم متابعة بودكاست الهوية عبر البحث عن My Arab Identity على منصات تحميل البودكاست المفضلة لديكم للاستماع الى الحلقات الجديدة أسبوعيا فور صدورها مجانا.

Coming up next

# TITLE RELEASED TIME MORE
"ظنوا أنني ممسوس": ما الذي دفع بطبيب متدرب للصحة النفسية الى التفكير بإنهاء حياته؟ 17/03/2021 16:54 ...
"كنا محظوظين": من عديمة جنسية إلى لاجئة فمواطنة أسترالية 07/04/2021 15:47 ...
طبيب عربي أسترالي: "ليس عليّ أن أؤمن بإله حتى أكون إنسانا صالحًا" 31/03/2021 16:30 ...
بعد 13 عاما في أرض الفرص ترك أستراليا وعاد الى مصر 24/03/2021 15:32 ...
"خادمة وسجينة في منزلي": عربية أسترالية تشرح أسباب ترك منزل والديها 10/03/2021 18:04 ...
"ميولي الجنسية ليست بيدي": هكذا تصرفت عائلتي عندما صارحتها بمثليتي 03/03/2021 15:34 ...
بودكاست الهوية الموسم الثاني: الشباب العربي الأسترالي يتمرد على تقاليد المهاجرين 23/02/2021 02:42 ...
"الحيوان المشعر": هكذا واجهت تعرضي للتنمر 01/01/2020 10:41 ...
نصيحة عابرة منعتني من إنهاء حياتي خلال المراهقة 26/12/2019 14:38 ...
عراقية مندائية: لهذه الأسباب تمردت على التقاليد 18/12/2019 14:36 ...
View More