Coming Up Fri 3:00 AM  AEDT
Coming Up Live in 
Live
BBC Arabic radio
بودكاست الهوية

طبيب عربي أسترالي: "ليس عليّ أن أؤمن بإله حتى أكون إنسانا صالحًا"

Source: Getty Images

ضيفنا في هذه الحلقة من بودكاست "الهوية" طبيب للصحة العامة. سيشاركنا برحلته الخاصة في البحث عن هويته الدينية والروحانية والإنسانية. وسيفصح عن التحديات التي واجهته ليكوّن هذه الهوية ويصبح الشخص أو الإنسان الذي سنتعرف عليه اليوم.

ضيفنا في هذه الحلقة من بودكاست "الهوية" طبيب للصحة العامة. قمنا بتغيير اسمه الحقيقي الى كريم.

الطفولة في أستراليا

ولد كريم في مدينة سيدني ونشأ في منطقة يسكنها الكثير من المهاجرين الذين ينحدرون من خلفيات ثقافية متنوعة. وكان يذهب الى مدرسة حكومية ويفخر بثقافته العربية بين زملائه ويقف في وجه من يتنمر عليه بسببها.

"كان هناك بعض من المواقف العنصرية، وكنت أخبر والداي بأن الأطفال في المدرسة يستهزؤون باسمي، وسألاني ان كنت أرغب بتغيره الى اسم أسترالي أو أجنبي، ولكن لم أقبل بهذا وكنت أدافع عن نفسي وأتصدى للتنمر."

لم يشعر كريم أبدا بضغط في المنزل ليتحدث اللغة العربية او ليتعلم أكثر عن معتقدات العائلة الدينية. وكانت حدود معرفته بها تقتصر تقريبا حول تقاليد شهر رمضان المبارك والعيد.

"كنت أعرف أنني مسلم، ولكن لم أدخل كثيرا بالدين. كنت أعرف بالعيد وبشهر رمضان، ولكن لم أكن أعرف كثيرا عن معناهما. أكثر ما كنت أعرفه أننا كنا نذهب لزيارة جدتي في العيد لأكل المعمول ونحصل على العيدية.  وفي المنزل كان والداي يشجعانا أنا وإخواني على التحدث باللغة الإنجليزية دائما لتكون لغتنا قوية."

المدرسة الابتدائية وطفولته في سيدني اتسمت بكثير من الفضولية. وأمضى الكثير من وقته في قرائه الكتب العلمية وحل مسائل الرياضيات المعقدة والذهاب الى التمارين الرياضية.

"منذ الصغر كان عندي فضولية في المجال العلمي، تعلمت هذا من والداي اللذان كانا يهتمان ويقدران العلم كثيرا، وكان إخواني مثلي أيضا." 

lEBANON aUSTRALIA FLAG
Lebanese and Australian flags
AP

الهجرة إلى لبنان

في التسعينات، وقبل أن يتمكن من دخول المدرسة الثانوية في سيدني، قرر والداه الهجرة للعيش في لبنان موطن ولادتهما.

"أذكر وقتها أنه لم يكن هناك حرب في لبنان، ولكن بدأت مشاكل في سيدني لها علاقة بجرائم العصابات والمخدرات وربطها بالجالية اللبنانية، لا أعرف السبب الرئيسي الذي دفعهما للهجرة ولكن ربما أرادا أن يجربا الحياة في لبنان مجددا."

لم يكن لكريم وإخوانه رأي في حسم هذا القرار المفاجئ. الشعور الوحيد الذي شعر به عند سماعه، كان الخوف من المجهول الذي ينتظره.

"لم أكن أعرف شيئا عن لبنان، وأظن أنها كانت المرة الأولى التي ركبت فيها الطيارة. عند وصولنا الى المطار هناك، رأيت أفرادا من الجيش يقفون في كل مكان ويحملون الأسلحة وكأنهم في حرب، مما جعلني أتساءل، "لماذا عدنا الى هنا."

كانت الحياة في لبنان في التسعينات خصوصا في "الضيعة" مختلفة جدا عن الحياة في مدينة سيدني. وقد يكون من أحد الأمور، الذي ساعد كريم على التأقلم حينها، أن عائلته لم تكن الوحيدة التي عادت الى لبنان من بلدان المهجر الغربية. وكان فصله في المدرسة مكتظا بشباب عادوا مع عائلاتهم من امريكا وكندا وأستراليا، مما أشعرهم بقليل من التضامن فيما بينهم.

الحساسيات الدينية

يذكر كريم أن عائلته استقرت في "ضيعة" مقسومة نصفين. وأصبح لكريم مع الوقت، أصدقاء من كلا الطرفين.

"إسلام ومسيحية. وفي هذه الفترة، بعد خروج لبنان من الحرب، لم يكن هناك الكثير من الاندماج بين المسلمين والمسحيين وكان هناك الكثير من الحساسيات بينهما."

شعر كريم وأهله بأن لغته لغة العربية كانت ضعيفة بالنسبة لطالب في المدرسة الثانوية هناك، وكان عليه أن يجد طريقة لتقويتها.

"والدي نصحني بأن آخذ دروس في اللغة العربية وفي الدين لتقويتها، وقمت بهذا فعلا لأني أردت الاندماج بالمجتمع الذي كان من حولي."

Australia's major religions
Australia's major religions
Getty Images

الإقتراب من الدين

بدأ كريم بالاقتراب من التعاليم الدينية شيئا فشيئا، وحاول فهم معتقداته ومعتقدات عائلته والناس الذين يعيش بينهم الآن.

"عندما كنت في الرابعة أو الخامسة عشر من عمري أصبحت متدينا جدا. كنت أدرس الدين وأذهب الى الجامع. وفي ذات الوقت، كنت أيضا في المدرسة، كما كنت من قبل، أحب العلوم والأحياء والرياضيات ومتفوقا فيها. ولكن كنت أفكر أنني جزء من مجتمع معين، وهو على حق، والأشخاص الذين هم خارجه كانوا مخطئين."

"لم أبقى أفكر هكذا كثيرا، ربما لأشهر أو سنة فقط. الى أن بدأت أسمع كلام يقال عن اليهود والنصارى في خطبة دينية. ولم أعرف معنى كلمة النصارى وقتها وذهبت لأعرف معناها من عائلتي."

الكثير من التساؤلات 

"لم أتوقف عن التفكير عما كنت أسمعه، وأتساءل هل كل من خلق مسلم سيذهب الى الجنة؟ وكل من خلق مسيحي أو يهودي أو هندوسي أو بوذي سيذهب الى جهنم؟"

"بدأت كل الأفكار عندي تختلط ببعضها البعض. لم أستطع أن أضع تحليلا منطقيا أو علميا للموضوع. وعندما سألت رجلا للدين جاوبني: نعم، ان لم تكن مسلما، ستذهب الى النار."

"كان هذا يزعجني جدا، لماذا سيحترق رفاقي في النار الى الأبد؟"

لم يستطع أحد ان يقنع كريم بأجوبته. وقرر أن يحاول اشغال نفسه بنشاطات أخرى، وأن يخلق هو وأصدقائه مجتمعا يشعرون فيه بالراحة سوية، بعيدا عن النقاشات الدينية.

"بدأت أشعر أن هناك كراهية بلا حدود، وقلت لنفسي لا يجب أن أكون جزءا من هذه المشكلة، وربما يجب أن أكون جزءا من الحل."

أنهى المدرسة الثانوية وتفوق فيها، وقرر الانتقال الى بيروت لدراسة الطب.

Books
Books
pixabay

الحياة الجامعية

"التقيت بأشخاص كثيرين في الجامعة من ديانات وطوائف مختلفة. وبدأت أرى الكثير من التفرقة التي لم يكن لها داع."

"بالنسبة لي كلنا سواسية. لما التفريق بين سني وشيعي ودرزي؟"

"كل التساؤلات التي حيرتني وأنا في المدرسة الثانوية عادت لي مجددا، وبقوة." 

الحياة في بيروت وانفتاحها ودراسة الطب فتحا له بابا جديدا للتساؤل.

"أصبح لدي أصدقاء مثليي الجنس وأصدقاء ملحدين. وفي هذه الفترة بدأت أشك في الوجودية. وبدأت أفكر أكثر في مساءل علمية مع دراستي للطب والأمراض التي تصيب جسد الانسان."

لم يجد كريم سببا مقنعا للأمراض التي تصيب الانسان وتتركه ليعاني.

"ما الذي يبرر عذاب طفل مع المرض؟ ليس هناك سبب. بدأت أفكر أن الحياة ليست مثالية وقاسية. وأن هناك أشخاص كثيرون يتعذبون في حياتهم من دون سبب. "

الابتعاد عن المعتقدات الدينية

"بدأ تفكيري يتجه نحو اللاأدرية أو الالحاد الديني، وأفكر أنه ليس هناك أحدا أو شيئا لنوكله أمرنا، نحن نعيش وحدنا في هذا العالم."

اللاأدرية Agnosticism هو توجه فلسفي يقول إن القيمة الحقيقية للقضايا الدينية أو الغيبية غير محددة ولا يمكن لأحد تحديدها. وأن قضايا وجود الله أو الذات الإلهية بالنسبة لهذه النظرية موضوع غامض ولا يمكن تحديده في الحياة الطبيعية للإنسان.

في هذه الفترة عادت عائلة كريم الى استراليا، وبقي هو ليستكمل دراسته الجامعية في بيروت. وبدأ بالابتعاد عن المعتقدات الدينة وحاول استبدالها بقليل من الروحانية والكثير من الإنسانية.

"قرأت الكثير من الكتب العلمية، وقرأت القرآن والإنجيل. ولطالما كنت أكن الكثير من الاحترام للديانات والأشخاص المتدينين، ولكن لم أستطع كإنسان أن أقوم بدمج المعتقدات التي بدأت بالتكون عندي مع الدين."

وفي هذا العام، تم اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، زلزال عمق جراح لبنان وزاد انقساماته.

Salim Jamil Ayyash was given five live prison sentences over the 2005 Beirut attack that killed Rafik al-Hariri.
Salim Jamil Ayyash was given five live prison sentences over the 2005 Beirut attack that killed Rafik al-Hariri.
Anadolu

"أذكر أني استقللت سيارة أجرة من الذين يتقاضون ألف ليرة لبنانية للمشوار الواحد، وعندما أوصلني الى وجهتي، دفعت له الأجرة ومشيت. نزل السائق من سيارته وجرى خلفي وأوقفني ليقول لي: هاك ألف ليرة، لقد دفعت لي ألفين. فتعجبت وقلت له، لا بأس خذها. فقال لي لا هذه نقود حرام عليّ، وأنا لا أرضى أن أطعم أولادي من مال حرام."

"صدمت، شخص كهذا هو في أمس الحاجة للمال، وخاف أن يأخذه مني خوفا من الله. ولكن السياسيين في لبنان الذين يسرقون وينهبون ويعيشون في راحة ورفاهية لا يخافون من حساب الله."

"هذه الأشياء والمواقف أثرت عليّ كثيرا. هناك غلط كبير، ليس هناك توازن في هذه الدنيا."

لم يجد كريم مجددا جواب شاف للفساد السياسي الذي يتحدث باسم الدين، ولا أجوبة تبرر نتائجه البشعة في وطنه والأوطان التي يحبها.

"آخر فترة كنت فيها في لبنان، في أوائل سنة الـ 2000، بدأت الكراهية والانقسامات تظهر من جديد بقوة. حينها لو كان هناك شيء ما زال يجعلني قريبا من الدين، فكان ما يحصل هذا العام مثل القشة التي قصمت ظهر البعير."

العودة الى أستراليا

أنهى كريم دراسة الطب وتزوج من انسانة كانت تتفق معه فكريا. وقررا العودة للعيش مع باقي أفراد العائلة في استراليا.  وعند العودة، لم يكن والده يعرف بعد عن المعتقدات التي قرر كريم اعتناقها. وكانت مجرد مسألة وقت، قبل أن يقرر أن يواجه عائلته بالحقيقة.

"كان والدي يقول لي في أكثر من موقف اقرأ هذه الآية، اقرأ هذه السورة، صلي ركعتين."

"ولكن في يوم من الأيام قلت له، لا تقل لي هذه الأشياء مجددا لأنني حقا لا أؤمن بالدين أبدا."

قال لي: "كيف لا تؤمن؟"

قلت: "لدي تفكير علمي. بالنسبة لي العالم تكون من نظرية الانفجار العظيم في علم الكون الفيزيائي، وأؤمن بالتطور البشري والتطور الحيواني ولم أستطع أن أربط هذه الأشياء مع الدين وحاولت كثيرا في حياتي ولم أستطع، وأنا انسان غير مؤمن بالدين."

سألني: "كيف ستربي أولادك؟"

قلت: "سأترك لهم حرية الإختيار. سيقرأون الكتب وسيتعرضون للدين من خلالكم وخلال أصدقائهم في المدرسة. أهم شيء بالنسبة لي هو أن يكون لديهم تحليل علمي وتفكير نقدي وغير تابع لأحد. لا أريد أن يؤثر أي شخص على طريقة تفكيرهم."

وكان لإخوانه أيضا بعض من التساؤلات.

space
Space
pixabay

"إخواني لم ينزعجوا مني، بل شعروا بالحزن عليّ، في تفكيرهم أنا سأدخل النار."

"أذكر أنهم سألوني، كيف أريد أن أدفن. فقلت لهم لم أفكر في هذا من قبل. ولكن إذا عدت الى الإيمان، ليس لدي مشكلة مع طريقة الدفن الإسلامية. ولكن هذا يعود الى تفكيري حينها. ولكن حاليا، ليس لدي خطة."

وبالرغم من اختلاف طريقة تفكيرهم، الا ان كريم وأفراد عائلته قريبين جدا من بعضهم البعض ولم تقلل الحقيقة من حجم احترامهم المتبادل.

الإعتزاز بالثقافة العربية

أنجب كريم طفلين، وكما قال لوالده سابقا، قرر أن يترك لهم مجالا لاختيار انتمائهم لدين أو عدمه عند البلوغ. ومع هذا، حرص على إدخالهم الى مدرسة تدرس اللغة العربية لحرصه على تعريفهم بجذورهم الثقافية التي يفخر بها.

"كان ابني يعود الى المنزل ويسألنا، مقارنة بزملائه، لماذا نحن لا نقوم بهذا وذاك. ونحن نفسر له. ولكن هذا العام، كبر في العمر وزاد وعيه، ويشعر براحة أكبر عاما بعد عام بوضعه."

"أكيد سيواجه الكثير من التحديات، طبعا، ولكن لدينا الخيار لتغيير المدرسة في أي وقت."

وبالرغم من فخر كريم بالثقافة العربية وانتمائه لها، واحترامه للأديان ومعتقدات الآخرين، الا انه لا يجد الاحترام والتقبل المماثل من بعض أبناء مجتمعه العربي في أستراليا. لهذا، يجد نفسه في بعض الأوقات مضطرا الى إخفاء هذا الجانب من هويته.

man
Episode five of "My Arab Identity" podcast
pixabay

"طبعا هذا شعور صعب للغاية. لأنك تحاول التظاهر بأنك شخص آخر حول هؤلاء الأشخاص، وتشعر بأنك تحت تهديدهم أو أنك بمثابة تهديد لهم في ذات الوقت."

"وأتساءل، هل من الصعب أن أحصل على نفس المعاملة والاحترام التي أقدمها لهم؟ لدي احترام كبير للأديان. وأحاول قدر المستطاع ألا أتفوه بأي كلمة قد تؤذي أي شخص أو معتقداته."

كريم يشعر بالرضى والراحة، وبأنه وأكثر من اي وقت مضى إنسان أفضل.

"أعيش حياتي من أجل أن أكون إنساني ليس لأني أريد دخول الجنة، أو لأبتعد عن جهنم، وانما فقط لأنني أريد أن أكون إنسان أفضل. وأعلم أولادي أن يكونوا إنسانيين."

"أظن أنه ليس عليك أن تؤمن بإله حتى تكون إنسانا صالحا."

استمعوا الى قصة كريم في الملف الصوتي المرفق بالصورة أعلاه.

يمكنكم متابعة بودكاست الهوية عبر البحث عن My Arab Identity على منصات تحميل البودكاست المفضلة لديكم للاستماع الى الحلقات الجديدة أسبوعيا فور صدورها مجانا.

Coming up next

# TITLE RELEASED TIME MORE
طبيب عربي أسترالي: "ليس عليّ أن أؤمن بإله حتى أكون إنسانا صالحًا" 31/03/2021 16:30 ...
"كنا محظوظين": من عديمة جنسية إلى لاجئة فمواطنة أسترالية 07/04/2021 15:47 ...
بعد 13 عاما في أرض الفرص ترك أستراليا وعاد الى مصر 24/03/2021 15:32 ...
"ظنوا أنني ممسوس": ما الذي دفع بطبيب متدرب للصحة النفسية الى التفكير بإنهاء حياته؟ 17/03/2021 16:54 ...
"خادمة وسجينة في منزلي": عربية أسترالية تشرح أسباب ترك منزل والديها 10/03/2021 18:04 ...
"ميولي الجنسية ليست بيدي": هكذا تصرفت عائلتي عندما صارحتها بمثليتي 03/03/2021 15:34 ...
بودكاست الهوية الموسم الثاني: الشباب العربي الأسترالي يتمرد على تقاليد المهاجرين 23/02/2021 02:42 ...
"الحيوان المشعر": هكذا واجهت تعرضي للتنمر 01/01/2020 10:41 ...
نصيحة عابرة منعتني من إنهاء حياتي خلال المراهقة 26/12/2019 14:38 ...
عراقية مندائية: لهذه الأسباب تمردت على التقاليد 18/12/2019 14:36 ...
View More