للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
في خطوة وُصفت بأنها "تاريخية وعميقة"، أعلنت الحكومة الأسترالية تعيين الفريق أول سوزان كويل قائدةً للجيش الأسترالي، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الجيش قبل أكثر من 125 عاماً، ضمن حزمة تغييرات واسعة في القيادة العليا لقوات الدفاع.
وجاء الإعلان في كانبيرا على لسان رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي وصف التعيين بأنه "لحظة فارقة" في تاريخ المؤسسة العسكرية، مؤكداً أن كويل تمثل نموذجاً للخبرة والكفاءة التي يحتاجها الجيش في هذه المرحلة.

مسيرة عسكرية تمتد لعقود
ومن المقرر أن تتولى كويل مهامها في يوليو/تموز المقبل، خلفاً للفريق أول سايمون ستيوارت، بعد مسيرة عسكرية تمتد لنحو أربعة عقود، شغلت خلالها مناصب قيادية بارزة، بينها قيادة قوات في أفغانستان والشرق الأوسط، إضافة إلى أدوار متقدمة في مجالات الحرب السيبرانية والتحديث العسكري.
كما شغلت كويل منصب رئيسة القدرات المشتركة، وكانت مسؤولة عن ملفات حساسة تشمل الفضاء والقدرات السيبرانية والحرب المعلوماتية، ما يعكس طبيعة التحول في أولويات الجيش الأسترالي نحو الحروب الحديثة متعددة المجالات.
"ليست مسألة تنوع .. بل كفاءة"
وفي تصريحات نقلتها "إس بي إس"، شدد وزير الصناعات الدفاعية بات كونروي على أن الانتقادات التي ربطت التعيين بسياسات التنوع "مخزية"، مؤكداً أن اختيار كويل يستند إلى سجلها المهني الحافل، داعياً المنتقدين إلى النظر في مؤهلاتها وخبرتها قبل إطلاق الأحكام.
من جهته، أكد وزير الدفاع ريتشارد مارلز أن كويل "أفضل مرشحة للمنصب"، واصفاً تعيينها بأنه "لحظة تاريخية وعميقة"، مضيفا أن "إنجازها يعني أنها ستكون أول امرأة تقود أحد أفرع القوات المسلحة في تاريخ أستراليا… وهو أمر بالغ الأهمية للنساء العاملات حالياً في القوات المسلحة وللأجيال المقبلة".
رمزية التعيين .. وتأثيره على المستقبل
ويحمل هذا التعيين دلالات تتجاوز البعد الإداري، إذ يعكس تحولاً تدريجياً في بنية القوات المسلحة الأسترالية، حيث ارتفعت نسبة النساء إلى نحو 21% من إجمالي القوات، مع طموحات للوصول إلى 25% بحلول عام 2030.
وتعزز هذه الخطوة رسالة طالما ردّدتها كويل نفسها "لا يمكنك أن تكون ما لا يمكنك رؤيته"، في إشارة إلى أهمية النماذج القيادية النسائية في كسر الحواجز التقليدية داخل المؤسسات العسكرية.
إعادة هيكلة واسعة في القيادة الدفاعية
ويتزامن تعيين كويل مع تغييرات أوسع في هرم القيادة، حيث تم ترقية قائد البحرية مارك هاموند إلى منصب رئيس قوات الدفاع، خلفاً للأدميرال ديفيد جونستون الذي سيغادر منصبه في يوليو بعد نحو نصف قرن من الخدمة.
كما سيخلف الأدميرال ماثيو باكلي هاموند في قيادة البحرية، في إطار إعادة ترتيب القيادة العسكرية لمواجهة التحديات الاستراتيجية المتزايدة، لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

من الطفولة المتنقلة إلى قيادة الجيش .. من هي سوزان كويل؟
بعيداً عن المسار العسكري الصارم، تكشف سيرة سوزان كويل عن حياة بدأت مبكراً على إيقاع التنقّل وعدم الاستقرار، وهي تجربة تقول إنها شكّلت شخصيتها القيادية لاحقاً.
وُلدت كويل في منطقة كيوغل شمال ولاية نيو ساوث ويلز، ونشأت في عائلة كان والدها يعمل في لجنة موارد المياه، ما فرض على الأسرة نمط حياة متنقلاً بين مواقع السدود.
وتصف تلك المرحلة بقولها بحسب ما نقلته ABC NEWS "كنا ننتقل من موقع سد إلى آخر، وبمجرد الانتهاء من بناء السد، يُفكك منزلنا ويُنقل على شاحنتين إلى موقع جديد".
هذا النمط من الحياة، كما تشير، منحها قدرة مبكرة على التكيّف والانفتاح، ماضية الى القول "كانت طفولة رائعة .. أصدقاء كثيرون، وحياة في الطبيعة، وأطفال في كل مكان".
إيقاع من الترحال رسم حياتها .. داخل الجيش وخارجه
لم تكن حياة سوزان كويل مستقرة منذ بدايتها، بل تشكّلت على إيقاع التنقّل والترحال المستمر، وهي سمة رافقتها لاحقاً في مسيرتها العسكرية. فخلال أكثر من ثلاثة عقود في الخدمة، تنقلت نحو 28 مرة بين مواقع ومهام مختلفة، برفقة زوجها الذي يعمل أيضاً في الجيش، وأطفالهما الثلاثة.
ورغم طبيعة العمل العسكرية، سعت كويل إلى تحقيق توازن عائلي، خاصة مع دخول أطفالها مراحل دراسية متقدمة، قائلة "كنا نحاول الحفاظ على الاستقرار… أحياناً يبقى أحدنا في كانبيرا، أو يلتحق أحد أبنائي بمدرسة داخلية".
وتضيف "إنها مسألة خيارات… فالحياة في أماكن مختلفة تمنحك تجارب غنية".
مسار مبكر في مؤسسة الجيش
انضمت كويل إلى الجيش في سن السابعة عشرة، في وقت كانت فيه النساء يشكّلن نحو 10% فقط من القوة العسكرية، وكانت فرص التقدم محدودة.
ومع ذلك، واصلت مسيرتها في بيئة لم تكن مهيأة بالكامل لوجود النساء في مواقع القيادة.
وتستعيد تلك المرحلة بقولها "كنت في العشرينات عندما أنجبت أطفالي، وكنت أعتقد أن أخذ إجازة طويلة قد يؤثر على مسيرتي أو مصداقيتي… لكن هذا تغيّر اليوم".
وترى أن المؤسسة العسكرية شهدت تحولاً ملحوظاً، حيث باتت سياسات العمل أكثر مرونة، وأصبح حصول الرجال والنساء على إجازات أبوّة وأمومة جزءاً طبيعياً من بيئة العمل.
مسيرة عملياتية في قلب النزاعات
على المستوى المهني، بنت كويل مسيرة عسكرية متدرجة بدأت بانضمامها إلى الاحتياط في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتخرّج ضابطة من أكاديمية قوات الدفاع الأسترالية في أوائل التسعينيات.
وتولّت خلال مسيرتها مناصب قيادية في عدد من مناطق النزاع، بينها أفغانستان والشرق الأوسط، إلى جانب مشاركات ميدانية في تيمور الشرقية وجزر سليمان، ما منحها خبرة واسعة في إدارة العمليات العسكرية في بيئات معقدة.
كما قادت قوة المهام الأسترالية في أفغانستان، وتولت قيادة "فرقة المهام 633 "في الشرق الأوسط، قبل أن تتجه نحو ملفات أكثر تطوراً تتعلق بطبيعة الحروب الحديثة.
نحو حروب المستقبل: الفضاء والسيبراني
في نموز يوليو 2024، عُيّنت كويل رئيسةً للقدرات المشتركة في قوات الدفاع الأسترالية، وهو منصب استراتيجي يشرف على مجالات الفضاء والأمن السيبراني والحرب المعلوماتية، ويعكس التحول في طبيعة الصراع العسكري.
وفي هذا السياق، تؤكد كويل أن الحروب لم تعد تقليدية، موضحة أن "الحرب المعلوماتية تدور حول تغيير إرادة العدو وردعه عن القتال".
كما تشير إلى أن الفضاء بات ساحة عمليات جديدة، حيث أصبح تتبع الأقمار الاصطناعية وفهم دورها، سواء كانت مدنية أو عسكرية، جزءاً أساسياً من التخطيط الدفاعي.
قيادة مرنة في بيئة تنافسية
ومع تصاعد التنافس مع القطاع الخاص على الكفاءات، تركز كويل على أهمية بيئة العمل في الحفاظ على العنصر البشري، مؤكدة بالقول "نحن اليوم جيش أكثر تقدماً تكنولوجياً .. وعلينا أن نخلق بيئة يشعر فيها الناس بالتقدير ويرغبون في البقاء".
تأهيل أكاديمي يعزز الخبرة
إلى جانب خبرتها الميدانية، تحمل كويل درجات ماجستير دراسات عليا، وتُعد من الخريجين المتميزين في كلية الحرب التابعة للجيش الأميركي، إحدى أبرز المؤسسات المتخصصة في إعداد القيادات الاستراتيجية.
كما تلقت تدريبات متقدمة في الولايات المتحدة في مجال الملاحة والتحكم بالأقمار الاصطناعية، في إطار تطوير قدراتها في مجال الفضاء العسكري.
وبهذا المسار الذي يجمع بين الخبرة العملياتية والتأهيل الأكاديمي، تبرز سوزان كويل كوجه يعكس تحوّل الجيش الأسترالي نحو جيل جديد من القيادات، القادرة على التعامل مع حروب تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الفضاء والبيئة الرقمية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
