هذه الجرابيات الصغيرة، التي تُعد رمزاً من رموز الحياة البرية الأسترالية، تحولت في جزيرة مان إلى محور جدل واسع بين السكان والباحثين وصنّاع القرار: هل تُترك لتبقى، أم يُتخذ قرار بالقضاء عليها؟
جزيرة الأساطير… وضيوف غير متوقعين
يقول القس البريطاني سيمون آرتشر، الذي انتقل إلى جزيرة مان قبل نحو عامين ونصف، إن الجزيرة "مليئة بالقصص والحكايات".
ويضيف أن طبيعتها الخلابة، من الشواطئ إلى الغابات والمساحات المفتوحة، كانت سبباً رئيسياً لتركه حياة لندن الصاخبة والاستقرار هناك.
لكن من بين القصص التي باتت تُروى اليوم، تلك التي تتحدث عن ولبيات تتنقل بحرية في المستنقعات والحقول، لتصبح جزءاً من المشهد اليومي في الجزيرة.
عندما تبدأ بقراءة القصص والأساطير المحلية عن هذه الحيوانات، تشعر وكأنها هاربة نجحت في التأقلم مع بيئة جديدالقس البريطاني سيمون آرتشر

The red-necked wallaby earned its name for its distinctive patch of rust-coloured fur. Credit: Sue Corrin
أرقام صادمة ونمو متسارع
في عام 2023، كشفت مسوحات جوية باستخدام الطائرات المسيّرة، أجراها صندوق الحياة البرية في جزيرة مان، عن وجود نحو 568 ولبياً برياً في منطقة بالو كورا، وهي منطقة رطبة محمية.
لكن بعد عامين فقط، قفزت التقديرات إلى ما بين ألف و1300 ولبّي، في مؤشر على نمو سريع أثار قلق خبراء البيئة.
عالم الأحياء الحافظة أنتوني كارافاجي، من جامعة جنوب ويلز، الذي يرصد انتشار الولبيات في المملكة المتحدة منذ أكثر من عقد، يقول إن تقديراته السابقة التي تراوحت بين 1200 و2000 ولبّي "بدت مبالغاً فيها في البداية"، لكنها توافقت لاحقاً مع نتائج المسوحات الحديثة.
كيف وصلت الولبيات إلى جزيرة مان؟
القصة الدقيقة لظهور الولبيات في الجزيرة لا تزال غامضة، لكن المعروف أن أول ولبّي، تُدعى "واندا"، هربت عام 1965 من حديقة كورا للحياة البرية، خلال عامها الأول من الافتتاح.
وعلى مدى السنوات اللاحقة، أفادت تقارير محلية بهروب عدد آخر من الولبيات من الأقفاص، ما أدى إلى نشوء تجمع بري، يُعتقد أن تنوعه الجيني محدود.
ويحذّر كارافاجي من مخاطر التزاوج الداخلي، قائلاً إن ذلك قد يجعل الحيوانات "أكثر عرضة للأمراض والمشكلات الصحية".

Today, there are more than 100 species at Curraghs Wildlife Park, including red pandas, penguins and a population of Australian wallabies. Credit: Curraghs Wildlife Park
قلق المزارعين وتداعيات بيئية
في جزيرة يبلغ عدد سكانها نحو 84 ألف نسمة، وتعتمد بشكل كبير على الزراعة والريف، يثير وجود الولبيات مخاوف حقيقية لدى المزارعين.
ويشير آرتشر إلى أن تلف المحاصيل واحتمالات انتقال الأمراض تشكل مصدر قلق متزايد.
ويضيف: "قد نرى حيوانات مريضة تتجول في الطبيعة، والمزارعون يدركون تماماً ما قد يعنيه ذلك لقطعانهم".

Simon Archer said one of the best-preserved medieval castles in Europe is right on his doorstep. Credit: Simon Archer
بيئة مثالية… بلا مفترسات
تتمتع جزيرة مان بمناخ معتدل، شتاؤه لطيف وصيفه بارد نسبياً، وهي ظروف تشبه إلى حد كبير موطن الولبي الأصلي في تسمانيا.
ومع وفرة الشجيرات وغياب المفترسات الطبيعية، وجدت هذه الحيوانات بيئة شبه مثالية للتكاثر والانتشار.
ورغم صغر حجمها، تُعد الولبيات اليوم أكبر الثدييات البرية الدخيلة في الجزيرة، وقد تسببت في حوادث مرورية، بينها حادث عام 2018 أدى إلى اصطدام سيارة بجدار.
إبادة أم إدارة أم تجاهل؟
تُصنَّف الولبيات قانونياً كنوع دخيل في جزيرة مان، ويُحظر إطلاقها أو السماح لها بالهروب إلى البرية.
لكن السلطات اتبعت تاريخياً سياسة عدم التدخل.
في المقابل، دعا صندوق الحياة البرية في الجزيرة إلى اعتماد سياسة شاملة، مشيراً إلى تأثير متزايد لهذه الحيوانات على النظام البيئي.
وتتراوح الآراء بين من يطالب بالقضاء الكامل عليها، ومن يراها عامل جذب سياحي أو أداة طبيعية للرعي.
يقول آرتشر: "سأكره أن أراها تُقتل بالكامل، لكنها في النهاية ليست من المفترض أن تكون هنا… وهذا خيار لا يمكن استبعاده".
أما كارافاجي، فيؤكد أن القرار يجب أن يستند إلى الأدلة العلمية:
"علينا سد فجوات المعرفة أولاً قبل اتخاذ قرار نهائي".
قضية أكبر من جزيرة
ليست الولبيات وحدها في هذه القصة. فمن عناكب أسترالية في اليابان، إلى حيوانات جرابية في نيوزيلندا، باتت الأنواع الأسترالية الدخيلة قضية عالمية.
ويحذّر الخبير في الأنواع الغازية تيم لووز من أن الأمن الحيوي بات أكثر تعقيداً وخطورة، مع تزايد العولمة والتنقل.
وبرأيه، فإن حماية النظم البيئية لا تقل أهمية عن الدفاع الوطني، لكنها لا تحظى بالاهتمام أو التمويل نفسه.

Detector dog teams intercepted more than 42,000 high-risk items, including at Australian airports in 2024. Source: AAP / David Jones
قرار على الأبواب
مع تصاعد النقاش العام، وتأثير وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، يرى كارافاجي أن جزيرة مان تقترب من لحظة حاسمة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل ستُكتب للولبيات نهاية في هذه الجزيرة النائية، أم ستصبح جزءاً دائماً من قصتها الحديثة؟
شارك
