للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
رغم أن صعود التيارات الشعبوية اليمينية قد لا يبدو مفاجئاً للمراقبين الدوليين بالنظر إلى ما يحدث في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا، إلا أن الحالة الأسترالية تبدو استثنائية ومغايرة تماماً لما يحدث على الجانب الآخر من الطيف السياسي العالمي؛ إذ لم يتمكن الخضر في أستراليا من رأسملة هذا السخط السياسي واحتوائه لصالحهم، على غرار ما فعله نظراؤهم في بريطانيا وأمريكا.
أرقام متجمدة ومفارقة ديموغرافية
تظهر استطلاعات الرأي التي تلت الانتخابات الفيدرالية الأخيرة (التي أُجريت في مايو 2025) تفوقاً كاسحاً لحزب "أمة واحدة"، حيث قفزت نسبته ليصبح الحزب الأكثر شعبية في البلاد مستحوذاً على نحو 30% من أصوات التفضيل الأول. وفي المقابل، تجمدت نسبة حزب الخضر الأسترالي عند حاجز 12%، وهي النسبة ذاتها التي حققها في الانتخابات الماضية دون أي تغيير يذكر. وتتضح المفارقة عند مقارنة هذا الأداء بحزب الخضر في إنجلترا وويلز بقيادة زاك بولانسكي، والذي رفع حصته من الأصوات من 10% إلى 18% في الانتخابات المحلية الأخيرة.
ويوضح محلل استطلاعات الرأي في مؤسسة "ريدبريدج" (Redbridge)، كوس ساماراس، أن الأصوات تتدفق بالفعل نحو الخضر ولكن ضمن فئات ديموغرافية محددة؛ إذ تتجاوز نسبة تأييد الحزب بين ناخبي "الجيل زد" (مواليد ما بعد عام 1996) حاجز 30%، وهي نسبة أعلى بكثير مما سجله جيل الألفية في السن نفسه، بل وترتفع هذه النسبة لتتخطى 40% بين نساء هذا الجيل.
ويعلق ساماراس قائلاً: "الجيل زد يختلف تماماً عن كل الأجيال السابقة، ولديهم ميل جارف نحو الخضر، لا سيما النساء منهم". إلا أن السبب وراء بقاء النسبة الإجمالية للحزب مستقرة هو خسارته في المقابل لدعم الأستراليين الأكبر سناً، الذين تذهب أصواتهم لصالح حزب العمال، والمستقلين "التيال" (Teal)، وبدرجة أقل لحزب "أمة واحدة".
معركة الطبقة العاملة وصورة "نخبة المدن"
خلال مؤتمر لحزب الخضر في فيكتوريا، أكد الزعيم البريطاني زاك بولانسكي على حاجة الحزب لمواجهة "أمة واحدة" والاتصال المباشر بغضب الناخبين الذين يهجرون الأحزاب الكبرى. وتماشياً مع هذا الطرح، أعلنت زعيمة الخضر الأستراليين، لاريسا ووترز، جاهزية حزبها ليكون بديلاً لحزب العمال، قائلة: "بات واضحاً للناس أن النظام الحالي يعمل ضدهم، وأن الأحزاب الكبرى لا تريد تغيير هذا النظام، لذا يبحثون عن بديل. وسيكتشفون قريباً أن حزب أمة واحدة يخدم المصالح والنخب ذاتها التي تمول حزبي العمال والأحرار".
وتتبنى ووترز خطاباً يطالب بفرض ضرائب مشددة على شريحة الـ 1% الأكثر ثراءً، لا سيما مصدري الغاز، كما تنتقد الحكومة لعدم جديتها في إصلاحات ضريبة السكن، معتبرة أن الإبقاء على الآليات الحالية للخصم الضريبي (Negative gearing) والإعفاءات على الأرباح الرأسمالية يغلق الأبواب أمام أجيال المستقبل.
ورغم وجود فرصة سانحة للخضر لالتقاط هذا الاستياء حول غياب العدالة الاقتصادية وأزمة السكن وفقاً لبول سميث، مدير الشؤون العامة في مؤسسة "يوغوف" (YouGov) لِاستطلاعات الرأي، إلا أن المحللين يرون أن الحزب فشل في اختراق أوساط الطبقة العاملة.
وبينما نجح بولانسكي في بريطانيا في جذب الناخبين العماليين والفوز بمقعد "غورتون ودينتون" التقليدي عبر ترشيح سباك سابق، لا يزال حزب الخضر في أستراليا يُنظر إليه كحزب يمثل "نخب مراكز المدن الثرية" (Inner-city elites). ويتجلى هذا التردد في موقف ووترز التي راوغت مراراً في الإجابة على سؤال مباشر حول ما إذا كانت ترغب في انخفاض أسعار المنازل، قبل أن يصدر مكتبها توضيحاً لاحقاً يؤكد رغبة الحزب في خفض الأسعار لمنح المشترين الأوائل فرصة، وهو خطأ تكتيكي يرجعه ساماراس إلى خشية الحزب من خسارة ناخبيه الذين يقطنون الضواحي الداخلية الفاخرة والمكلفة.
صراع الإستراتيجية: بين الصفقات البرلمانية والمواجهة
تفتح هذه الأزمة باب الخلاف الداخلي حول الإستراتيجية؛ إذ يرى النائب السابق عن حزب الخضر، ماكس تشاندلر ماثر -الذي خسر مقعده في انتخابات 2025 ويرأس حالياً مركز أبحاث فكري حليف للحزب- ضرورة تبني نهج أكثر وضوحاً وجرأة. وصرح تشاندلر ماثر أمام لجنة تحقيق برلمانية بشأن أزمة السكن قائلاً: "من الواضح تماماً أننا بحاجة إلى خفض أسعار العقارات".
وفي مقال نشره في منصة "ديبكات" (Deepcut) الصحفية، دعا تشاندلر ماثر إلى "تحول إستراتيجي جذري"، منتقداً توجه ووترز نحو إبرام الصفقات البرلمانية والمساومات مع الحكومة داخل أروقة مجلس الشيوخ، وكتب: "على الخضر التوقف عن تصور التغيير كشيء يتم التفاوض عليه في البرلمان مع حزب العمال؛ فالأفراد المنفصلون عن السياسة لن يصدقوا أبداً أن هناك شيئاً جيداً يمكن أن يولد من صفقات الغرف المغلقة مع المؤسسة السياسية الحاكمة".
ومن جهتها، تؤكد ووترز أن الخضر سيواصلون استخدام ميزان القوى في مجلس الشيوخ لتحقيق مكاسب ملموسة على المدى القصير، رافضة أن يكون الحزب مجرد "ممسحة أرجل" لتمرير تشريعات العمال، وقالت حاسمة: "لسنا جماعة ضغط؛ نحن حزب سياسي وهدفنا هو الوصول إلى السلطة وتشكيل الحكومة، ولن نقبل بالترقيعات الهامشية".
شاهدوا جميع مباريات كأس العالم FIFA 2026™ مباشرة ومجاناً على قنوات أس بي أس وعبر منصة SBS On Demand، لا تفوتوا الإعادات الكاملة للمباريات، والملخصات، وأبرز اللقطات والأهداف طوال فترة البطولة.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
