للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أظهرت بيانات حديثة أن أستراليا، رغم قوانينها الصارمة بشأن السلاح، باتت تشهد تزايداً في ضبط الأسلحة المصنّعة محلياً، بما في ذلك أسلحة مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد.
وكشفت إحدى القضايا التي تعود إلى أغسطس عام 2021 عن جانب من هذا التهديد المتصاعد، عندما عثرت الشرطة خلال تفتيش منزل موظف دفاعي سابق في مدينة أديلايد يُدعى أرتيم فاسيلييف على طابعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب وثائق تشرح كيفية تصنيع الأسلحة، وسلاح شبه آلي من طراز "إيه آر-15" تم إنتاجه باستخدام هذه التقنية، إضافة إلى أجزاء مفككة.
وأبلغت المحكمة أن فاسيلييف كان يتردد على غرف دردشة مرتبطة بجماعات تفوق العرق الأبيض، حيث شارك تعليمات تتعلق بصناعة الأسلحة والمتفجرات.
وأشار قاضٍ، خلال جلسة الحكم، إلى تقرير أعده اختصاصي في علم النفس الجنائي، أفاد بأن المتهم "كان في طور التطرّف"، وأن الأجهزة التي بحوزته احتوت على مواد تروّج لأيديولوجيات يمينية متطرفة.
ورغم تبرئته من تهم الإرهاب، أقرّ فاسيلييف بارتكاب 22 مخالفة تتعلق بالأسلحة، وحُكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات وتسعة أشهر.
وسلطت هذه القضية الضوء على تهديد متصاعد يتمثل في الأسلحة غير القابلة للتتبع، التي تُصنع باستخدام ملفات رقمية ومخططات متاحة عبر الإنترنت، خارج الأسواق المنظمة.
وأكدت السلطات أن غالبية الأسلحة غير القانونية في أستراليا لا تزال تقليدية، حيث قدّرت مفوضية الاستخبارات الجنائية الأسترالية (ACIC) أن نحو 200 ألف قطعة سلاح متداولة في السوق السوداء حتى عام 2023.
غير أن المفوضية أشارت إلى أن تطور التكنولوجيا وانتشار أساليب التصنيع عبر الإنترنت أسهما في نمو سوق صغيرة لكنها نشطة للأسلحة المصنّعة محلياً.
سوق رقمية تتسع بسرعة
أفادت الشرطة بأن الأسلحة المصنّعة محلياً، بما فيها تلك المطبوعة ثلاثياً، أصبحت تظهر بشكل متزايد في عمليات الضبط في مختلف أنحاء البلاد.
وقال المحقق جون واتسون، رئيس فريق العمل المعني بالأسلحة غير المشروعة في أستراليا، إن السلطات لاحظت خلال السنوات الخمس الماضية ارتفاعاً واضحاً في عدد هذه الحالات.
وفي عملية أمنية مشتركة أواخر العام الماضي، ضبطت السلطات أكثر من ألف قطعة سلاح غير قانوني وأجزاء مرتبطة بها، بينها 281 سلاحاً مطبوعاً ثلاثياً أو مكوّنات مصنّعة محلياً، في عملية شملت أستراليا ونيوزيلندا.
وأشار واتسون إلى أن أحد النماذج الأكثر شيوعاً هو سلاح "إف جي سي-9"، وهو سلاح شبه آلي مصنوع غالباً من البلاستيك، وقد يبدو شبيهاً بألعاب الأطفال، إلا أنه قادر على إطلاق النار بشكل متكرر.

وأوضح أن تصميم هذا السلاح نُشر لأول مرة عام 2020 ضمن وثيقة طويلة على الإنترنت، وأنه صُمم باستخدام مواد متاحة تجارياً لتجاوز القوانين الصارمة.
أستراليا ضمن بؤر عالمية
أشار الباحث روبن داس، من المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب في سنغافورة، إلى أن انتشار الأسلحة المطبوعة ثلاثياً يشهد تصاعداً عالمياً منذ عام 2020.
وأوضح أن أستراليا ونيوزيلندا تُعدّان من بين المناطق التي سُجل فيها ارتفاع ملحوظ في هذه الظاهرة، إلى جانب أميركا الشمالية وأوروبا والبرازيل.

وبيّن أن البيانات تشير إلى تسجيل 392 حادثة مرتبطة بهذه الأسلحة في أستراليا منذ عام 2013، تشمل الضبط أو الاستخدام أو محاولات الاستخدام.
ولفت إلى أن القوانين الصارمة في أستراليا تدفع بعض الأفراد إلى تصنيع أسلحة هجينة تجمع بين الطباعة ثلاثية الأبعاد ومكونات معدنية، بهدف التحايل على القيود القانونية.
تطور الأسلحة الرقمية
أوضح التقرير أن الأسلحة المطبوعة ثلاثياً كانت في بداياتها بدائية وغير موثوقة، لكنها شهدت تطوراً كبيراً منذ عام 2013، عندما نشر الناشط الأميركي كودي ويلسون تصميماً لأول مسدس بلاستيكي.
ورغم محاولات السلطات الأميركية حظر هذه التصاميم، انتشرت على نطاق واسع عبر الإنترنت، لتتطور لاحقاً إلى نماذج أكثر تقدماً وتعقيداً.
وقال واتسون إن هذه الأسلحة أصبحت أقرب إلى المستوى العسكري، مع انخفاض كلفة الطابعات وسهولة استخدامها، ما يزيد من المخاوف الأمنية.

من يصنع هذه الأسلحة؟
أكدت السلطات أن الأشخاص الذين يصنعون هذه الأسلحة لا ينتمون إلى فئة واحدة، بل يشملون مجرمين منظمين وأفراداً متطرفين، إضافة إلى حالات عنف منزلي وأفراد يجربون تصنيع الأسلحة في منازلهم.
وقال مايكل تايلور، من الشرطة الفيدرالية الأسترالية، إن هذه الظاهرة تتجاوز نوع الجريمة، مشيراً إلى أن التكنولوجيا أصبحت متاحة للجميع.
وأوضح أن أي شخص يمكنه نظرياً تصميم هذه الأسلحة ونشر مخططاتها عبر الإنترنت.

الإنترنت مفتوح أمام المخططات
أظهرت دراسة أجراها المعهد الأسترالي لعلم الجريمة أن الأستراليين أكثر عرضة للعثور على مخططات الأسلحة عبر الإنترنت المفتوح مقارنة بالشبكة المظلمة.
وقال الباحث أنتوني مورغان إن الدراسة شملت نحو 10 آلاف مستخدم، وأظهرت أن الفئة الأكثر ميلاً للوصول إلى هذه المواد هم الشباب الذكور ذوو المهارات التقنية.
وأشار إلى أن هؤلاء الأشخاص غالباً ما يكون لديهم تاريخ من العنف أو يسعون عمداً للوصول إلى محتوى عنيف.

تشديد القوانين والرقابة
دفعت هذه التطورات إلى مطالبات بتشديد القوانين، حيث حظرت معظم الولايات الأسترالية حيازة مخططات تصنيع الأسلحة المطبوعة ثلاثياً.
وأكد الباحث روبن داس أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تنسيقاً أكبر بين الأجهزة الأمنية، إضافة إلى إنشاء قواعد بيانات وطنية لتتبع هذه الأسلحة.
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات التهريب يتم عبر نقل الأجزاء وليس الأسلحة الكاملة، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة.
هل الأسلحة "الشبح" غير قابلة للتتبع؟
أوضحت السلطات أن وصف هذه الأسلحة بأنها غير قابلة للتتبع ليس دقيقاً، إذ يمكن تتبعها عبر البصمات والأدلة الجنائية والآثار الرقمية.
غير أن الخبراء يؤكدون أن تعقيد هذه العملية يجعل التحقيقات أكثر صعوبة، خصوصاً عندما يتم تصنيع السلاح بشكل كامل في بيئة مغلقة.

وأوضح داس أن أجهزة الشرطة والاستخبارات بحاجة إلى تعزيز تبادل المعلومات بشكل أكثر فاعلية، مؤكداً ضرورة إنشاء قواعد بيانات وطنية لتتبع عمليات ضبط الأسلحة وربط القضايا ببعضها البعض.
وقال إن "تطوير قواعد بيانات وطنية لحالات ضبط الأسلحة المطبوعة ثلاثياً يُعد أمراً بالغ الأهمية".
ولفت إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الأسلحة يتم تداوله على شكل قطع منفصلة وليس كسلاح كامل، ما يجعل خدمات البريد ومنصات التجارة الإلكترونية جزءاً أساسياً من المشهد.
وأشار إلى أن العديد من عمليات التهريب تتركز في نقل المكونات، التي قد تبدو حتى للعين المدربة على أنها مواد عادية وغير خطرة.
وفي ما يتعلق بما يُعرف بـ"الأسلحة الشبحية"، أوضح التقرير أن هذه التسمية توحي بأنها غير قابلة للتتبع، إلا أن السلطات ترى أن هذا الانطباع مضلل.

وقال منسق الأدلة الجنائية في الشرطة الفيدرالية الأسترالية مايكل تايلور إن "أي نشاط يقوم به الشخص يترك آثاراً يمكن تتبعها".
وأوضح أن تتبع هذه الأسلحة يعتمد على عملية متعددة التخصصات، تشمل مطابقة المقذوفات أو أظرف الطلقات بالسلاح، وفحص البصمات والحمض النووي، وتحليل آثار الأدوات والتصنيع، إضافة إلى تتبع البصمات الرقمية.
وأضاف أن الخبراء يعملون على استغلال هذه الأدلة للوصول إلى خيوط التحقيق.
بدوره، أكد المحقق جون واتسون أن الاعتقاد بعدم إمكانية تتبع هذه الأسلحة "غير صحيح".
في المقابل، أشار داس إلى أن الأسلحة المطبوعة ثلاثياً تظل صعبة التتبع، حتى مع تطور التقنيات، موضحاً أن تصنيعها قد يتم في بيئات مغلقة دون أي تواصل خارجي.
وأضاف أن العديد من التحقيقات الناجحة تعتمد على أخطاء يرتكبها الأفراد أثناء تواصلهم عبر الإنترنت، أو من خلال روابطهم مع آخرين، أو نتيجة العثور على الأسلحة خلال تحقيقات أخرى.

وأشار إلى أن العمل جارٍ حالياً لتشديد الرقابة على هذا المجال.
وفي الولايات المتحدة، يسعى مشرعون في ولايتي نيويورك وواشنطن إلى فرض تقنيات على الطابعات ثلاثية الأبعاد تتيح اكتشاف ومنع طباعة الأسلحة أو أجزائها.
وأكد داس أن تشديد القوانين ضروري، لكنه حذّر من أن الإفراط في القيود قد يدفع الفاعلين إلى العمل في الخفاء وتطوير وسائل أكثر ابتكاراً للالتفاف على القوانين.
وقال إن تقييد الوصول إلى المخططات والقطع عبر الإنترنت قد يؤدي إلى دفع السوق إلى مستويات أعمق وأقل ظهوراً.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
