عند بداية انتشار الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في نهاية القرن الماضي وبداية الحالي، كانت مساحة رقمية مختلفة تماماً عما هي عليه الآن. فكانت الانترنت بمثابة واحة أمان لكل من أراد الخصوصية ونشر أفكاره بدون رقابة أو تدقيق. فلم تتوفر الكثير من الطرق لمعرفة الهوية الحقيقية وراء اسم المستخدم على الشاشة.
وبالأخص لم تكن الحكومات بشكل عام لها تواجد كبير أو هيئات مهمتها الأساسية مراقبة الشبكة العالمية التي مكنت العالم من الاتصال وبمشاركة الأفكار في شتى المجالات بطريقة لم تسبق في تاريخ البشرية. قلة الرقابة أو انعدامها تقريباً كانت نتيجة لا مبالاة معظم الحكومات بعالم الانترنت، لأن نظرتها حينها لم تتعد حدود تقنية مناسبة للأكاديميين وهواة التكنلوجيا والاتصال، لا أكثر.
ولكن بعد مرور الوقت ودخول العديد من الطلاب والناس العاديين والشركات وأصحاب الأعمال والحكومات بشكل بطئ لعالم الانترنت، بدأ يضيق الخناق على مرتادي المنتديات التي تحولت إلى مواقع التواصل الاجتماعي مع انفجار شهرة موقع فيسبوك وما سبقه من مواقع أخرى مثل ماي سبيس و بيبو وغيرها.
“Man is least himself in his own person. Give him a mask and he will tell you the truth.” - Oscar Wilde
فأصبحت كل عائلتك وأصدقائك ومجتمعك الذي هربت منهم إلى عالم الانترنت أيضاً لهم وجود في نفس المساحة الرقمية الافتراضية وأتت معهم نفس القيود الاجتماعية التي تراقب وتسجل كل ما تقول وتفعل، بل وبفضل التكنلوجيا تتذكر مدى الحياة كل أقوالك ومواقفك السياسية والاجتماعية التي أعلنت عنها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
وبالطبع لا يمكن أن ننسى الحكومات التي استفاقت إلى أهمية شبكة تمكن العامة من التواصل بدون رقيب ولا حسيب وخصوصاً بعدما أدركت خطورتها خلال ثورات "الربيع العربي" التي بدأت بعضها بشكل أو بآخر من على منصات فيسبوك وتويتر. وأصبحت الآن لكل الحكومات وأجهزة المخابرات العالمية أعين وآذان ترى وتسمع كل ما يقال على الانترنت حتى في المواقع والمنتديات الأقل شهرة.
حتى وصل الأمر إلى أن الولايات المتحدة ستبدأ في طلب كل حسابات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالمتقدمين على أي تأشيرة للولايات المتحدة من أجل دراسة ملف المتقدم.
فهل فقدت الانترنت خاصيتها الأهم، خصوصيتها؟ هل انتهت واحة الأمان والسرية التي هرب إليها مرتادوها الأولين؟ فكما قال الكاتب الايرلندي الشهير أوسكار وايل
"الانسان يخفي طبيعته وراء صورة ذاته. اعطه قناعاً لينطق لك بحقيقته"
استمعوا هنا الى البث المباشر لاذاعتنا و لاذاعة BBC أيضا
حمّل تطبيق أس بي أس الجديد على الأندرويد والآيفون للإستماع لبرامجكم المفضلة باللغة العربية.
