للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
يتضمن هذا التقرير إشارات إلى العنف الأسري وعنف الشريك.
سمعت ناتالي هانكوك طوال حياتها أن الزواج أهم ما يمكن أن تحققه الشابة.
نشأت في منطقة هيلز بمدينة سيدني، وسط مجتمع كنيستها الخمسينية المحلية.
وفي أواخر سنوات المراهقة، أخبرها شاب من الكنيسة أن الله اختاره "رسولاً مُعيّناً"، وأنه يحمل إليها رسالةً مفادها أن عليها الزواج منه.
لكنها رفضت ولم تفعل.
وعندما بلغت 19 عاماً، شاركت في برنامج عطلة عمل في بريطانيا، أملاً في توسيع آفاقها، قبل أن تكتشف أن البرنامج أقرب إلى عملية احتيال. وهناك التقت الرجل الذي أصبح زوجها في غضون عام.
تعارفا أثناء عملهما في حانة، حيث كان يعمل طاهياً ويكبرها بعشرة أعوام. وتتذكر ناتالي أنه كان قد وصل حديثاً من المجر ولا يكاد يتحدث الإنجليزية، لكنها وقعت في حبه.
وقالت لـ"أس بي أس نيوز" إنه "كان ساحراً ومهووساً بي تماماً".
وأضافت "لأنني نشأت وسط بيئة شديدة الارتباط بالكنيسة، كانت خبرتي بالرجال والعلاقات عموماً محدودةً جداً".
وطلب منها الزواج قبل انتهاء صلاحية تأشيرتها ببضعة أشهر.

وقالت "شعرت بسعادة غامرة، ليس لأنني كنت أعلم أنه قرار جيد أو حتى آمن، بل لأنني نشأت في عالم يُعد فيه الزواج أحد أهم الأمور التي يمكن أن تحققها الشابة، إن لم يكن أهمها".
وتزوجا في كانون الثاني/يناير 2013، بعد أيام قليلة من بلوغها العشرين.
لكن الزواج لم يستمر.
وانفصل الزوجان بعد أقل من عام، لينضما إلى عشرات الآلاف من الأستراليين الشباب الذين تنتهي زيجاتهم بالطلاق.
أصغر المطلقات في أستراليا
وأظهرت أحدث البيانات السنوية الصادرة عن"مكتب الإحصاءات الأسترالي" ارتفاع حالات الطلاق خلال عام 2025 مقارنةً بالعام السابق.
ومنحت السلطات 49148 حالة طلاق، بزيادة بلغت 4.1 في المئة، ليرتفع معدل الطلاق الوطني من 2.1 لكل ألف شخص عام 2024 إلى 2.2 لكل ألف شخص.
وظل متوسط العمر عند الطلاق مستقراً نسبياً خلال الأعوام الأخيرة، إذ بلغ 47.3 عاماً للرجال و44.4 عاماً للنساء.
لكن التعمق في البيانات يكشف فئةً صغيرةً يسهل تجاهلها، تضم أشخاصاً تزوجوا وتطلقوا في سن مبكرة.
وتزوجت خلال عام 2025 نحو 775 امرأةً تراوح أعمارهن بين 16 و19 عاماً، و11868 امرأةً بين 20 و24 عاماً، مقارنةً بـ296 رجلاً و7789 رجلاً ضمن الفئتين العمريتين نفسيهما.
وتطلقت خلال العام نفسه 458 امرأةً تراوح أعمارهن بين 16 و24 عاماً، بمعدل يعادل 0.3 حالة لكل ألف شخص. وفي المقابل، تطلق 170 رجلاً فقط ضمن الفئة العمرية نفسها، بمعدل 0.1 لكل ألف شخص.
ورغم أن هذه الفئة تمثل نسبةً محدودةً من السكان، فإن كثيراً من أفرادها يروون تجارب متشابهةً.

وتعرضت بريندا، وهو اسم مستعار لحماية خصوصيتها، لضغوط عائلية دفعتها إلى الزواج في سن 23 عاماً. وتقول، وقد بلغت الآن 35 عاماً، إن تلك الضغوط ارتبطت إلى حد كبير بخلفيتها اللبنانية واليونانية الكاثوليكية المختلطة.
وفي حديثها لـ"أس بي أس نيوز" قالت "كانت هناك ضغوط ضمنية مرتبطة بالعائلة والثقافة والدين والتوقيت. أنتمي إلى خلفية ثقافية مختلطة، وكان هذا هو الخطاب الذي سمعته طوال فترة نشأتي".
وأضافت "كان حصولي على التعليم أمراً جيداً، لكن ما بعد ذلك كان يتمحور حول الزواج وتأسيس منزل وإنجاب الأطفال".

وقالت محامية الطلاق كاساندرا كالباكسيس إن معظم موكليها الشباب، الذين تراوح أعمارهم عادةً بين 25 و35 عاماً، سلكوا طريقاً مشابهاً نحو الزواج.
وأوضحت أن الضغوط الناجمة عن الخلفية الثقافية وتوقعات الوالدين والمعتقدات الدينية تدفعهم غالباً إلى الزواج من أول شريك جدي، من دون إدراك واضح لما يتطلبه الزواج.
وأضافت: "تعلّم كثيرون منهم أن الزواج يجب أن يتخذ شكلاً محدداً، بصرف النظر عما إذا كانت العلاقة صحيةً أم لا".
ضغوط تمنع الانفصال
وتتذكر ناتالي أن زواجها في المملكة المتحدة تحول سريعاً إلى علاقة عنيفة.
وقالت "لاحظت تغيراً في سلوكه مباشرةً تقريباً بعد زواجنا".
وأضافت "أصبح يشرب أكثر، وازدادت غيرته وسيطرته وعنفه. لقد أصبحت ملكاً له".
وحتى ذلك الحين، لم تفكر ناتالي في إمكانية المغادرة، لأنها كانت تعتقد أنها قطعت وعداً أمام الله.
وقالت: "كنت أؤمن حقاً بأن الانفصال ليس خياراً، وشعرت بخجل شديد لمجرد التفكير فيه".
واتخذ زواج سارة مساراً شبه مطابق.
نشأت سارة في إحدى المناطق الإقليمية بولاية فيكتوريا، وتزوجت حبها الأول عندما كانت في الحادية والعشرين. وكان يعمل طاهياً ويكبرها بعشرة أعوام، والتقته، مثل ناتالي، أثناء عملها في حانة.
وقالت "كان ذلك طبيعياً إلى حد كبير، لأنني أنتمي إلى بلدة ريفية يتزوج فيها الناس في سن أصغر".
لكن زواجها تحول سريعاً إلى علاقة عنيفة. وقد غيّرت "أس بي أس نيوز" اسمها لحماية خصوصيتها.
وقالت: "بلغ الأمر ذروته خلال شجار كبير هددني فيه جسدياً. هربت من المنزل ولجأت إلى أصدقائي، ثم رفضت مقابلته منفردةً بعد ذلك".

ويمثل ذلك نمطاً خطيراً يظهر في عدد من الزيجات المبكرة في أستراليا.
وقالت كالباكسيس إن الشباب أكثر عرضةً للدخول في علاقات مسيئة، فيما يعتقد كثيرون منهم أنهم غير قادرين على المغادرة.
وتشير بيانات "مكتب الإحصاءات الأسترالي" لعام 2023 إلى تعرض واحدة من كل أربع نساء لعنف جسدي أو جنسي من شريك حميم منذ سن الخامسة عشرة، مقارنةً بواحد من كل 14 رجلاً.
وكشفت الدراسة الأسترالية لإساءة معاملة الأطفال لعام 2021 عن ارتفاع نسبة الإبلاغ عن عنف الشريك الحميم بين المشاركين الذين تراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً إلى 48 في المئة، وبين الذين تراوح أعمارهم بين 25 و44 عاماً إلى 51 في المئة، مقارنةً بـ40 في المئة بين من بلغوا 45 عاماً أو أكثر.
وكان العنف الجنسي أكثر انتشاراً أيضاً بين المشاركين الذين تراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً.
وقالت كالباكسيس إن عوامل الخطر قد ترتفع لدى من يواجهون ضغوطاً ثقافيةً إضافيةً.
وأضافت: "غالباً ما يتعرض الأشخاص لضغوط كبيرة من داخل مجتمعاتهم، تعزز التوقعات المتعلقة بشكل الزواج والاعتقاد بعدم جواز مغادرته، بصرف النظر عما يحدث خلف الأبواب المغلقة".

فئات لا تظهر في البيانات
قد لا تظهر بعض النساء الأكثر تضرراً بهذه الظروف في البيانات الرسمية على الإطلاق.
وأظهرت دراسات أن المنتمين إلى خلفيات متنوعة ثقافياً ولغوياً Culturally and Linguistically Diverse""، والمعروفة اختصاراً بـCALD، قد يواجهون خطراً أكبر للتعرض للعنف الأسري والمنزلي والجنسي، بسبب عوامل تشمل حواجز اللغة ووضع التأشيرة وغياب الدعم والشبكات المجتمعية.
وحددت اللجنة الملكية للتحقيق في العنف الأسري التابعة لحكومة فيكتوريا عام 2015 مجتمعات التنوع الثقافي واللغوي بوصفها فئةً ذات أولوية.
وأشارت اللجنة، وهي الأولى من نوعها في أستراليا، إلى أن العنف الأسري داخل هذه المجتمعات لا يُبلّغ عنه على الأرجح بصورة كافية، ولا تتوافر بيانات موثوقة ترسم صورةً واضحةً للمشكلة، بسبب عوائق الوصول والتواصل والمشاركة الاجتماعية.
وكشفت اللجنة أيضاً مخاطر خاصةً تواجه هذه المجتمعات، من بينها العزلة الاجتماعية والزواج القسري والإساءة المالية والروحية والعنف الذي يرتكبه أكثر من شخص والإساءة المرتبطة بالهجرة.
ورصدت معالجة الأزواج والعائلات موكتيش تشيبر هذه الظروف مباشرةً خلال عملها مع الشباب في الجالية الهندية.
وتلتقي تشيبر بصورة منتظمة فتيات تراوح أعمارهن بين 19 و22 عاماً، قدمن إلى أستراليا للزواج، غالباً ضمن زيجات مرتبة، ثم وجدن صعوبةً في التأقلم مع بلد ولغة وبنية عائلية جديدة في الوقت نفسه.
وقالت "المجتمع والبيئة بالكامل غير مألوفين، وكذلك طريقة الحياة ونمطها. وإذا كان الزواج مرتباً، فإن الزوجين لا يعرف أحدهما الآخر".

وقد تدفع العزلة وغياب الاستقلال المالي ومحدودية فهم الأنظمة الأسترالية بعض النساء إلى البقاء في زيجات يرغبن في مغادرتها مدةً أطول بكثير.
وقالت تشيبر: "يشعرن بعجز شديد ولا يعرفن ما ينبغي فعله، لأنهن لا يعرفن النظام الأسترالي ولا يملكن سوى أزواجهن. وتشعر بعضهن بأنهن عالقات".
وأضافت أن التعرض لعنف الشريك غالباً ما يضاعف هذا الشعور.
وتابعت: "تبقى كثيرات منهن في تلك العلاقات العنيفة. ومن المحزن للغاية رؤية الفتيات عالقات في هذه الدائرة لأنهن يشعرن فعلاً بأن لا مخرج أمامهن".
وتتعامل كالباكسيس مع تحديات هذه الظروف من الناحية القانونية، موضحةً أن الوصمة الثقافية الراسخة المرتبطة بالانفصال قد تؤدي إلى تدخل أطراف أخرى، مثل أفراد العائلة، للوساطة.
وقالت: "عندما يرتبط الأمر بالدين، أرى أحياناً أشخاصاً أكبر سناً أو أكثر نفوذاً داخل المجتمع يحاولون تبرير السلوك أو التقليل من خطورته أو حتى التستر عليه".
وأضافت "للأسف، قد يؤدي ذلك إلى إطالة بقاء الناجيات في العلاقات المسيئة".
وأعربت كالباكسيس عن قلق خاص حيال الفئة الأصغر سناً، ولا سيما الفتيات في سن 16 أو 17 عاماً اللواتي يتزوجن بموافقة الوالدين، وغالباً ضمن زيجات مرتبة، إذ قد يجعل الخجل الثقافي مغادرة العلاقة العنيفة تبدو مستحيلةً.
وقالت: "أرى عدداً متزايداً من الأشخاص ضمن هذه الفئة يتعرضون للعنف الأسري ويجدون صعوبةً بالغةً في المغادرة بسبب الوصمة الثقافية المرتبطة بالانفصال".
وأضافت: "لا يجري الحديث عن العنف الأسري في بعض الثقافات، ولا سيما ضمن هذه الفئة العمرية، كما لا يرغب الناس في التدخل".
وتابعت: "يترك ذلك النساء والفتيات عرضةً لخطر كبير، وغالباً ما تكون مؤشرات احتمال تصاعد العنف وصولاً إلى القتل مرتفعةً جداً في هذه العلاقات".
الطلاق "وسام شرف"
تقول سارة إن الوصمة تتراجع تدريجياً مع مرور الوقت لدى الشباب الذين ينجحون في مغادرة زيجات لم يعودوا يرغبون فيها أو يشعرون بالأمان داخلها.
وتلاشى الخجل وكذلك وصمة العار الذي رافق طلاقها بعدما مرّ أصدقاؤها بتجارب انفصال مماثلة.
وقالت: "لم يعد الأمر مستغرباً".
وتنظر سارة الآن إلى نفسها في سن أصغر بتعاطف، قائلةً: "ربما كان درساً حياتياً أقسى مما كنت أحتاج إليه في تلك السن، لكنه ظل تجربةً جميلةً لاختيار الحب".

أما بريندا فباتت تنظر إلى صفة "مطلقة" بوصفها "وسام شرف".
وقالت "احترمت نفسي وتقبلت انتهاء العلاقة وأن الوقت حان لأنمو وأمضي قدماً".
ولا يتعلق ندمها الوحيد بالطلاق، بل بالثقافة التي أحاطت بزواجها.
وقالت: "أتمنى لو لم يُقدَّم الزواج للفتيات باعتباره أمراً يتعين عليهن فعله".
وتشعر ناتالي بأنها باتت منفصلةً تماماً عن الشابة التي تزوجت بعد أيام من انتهاء سنوات مراهقتها.
وقالت: "أمزح كثيراً بالقول إنني كنت عروساً طفلةً، إذ لم يكن قد مضى على خروجي من سن المراهقة سوى أربعة أيام".
وأضافت: "مررت بتحولات كثيرة منذ ذلك الحين، وأنا الآن مثلية بصورة معلنة وأفخر بذلك، وأعيش علاقةً صحيةً مع امرأة رائعة".
وخلصت الى القول "عندما أنظر إلى تلك النسخة من نفسي، أشعر بأنها لا تمت إليّ بصلة. يبدو الأمر كما لو أن التركيبة الكيميائية لدماغي تغيرت بالكامل، وأعتقد حقاً أنها تغيرت".
إذا كنت أنت أو شخص تعرفه متأثراً بالعنف الأسري أو المنزلي، فاتصل بخدمة 1800RESPECT على الرقم 1800 737 732، أو أرسل رسالةً نصيةً إلى 0458 737 732، أو زُر موقع 1800RESPECT.org.au. وفي حالات الطوارئ، اتصل بالرقم 000.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
