

Feature
نشر في:
آخر تحديث:
لم تكن النيران المقتربة تشبه أبدًا ما توقعته دونا أندروز. لم ترَ جبهة نيران تلتهم التلال البعيدة في مرتفعات جنوب نيو ساوث ويلز، حيث تعيش، بل شاهدت سحابة تنمو في الأفق.
قبل أيام فقط، خلال اجتماع في قاعة البلدة، أُبلغت دونا وزوجها جون أن أمامهما وقتًا كافيًا، فالنيران لا تزال بعيدة.
لكن مساء 3 كانون الثاني/يناير 2020، تغير كل شيء. تشكلت عاصفة رعدية عنيفة في السماء، ناتجة عن الطاقة الهائلة لحرائق الغابات المشتعلة.

تتذكر دونا تلك اللحظات بوضوح: "كنا نراها تتحرك وترتفع عاليًا، ثم تحولت إلى مكبس ناري أسقط اللهب علينا. فجأة، اشتعل كل شيء من حولنا".
كنا نرى لمسافات بعيدة، ولم تكن هناك أي نيران. ثم فجأة، اشتعل كل شيء من حولنا.
من داخل منزلهما الريفي الخشبي في بلدة بوندانون، غطى الدخان السماء، جاء اتصال من الجار: "نحن نحترق. اخرجوا، اخرجوا الآن!".
تسابق الزوجان لجمع ما استطاعا حمله، ووضعا الدجاج في السيارة، وانطلقا نحو طريق بوندانون، محاطين باللهب.
خلال الرحلة المحفوفة بالمخاطر، شاهدت دونا زوجها يعبر بسيارته جدارًا من النيرانن ترددَت للحظة، شعرت وكأنها أبدية. تساءلت: "هل هو ذاهب إلى الجحيم؟".
لكنها أدركت أن التوقف يعني الهلاك، فاندفعت بسيارتها خلفه.
تقول بأسى: "جون كان على الجانب الآخر، لكنه لا يزال غير قادر على الحديث عن تلك اللحظات حتى الآن".
راودتني فكرة: "هل يقود سيارته نحو الجحيم؟" لكن سرعان ما أدركت أن البقاء في مكاني يعني الهلاك، فاندفعت إلى الأمام دون تردد.
قضى الزوجان الليلة مع أصدقاء في باورال، ولم يُسمح لهما بالعودة إلى منزلهما في اليوم التالي.
لكنهما اكتشفا مصير منزلهما عبر التلفاز: تحول إلى رماد، ولم يتبقَ منه سوى مدخنتيه.
تقول دونا: "لم أصدق أن هذه كانت حياتنا.

جون كان على وشك التقاعد، وفجأة لم يعد لدينا شيء. لم نستطع استيعاب الأمر".
لم تكن الصدمة وحدها هي التحدي. فبعد أسابيع فقط، اجتاحت جائحة كوفيد-19 العالم، مما عرقل جهودهما لإعادة البناء.
انتقل الزوجان بين خمسة منازل للإيجار خلال أربع سنوات، في رحلة مضنية لاستعادة حياتهما.
رغم الإرشادات بصبرها، تؤكد دونا: "في الداخل، كنت أصرخ: لا استطيع الصبر، ليس لدي خيار آخر!"
عانت شهورًا من الحزن العميق، ليس فقط لفقدان منزلها، ولكن لما رأت أنه دليل على تغير المناخ الذي تسببه البشرية. تعبر بغضب عن استيائها من الحكومات التي فضلت الأرباح قصيرة الأجل على التخطيط طويل المدى.

للتعامل مع اضطرابها النفسي، بدأت بتناول مضادات الاكتئاب بدعم من طبيبها العام. خلال جائحة كورونا، أُحيلت إلى جلسة وحيدة مع طبيب نفسي عبر الإنترنت، أخبرها أنها "تبلي بلاءً حسنًا".
لكنها شعرت أن معاناتها لم تنتهِ: "اعتقدت أنني بخير، لكن من الواضح أن الأمر سيبقى معي للأبد".

تشير الدراسات إلى أن الكوارث الطبيعية، مثل حرائق الغابات، تترك أثرًا عميقًا على الصحة العقلية، وجدت دراسة أجرتها الجامعة الوطنية الأسترالية أن واحدًا من كل خمسة أشخاص تأثروا بحرائق 2019-2020 ظهرت عليهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
يؤكد الدكتور تيموثي هيفرنان، عالم الأنثروبولوجيا بجامعة نيو ساوث ويلز، أن المجتمعات التي تمر بكوارث كبرى تعاني من فقدان القدرة على التكيف مع الحياة اليومية، يقول: "نعتقد أن الناس سيتعافون بعد عامين، لكن الحقيقة أن التأثيرات النفسية قد تدوم طويلاً".
وغالبًا ما يرتبط الناس بأماكنهم بسبب جمالها وسكينتها، لكن الكوارث الطبيعية تغيّر ذلك الشعور.
بعد رؤية بوندانون مدمرة، شعرت دونا بإحساس غريب. تقول: "كانت الحرائق تتحرك بأنماط دوامية عبر المراعي، وكأن المكان لم يعد هو نفسه".
يصف العلماء هذا الشعور بـ"الحنين البيئي"، حيث يشعر الناس بالاغتراب في بيئتهم الطبيعية بعد الكوارث.
بعد الكوارث، توفر الحكومات دعمًا نفسيًا، لكنه غالبًا ما يكون مؤقتًا. يقول هيفرنان: "تُخصص موارد نفسية لفترة قصيرة، لكن التعافي النفسي يستغرق وقتًا أطول بكثير".

يؤكد الباحث جيمس بينيت ليفي أن الأشخاص الذين يواجهون الكوارث يكونون مشغولين بقضايا أخرى مثل السكن والعمل، ولا يجدون الوقت لمعالجة صدماتهم.
يقول: "يحاول الناس البقاء على قيد الحياة، وليس لديهم مساحة نفسية للتعامل مع آلامهم".
حصل بينيت ليفي وفريقه على منحة بقيمة 3.8 مليون دولار لإدارة برامج علاجية، مثل العلاج بالفن والعلاج القائم على الطبيعة.
ويوضح: "عندما يشعر الأشخاص بأنهم وحدهم في معاناتهم، يصبحون أكثر عرضة للشعور بالخزي والقلق، مما يعمّق مشاكلهم النفسية".

ورغم أن الكوارث تترك الناس منفصلين عن مجتمعاتهم، إلا أن الروابط الاجتماعية تظل عاملاً رئيسيًا في التعافي.
كلما كانت المجتمعات متماسكة قبل الكارثة، كان أفرادها أكثر قدرة على تجاوزها.
بالنسبة لدونا، كان البقاء في بوندانون رغم الدمار أمرًا ضروريًا. لم تكن مستعدة للتخلي عن المكان الذي كان يومًا ما منزلها.

أكملوا الحوار عبر حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
توجهوا الآن إلى موقعنا الالكتروني للاطلاع على آخر الأخبار الأسترالية والمواضيع التي تهمكم.