خواطر في زمن الكورونا: في أي عالم سنعيش بعد الكورونا؟

يضع فيروس لا يرى بالعين المجردة البشرية أمام اسئلة فلسفية وصحية واقتصادية وسياسية و وجودية عميقة.

coronavirus

Source: Getty

فيروس غامض ينتشر بسرعة عابرا الحدود و هازئا بالخرائط، وأعداد المصابين به والمتوفين بسببه من ارتفاع الى ارتفاع، اللقاح او الدواء يبدو بعيد المنال، مخازن فارغة من السلع، متسوقون يتعاركون على لفة ورق مراحيض، رحلات جوية ألغيت و مطارات فارغة، حالة هلع في أسواق المال تشطب مئات مليارات الدولارات من قيمة الأسهم و كلام عن ركود عالمي، مخاوف تجتاح القارات الخمس ودجالون يستفيدون من ذعر و جهل الناس، حكومات حائرة تغلف ترددها باجراءات غالبا ما تأتي متأخرة، أنظمة صحية تئن تحت وطأة ضغوط هائلة لم تكن مستعدة لها، المصافحة العادية بين شخصين أصبحت مصدرا محتملا لتفشي الوباء، هستيريا جماعية تحول الشعوب المتحضرة و المتخلفة الى قطعان تخشى من احتمالات نهاية الكون التي تبدو قريبة، إغلاق حدود وحظر على السفر و حجر ذاتي إلزامي على القادمين من الخارج، تصفية حسابات سياسية تافهة بين الدول و كلام عن مؤامرات و اشاعة الفيروس عمدا في هذا البلد او ذاك، خزائن الحكومات تفتح على آخرها لضخ المليارات لاعادة الروح الى اقتصادات منهكة، إلغاء التجمعات والمناسبات الرياضية الكبيرة منها والصغيرة وإغلاق المدارس والجامعات، عطسة واحدة في مكان عام كفيلة بإحداث حالة من الذعر، هذا عقاب الهي للبشر الذين ابتعدوا عن الخالق و انغمسوا في الملذات و المعاصي و الموبقات كما يقول البعض.

مقابل هذه السيناريوهات الكارثية يحاول منطق آخر ايجاد مكان لنفسه في غمرة الجدل المتواصل. لا داع للهلع – يقولون – عدد سكان الأرض يفوق السبعة مليارات قضى الفيروس (حتى كتابة هذه السطور) على سبعة آلاف شخص منهم وهي نسبة قليلة جدا. الزكام العادي يفتك بعدد أكبر من الناس سنويا في كل بلاد العالم.

ثم أن القضية لا تحتاج كل هذا الهياج، يكفي غسيل اليدين بانتظام و بعناية عدة مرات يوميا و الابتعاد عن التجمعات و الأشخاص المصابين للخلاص. و عاجلا أم آجلا سيتوصل العلماء إلى لقاح او دواء للمرض، و لا يجب ان ننسى ان معظم المصابين سيتماثلون للشفاء لاحقا وكأن شيئا لم يكن.

وفي غياب الاجوبة الشافية تبقى الاسئلة الحارقة: ماذا نفعل الآن؟ هل سنموت كلنا؟ هل نضع كل ثقتنا في حكمة حكومات تكذب في كل شيء؟ هل سنرى في بقية العالم في مارس – آذار ونيسان – ابريل ما سبق أن رأيناه في الصين في كانون الثاني – يناير وشباط – فبراير؟ هل ستتجاوز البشرية محاولة الفيروس الخبيث اركاعها كما تجاوزت من قبل تحديات مماثلة كانت أخطر وأكثر ضررا؟ هل هناك من دروس للحضارة المعاصرة لتتعلمها من هذه المحنة التي أظهرت هشاشتها الشديدة؟ ألا يفرض علينا الفيروس طرح اسئلة الوجود و البقاء في وقت اعتقد فيه الإنسان أنه سيد الطبيعة دون منازع وانه كلي القدرة بسبب التكنولوجيا التي ابتدعها وصنع فيها المعجزات؟ هل فهمنا كبشر من هذه المصيبة ان تعاوننا و تضامننا و مساعدتنا لبعضنا البعض هي سبيل الخلاص للجميع؟


3 مدة القراءة

نشر في:

By Hachem El-Haddad


Share this with family and friends


تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now