للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
تتزايد الضغوط على جيل طفرة المواليد في أستراليا مع تفاقم أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع شريحة منهم إلى البحث عن بدائل سكنية مع اقتراب سن التقاعد، في وقت تتراجع فيه معدلات امتلاك المنازل بينهم.
ورغم استمرار هيمنة هذا الجيل على سوق الملكية العقارية، إلا أن هذه الهيمنة آخذة في التراجع، وسط تحديات مالية ومعيشية متصاعدة، تفرض على كثيرين إعادة النظر في خياراتهم السكنية للمرحلة المقبلة من حياتهم.
في هذا السياق، سلط برنامج Insight الضوء على واقع هذه الفئة، متسائلًا عن الخيارات المتاحة لمساعدتهم على البقاء خارج دور رعاية المسنين، في ظل محدودية الدخل وارتفاع تكاليف الإيجار.
المعلمة المتقاعدة ساندرا باركر، البالغة سبعين عامًا، تمثل نموذجًا لهذه التحديات، إذ عاشت طوال حياتها كمستأجرة، وتقيم حاليًا بمفردها في وحدة سكنية جنوب غرب سيدني. وتقول إن أكثر من ستين في المئة من معاشها التقاعدي يذهب للإيجار، ما يجعل الانتقال إلى منطقة أفضل أمرًا خارج قدرتها المالية.
وتوضح ساندرا أن الصورة النمطية عن الثراء لدى جيل طفرة المواليد لا تعكس الواقع دائمًا، مشيرة إلى أن كثيرين من أقرانها، حتى من امتلكوا منازل، لم يتمكنوا من ادخار ما يكفي لتقاعد مريح.
لا أريد تحمّل العبء المالي
وتعرب عن قلقها المستمر من احتمال ارتفاع الإيجار أو بيع العقار، ما قد يضطرها إلى الانتقال مجددًا بتكاليف مرتفعة تصل إلى خمسة آلاف دولار، وهي تحاول الاحتفاظ بهذا المبلغ تحسبًا لأي طارئ.
وتخشى ساندرا بشكل خاص من خطر الانزلاق إلى التشرد، خاصة مع ارتفاع عدد النساء فوق سن الخامسة والخمسين اللواتي يواجهن هذا المصير في أستراليا، مؤكدة أنها شاهدت بنفسها حالات لنساء في مثل عمرها يعشن بلا مأوى.
وبالمثل، تعيش بيلي سكوت، البالغة أربعة وستين عامًا، حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها السكني، إذ تستأجر منزلًا في أليس سبرينغز مع أفراد من عائلتها مقابل نحو 520 دولارًا أسبوعيًا، مع زيادات محدودة في الإيجار خلال السنوات الأخيرة.

وتشير بيلي إلى أنها لا ترغب في تحمّل عبء قرض عقاري، مفضّلة خيار الاستئجار حتى لو امتلك أحد أفراد عائلتها منزلًا، مؤكدة أنها لا تريد تحمل التزامات مالية طويلة الأمد.
وتكشف أنها فكرت في التقاعد خارج أستراليا، لكنها تراجعت بسبب ارتباطها العائلي، مشددة على أنها لا ترغب في العيش في قرى التقاعد أو مواجهة خطر التشرد.

من جانبها، تروي سالي، البالغة ستة وستين عامًا، تجربتها بعد أن باعت منزلها عام 2012 لرعاية والديها في المملكة المتحدة، لتعود لاحقًا وتجد نفسها خارج سوق العقارات بسبب ارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على قرض في سن متقدمة.
الإيجار .. حين تموّل منزل غيرك
وتوضح أنها اضطرت لاستئجار منزل لسنوات، ما استنزف مدخراتها، مشيرة إلى أن ما كانت تدفعه من إيجار كان يذهب فعليًا لسداد قرض مالك العقار، وهو ما جعلها تشعر بأنها تتراجع ماليًا بدل التقدم.
وبحثًا عن الاستقرار، لجأت سالي إلى خيار بديل تمثل في شراء منزل صغير متنقل، مع خطط للعيش خارج الشبكة عبر توليد الطاقة ذاتيًا، ما يمنحها مرونة أكبر في التحكم بمكان إقامتها.

وعلى صعيد الأرقام، تظهر بيانات المعهد الأسترالي للصحة والرفاه تراجع نسبة امتلاك المنازل بين من هم فوق 65 عامًا، إذ بلغت 74 في المئة في عام 2017-2018، مقارنة بنحو 79 في المئة في 2003-2004.
وترى المستشارة المالية غريس بيكون أن التقدم في العمر يجعل الحصول على قرض أكثر صعوبة، في حين يستمر ارتفاع الإيجارات في المدن والمناطق الإقليمية، ما يفاقم حالة عدم اليقين لدى المستأجرين.
من الإيجار إلى الاستقلال .. منزل على عجلات
وتحذر بيكون من تزايد خطر التشرد بين النساء الأكبر سنًا، موضحة أن الفجوة في المدخرات التقاعدية بين الرجال والنساء، والتي تصل إلى نحو 25 في المئة، إلى جانب الطلاق أو الترمل، تسهم في هذا الواقع.
وتنصح بالتخطيط المبكر للتقاعد قبل عشر إلى خمس عشرة سنة، مع إعطاء الأولوية للاستقرار المالي الشخصي بدل الاعتماد على دعم الأبناء مستقبلًا.

وفي ظل هذه التحديات، يتجه بعض الأستراليين إلى نماذج سكنية بديلة مثل العيش المشترك، حيث يتقاسم عدة أشخاص مساحة واحدة مع الحفاظ على وحدات مستقلة، ما يخفف التكاليف ويعزز الروابط الاجتماعية.
الأرقام .. تراجع ملكية المنازل بين كبار السن
ويقول إيان، الذي يعيش مع زوجته وزوجين آخرين في كانبيرا، إن هذا النموذج يهدف إلى كسر العزلة التي باتت سمة للحياة في الضواحي، من خلال مشاركة المساحات والتكاليف.
لكنه يقرّ بأن هذا النمط لا يناسب الجميع، إذ يتطلب قدرة على التعاون والتواصل المستمر بين السكان.

العيش المشترك .. تجربة سكن مختلفة
أما ساندرا، فترى أن هذا الخيار لا يناسبها، مؤكدة تمسكها بالعيش المستقل رغم التحديات المالية، ومشيرة إلى أنها اعتادت الاعتماد على نفسها ولا تفضّل مشاركة السكن مع الآخرين.
وتأمل ساندرا، التي تتابع دراستها لتصبح مساعدة مكتبة، ألا تضطر يومًا لمواجهة التشرد، لكنها تعترف بأنها قد تلجأ إلى النوم في سيارتها أو الاعتماد على الأصدقاء في حال تدهور وضعها السكني.

ويعكس هذا الواقع تحولات أعمق في سوق السكن الأسترالي، حيث لم يعد امتلاك منزل في سن التقاعد أمرًا مضمونًا، حتى بالنسبة لجيل لطالما ارتبط بالاستقرار العقاري.
أكملوا الحوار عبر حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
