في ظل التغيرات الجذرية التي يشهدها النظام العالمي، وفي وقت تتسارع فيه الأحداث الأمنية من أوروبا إلى المحيط الهادئ، تظل مسألة الإنفاق الدفاعي في أستراليا ملفًا ثقيلاً يتجنبه كل من رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي وزعيم المعارضة بيتر داتون، رغم كونه أكثر القضايا الاستراتيجية إلحاحًا في المشهد السياسي قبيل الانتخابات الفيدرالية المقبلة.
ففي حين يركز الحزبان الرئيسيان على ملفات الاقتصاد والمعيشة، تلوح في الأفق تحديات أمنية جسيمة تتطلب مراجعة جادة لقدرات أستراليا الدفاعية ومدى جاهزيتها لحماية مصالحها في بيئة دولية تزداد اضطرابًا.
القلق المتزايد لا ينبع فقط من الأحداث العالمية كعودة التوتر في مضيق تايوان، أو الغزو الروسي لأوكرانيا، بل أيضًا من الحراك العسكري الصيني في محيط أستراليا.
فقد أكدّت وزارة الدفاع مؤخرًا دخول سفن حربية وأخرى بحثية صينية إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلاد، في تحركات أثارت تساؤلات حول حدود الردع الدفاعي الأسترالي.
الخبير العسكري ألبرت بالاتزو، يرى أن الاستراتيجية الدفاعية الحالية "ليست ملائمة إطلاقًا"، موضحًا أن الاعتماد شبه الكلي على تحالف أمني مع الولايات المتحدة – كما هو الحال في اتفاقية أوكوس AUKUS – يعد مخاطرة سياسية غير محسوبة، خصوصًا في ظل تذبذب السياسة الأمريكية الخارجية.
نحن نبني قوتنا العسكرية على فرضية أن أمريكا ستكون دائمًا في صفنا. لكن ماذا لو تغيّرت أولويات واشنطن؟الخبير العسكري ألبرت بالاتزو
في المقابل، تؤكد جنيفر باركر، الخبيرة في كلية الأمن القومي بالجامعة الوطنية الأسترالية، أن أستراليا لطالما سمحت لقدراتها الدفاعية بـ"الضمور"، معتبرة أن العالم يتغير بصورة متسارعة بينما لا تزال السياسة الدفاعية الأسترالية متأخرة عن الواقع.
وفقًا لموازنة 2025-2026، خصصت الحكومة 58.99 مليار دولار لقطاع الدفاع، أي ما يعادل 2% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي، على أن ترتفع هذه النسبة إلى 2.3% بحلول أوائل الثلاثينيات. لكن باركر ترى أن جزءًا كبيرًا من هذا التمويل ليس بجديد، بل يعود لالتزامات سابقة تأثرت بالتضخم.
وتضيف أنّ "المسألة ليست فقط زيادة الإنفاق، بل إعادة التفكير في الهيكل والعمليات والكوادر البشرية"، مؤكدة أن أوجه النقص تمتد من القدرات البحرية، إلى الدفاع الصاروخي، وحتى تقنيات الحرب الإلكترونية.
رغم وصف وزير الدفاع ريتشارد مارلس للتحالف مع الولايات المتحدة بأنه "محوري لأمننا القومي"، إلا أن هناك أصواتًا تحذر من الإفراط في التعويل على هذا التحالف. وقد لمح داتون إلى إمكانية استخدام التعاون العسكري كورقة تفاوض لإلغاء الرسوم الجمركية التي أعلن عنها ترامب، وهو ما اعتبرته باركر "أرضًا خطرة" لا يجب المغامرة بها.

وترى أن الأمن القومي لا يجب أن يكون أداة للمقايضة الاقتصادية، بل غاية بحد ذاته تُمليها حسابات استراتيجية بعيدة المدى، داعية إلى تعزيز العلاقات الدفاعية مع دول المحيط الهادئ والعمل على تطوير قدرات مستقلة.

للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
