للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
وصلت شابتان يونانيتان إلى أستراليا على متن السفينة نفسها قبل 70 عاماً، وهما تحملان آمالهما في بدء حياة جديدة.
كانت ماريا أليكساكيس تبلغ 19 عاماً، فيما كانت إيليني دوكاس في الثانية والعشرين.
وبدأت صداقتهما خلال رحلة استغرقت 38 يوماً من أثينا إلى سيدني على متن سفينة MS Tasmania ""، وهي إحدى السفن التي عُرفت باسم "سفن العرائس"، وحملت آلاف الشابات اليونانيات إلى أستراليا خلال سنوات ما بعد الحرب.
وبعد عشرة أيام من وصولها إلى سيدني، ارتدت ماريا فستان زفاف اشتراه شقيقها على عجل من أحد المتاجر الكبرى في المدينة، لتتزوج من سبيرو أليكساكيس.
وبعد أسبوع، ارتدت إيليني الفستان نفسه في حفل زفافها من بيتر دوكاس.
وأصبحت المرأتان اليوم جدتين لأحفاد، أو ياياس yiayias "" باللغة اليونانية، وتتبادلان عناقاً حاراً في غرفة معيشة ماريا بمنطقة بادستو في غرب سيدني.
وسألت إيليني بابتسامة مازحة بدت عليها علامات الضيق قليلاً:"ماذا يفعلون بنا؟".
وأشارت إيليني، البالغة 92 عاماً، إلى ابنها جورج وابنة ماريا، إيفي، اللذين جمعاهما لاستعادة الذكريات.
وجلست المرأتان إلى مائدة الطعام تتحدثان بسرعة باللغة اليونانية عن السنوات التي مضت، فيما امتلأت المائدة سريعاً بأكواب القهوة والحلوى ومجموعة كبيرة من الصور بالأبيض والأسود.
وأظهرت عشرات الصور المرأتين في شبابهما برفقة صديقات قديمات، خلال حفلات الزفاف والرقص وحمل الأطفال، موثقةً بدايات حياة نساء جديدات في أستراليا بعد مغادرتهن اليونان.
وأخرجتا بعناية ستيفانا stefana ""، وهي تيجان الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، بعدما احتفظت كل منهما بتاجها طوال 70 عاماً.
وقالت إيليني لـ"إس بي إس "، وهي تمسك بتاجها وتعقد ذراعيها "عندما يفعلون هذا في الكنيسة، فهذا يعني أنك أصبحت عالقةً معه طوال حياتك".
هذا يعني أنك ستبقى معه طوال حياتك!إيليني
وتفتح قصتا ماريا وإيليني نافذةً على فصل غير معروف على نطاق واسع من تاريخ هجرة اليونانيين إلى أستراليا بعد الحرب، وعلى النساء اللواتي تركن عائلاتهن وحياتهن المألوفة وقطعن آلاف الكيلومترات للزواج من رجال لم يعرفنهم إلا قليلاً.
فستان الزفاف "المتنقل"
كشف التدقيق في الصور العائلية تفصيلاً مفاجئاً ضمن قصة مألوفة.
واكتشفت إيفي، ابنة ماريا والمصورة المعروفة التي أمضت مسيرتها المهنية في توثيق قصص المهاجرين اليونانيين الأستراليين مع شريكها المؤرخ ليونارد يانيشيفسكي، صوراً لنساء مختلفات يرتدين فستان الزفاف نفسه.
وقالت إيفي لــ" أس بي أس" لا شيء يسعدني أكثر من تصفح الصور، ولا سيما صور عائلتنا القديمة".
وأضافت "كنت أتصفح هذه الصور مع أمي، فرأيت صورتين أو ثلاثاً لعرائس يرتدين فستاناً متشابهاً".
وتابعت "كان الجزء العلوي مصنوعاً من الدانتيل، وله أكمام بطول ثلاثة أرباع وتنورة من التول. كان جميلاً جداً".
جزء علوي من الدانتيل، وأكمام بطول ثلاثة أرباع، أما التنورة فكانت من قماش التول. كان الفستان جميلاً جداً.
وقالت "أخبرتني أمي حينها: نعم، لقد ارتدينا جميعاً الفستان نفسه. فقلت لها: لم تكن لدي أي فكرة عن ذلك".
ودفع هذا الاكتشاف إيفي إلى تتبع رحلة الفستان عبر الصور والذكريات العائلية والسجلات الأخرى.
وتمكنت، بعد عامين من البحث، من العثور على أربع نساء أخريات ارتدين الفستان نفسه.
وقالت إن ثلاثاً من العرائس، بينهن ماريا وإيليني، لا يزلن على قيد الحياة.
ولا تتذكر المرأتان المتجر الذي اشتُري منه الفستان، لكنهما تعرفان أن شقيق ماريا هو من اشتراه، وتعتقدان أنه ربما جاء من متجر ديفيد جونز أو متجر مارك فوي
وقالت ماريا "لم يكن لدينا أي مال في ذلك الوقت".
وأضافت "كان معظم الناس يستأجرون فساتين زفافهم، لكن لأنني كنت أملك فستاناً، استطعنا إعطاءه إلى الأخريات مجاناً".
وتابعت "كان كل دولار نوفره مهماً، لأننا جميعاً جئنا إلى هنا من دون أي شيء"
وقالت إيليني إنها شعرت بأنها محظوظة لارتداء الفستان أيضاً.
وأضافت: "حصلنا على فرصة لارتدائه، وارتداء شيء جميل".
كان لكل دولار نوفره أهميته، لأننا جميعاً قدمنا إلى هنا ولا نملك شيئاً.ماريا

تاريخ "سفن العرائس"
شجعت سياسة أستراليا بعد الحرب المعروفة بشعار "زيادة السكان أو الاندثار" او ما تعرف بـ populate or perish "" الهجرة من الدول الأوروبية، بما فيها إيطاليا واليونان.
ووصل مهاجرون يونانيون خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بحثاً عن فرص جديدة، وهرباً من المصاعب الاقتصادية والاضطرابات التي خلفتها الحرب الأهلية اليونانية.
وكان الكثير من المهاجرين اليونانيين الأوائل رجالاً قدموا إلى أستراليا للعمل. ومع نمو الجاليات، أصبح لمّ شمل العائلات والزواج جزءاً مهماً من الاستقرار طويل الأمد.
وقالت إيفي "وصل والدي عام 1954. وكان عليهم العمل لمدة عامين، وفي ذلك الوقت، إذا أردت البقاء في أستراليا، كان عليك تكوين عائلة".
وأضافت "لمنعهم من العودة إلى اليونان، قالت الحكومة إن بإمكانهم إحضار عروس إلى هنا".
ومع استقرار المزيد من الرجال اليونانيين في أستراليا، أصبحت هجرة النساء جزءاً مهماً من نمو العائلات والجاليات، وتشكلت رحلاتهن بفعل مزيج من سياسات الهجرة والروابط العائلية وشبكات المجتمع.

وحملت سفن عدة خلال خمسينيات القرن الماضي مجموعات من النساء اليونانيات إلى أستراليا، من بينها بيغونا وتسمانيا وكاستل فيليس.
وكانت كثيرات منهن عرائس بالوكالة او ما يعرف proxy brides""، لكن إيليني قالت إن ظروفهن تفاوتت بدرجة كبيرة.
فقد سبق لبعضهن لقاء أزواجهن المستقبليين في اليونان، فيما تبادلت أخريات الرسائل أو شاهدن صوراً قبل السفر. والتقت أخريات الرجال المرشحين للزواج منهن للمرة الأولى في أستراليا.
وروت إيليني قصة فتاة كانت على متن السفينة معها ومع ماريا ولم يسبق لها لقاء خطيبها.
وقالت "نزلت من السفينة وهي تحمل حقيبتها، لكنها اكتشفت عند لقاء زوجها المستقبلي أنه كان كبيراً جداً في السن"!.
وأضافت "لقد أرسل إليها صورةً التقطت له عندما كان شاباً".
وتابعت "ذهبت إلى القبطان وقالت له: أريد العودة إلى اليونان"!.
وضحكت المرأتان وهما تتذكران الرجل الذي كان ينتظر الفتاة في ملبورن حاملاً باقةً من الزهور، قالتا إنها انتهت في البحر.
وأضافتا أنه سافر إلى سيدني عندما رست السفينة هناك، آملاً في إقناعها بتغيير رأيها.
وتكشف قصاصات الصحف والصور واللقطات المصورة لوصول السفن مشاهد حشود ضخمة وفوضوية أحياناً من الرجال والأقارب وأفراد الجالية، كانوا ينتظرون في موانئ ملبورن وسيدني.

والتقطت صور لبعض الرجال وهم يصعدون على متن "إم إس تسمانيا" عند وصولها إلى ملبورن في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1956.
النساء وراء "سفن العرائس"
أمضت إيفي السنوات الأخيرة في توثيق قوة المهاجرات اليونانيات خلال مرحلة ما بعد الحرب، وما واجهنه من صعوبات وما حققنه من إنجازات، والاحتفاء بهن.
ويتكامل عملها مع أعمال مؤرخين وباحثين يونانيين أستراليين وثقوا تجارب النساء اللواتي هاجرن خلال تلك الفترة، ومن بينهم باناغيوتا نازو، مؤلفة كتاب العرائس الموعوداتPromised Brides .
وقالت إيفي "أصدرت نازو كتاباً في التاريخ الشفوي، أجرت من أجله مقابلات مع نحو 30 عروساً قدمن إلى أستراليا، وكانت بين قصصهن حكايات سعيدة وأخرى حزينة".
وقالت ماريا إنها شعرت بأنها محظوظة لأنها كانت تعرف زوجها، ولو قليلاً، قبل وصولها إلى أستراليا.
وأضافت "كنت أعرفه من قريتي.. كنا جارين، وكان صديقاً لشقيقي".
وتابعت "هو من أعد الأوراق اللازمة لقدومي إلى هنا".
وقالت ماريا إن سبيرو كان ينتظرها عندما وصلت السفينة إلى سيدني في 18 تشرين الأول/أكتوبر 1956.
وكان وجهاً مألوفاً لها، لكن التجربة ظلت شاقةً، إذ لم تره منذ سنوات عدة وكان يكبرها بعشرة أعوام.
وقالت "شعرت بقليل من الحرج والخجل، لكنني كنت أعرف زوجي. لو لم أكن أعرفه، لكان الأمر مختلفاً تماماً".
وكانت إيليني قد التقت زوجها أيضاً وتبادلت الرسائل معه قبل مجيئها إلى أستراليا.
وقالت "كانت لكل فتاة قصتها الخاصة. جاءت بعضهن لأن أزواجهن الذين تزوجنهم حديثاً كانوا هنا، فيما جاءت أخريات بعدما شاهدن صوراً".
وأضافت "كان الأمر صعباً بعض الشيء، وكانت لكل واحدة قصتها".
كنت شابةً، وكنت أتجه إلى أستراليا بحثاً عن مستقبل أفضل، لكنني لم أكن أدرك حقاً إلى أين أذهب أو ما الذي سأواجهه هناك.إيليني
ورغم أن إيليني تتذكر أنها أمضت "وقتاً ممتعاً" في رحلتها إلى أستراليا برفقة ماريا وشقيقها الذي كان يعمل مضيفاً على السفينة، فإن خطيبها لم يكن ينتظرها في الميناء كما توقعت.
وقالت وهي تستعيد شعورها بالوحدة بعيداً عن عائلتها: "وصلنا ووجدناه، أي العريس، في المنزل. ومن هناك بدأت الأمور الصعبة".
وتزوجت بعد وقت قصير في مراسم وصفتها بأنها "صغيرة" وفق المعايير اليونانية.
وقالت: "كان حفل زفاف صغيراً جداً. لم أكن أعرف أي شخص، ولا أحد على الإطلاق. لم يكن لزوجي سوى عدد قليل من الأصدقاء، ولذلك لم يحضر الزفاف أكثر من 20 شخصاً".
كان ذلك أصعب ما في الأمر: بعض الأصدقاء، لكن من دون عائلة.إيليني
وأضافت "كان ذلك أصعب شيء، وجود بعض الأصدقاء من دون عائلة".
وتابعت "واجهت أكبر صعوبة عندما غادر شقيقي. عندها فهمت وأدركت أنني أصبحت في الغربة، وليس لدي أحد".
وقالت إيليني إن شعورها بالعزلة والحنين إلى الوطن بدأ يتراجع بعد ولادة طفلها الأول جورج، رغم أنها وصفت تجربة الحمل والولادة بأنها كانت "موحشةً للغاية".
وأضافت: "قلت لنفسي: انتهى الأمر يا إيليني، هذه حياتك الآن. لقد أنجبت طفلاً، فكرسي حياتك له".

وقالت إيفي إن هناك أيضاً قصصاً لنساء بقين وحيدات في اليونان.
وأضافت "كان رحيل جميع الشباب يتسبب أحياناً في دمار قرية بأكملها في اليونان".
وتابعت "أجرينا في كتابنا الأول مقابلات مع عدد من الأشخاص، والتقينا نساءً مسنات لم يجدن أحداً يتكفل بقدومهن".
وقالت "بقين من دون زواج ومعزولات في القرى، لأنهن لم يعرفن شخصاً يستطيع إحضارهن إلى هنا ومنحهن فرصة المغادرة مثل بقية أبناء قراهن".
إرث فستان الزفاف
لا يعرف أحد أين انتهى المطاف بفستان الزفاف "المتنقل".
فبعد انتقاله من عروس إلى أخرى، اختفى في نهاية المطاف وضاع أثره خلال السبعين عاماً التي مرت منذ ارتدائه للمرة الأولى.
لكن إيفي قالت إن محاولة جمع أجزاء رحلته أعادت شيئاً آخر إلى السطح.
وأضافت "لقد أشعلن ذكرياتهن من جديد".
ولم تعد ماريا وإيليني قادرتين على تذكر بعض التفاصيل، لكن ذكريات أخرى عادت إليهما من خلال المحادثات والصور القديمة.
وقالت إيفي "لا تتذكران ذهابهما إلى المتجر لشراء شيء مهم مثل فستان الزفاف، لكنهما تتذكران إعداد الطعام لحفلة الزفاف".
وأضافت "لقد تذكرتا معاً أشياء كثيرةً لم أكن أعرفها من قبل، مثل أن فتحة الفستان من الصدر كانت واسعة ومنخفضةً جداً، ولذلك أضافت الخياطة قطعةً من القماش إلى جزئه العلوي".
إذا لم نوثق قصصهن الآن، فستختفيإيفي
وشهد جورج، ابن إيليني، هذه العملية بصورة مباشرة.
وقال لـ"أس بي أس" ان "الاستماع إلى قصص سنواتهما الأولى وحياتهما في أستراليا تجربة تثري المعرفة. تتعلم الكثير عن والديك وما فعلاه وما مرّا به للوصول إلى هنا".
وبالنسبة إلى جورج، فإن العثور على الفستان سيكون إضافةً جميلةً، لكنه ليس جوهر القصة.
وقال "لماذا نفسد قصةً جميلةً؟"، مضيفاً أن ظهوره مجدداً سيكون "مصادفةً سعيدةً وغير متوقعة".
لكن إيفي لا تزال تأمل في العثور عليه.
وقالت "أود كثيراً رؤية هذا الفستان".
وأضافت "بدأت أسميه الفستان السحري، لأن والدتي تقول إنها كانت نحيفةً جداً، لكنها كانت ممتلئةً مقارنةً ببقية العرائس، ومع ذلك ناسَب الفستان جميع النساء بطريقة ما".
وتابعت"أتمنى العثور عليه. ربما تستطيع ابنتي ارتداءه في زفافها".
وبالنسبة إلى ماريا وإيليني، ينتمي الفستان إلى الماضي، لكن قصتهما وصداقتهما وعائلتيهما لا تزال حاضرةً.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
