كثفت القوات التركية والجماعات الموالية لها محاولاتها الرامية إلى تطويق وعزل بلدة رأس العين ومدينة تل أبيض الحدوديتين، بعد أربعة أيام من عمليتها شمال سورية ضد الوحدات الكردية. وفي اليوم الرابع من هجومه الثالث، أعلن الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية لأنقرة السيطرة على مدينة رأس العين، التي تشهد مع تل أبيض معارك كر وفر مع الوحدات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
إلا أن قوات سوريا الديمقراطية، المشكلة من أغلبية كردية، نفت الأمر، على لسان مسؤول فيها الذي قال إن "رأس العين لا تزال تقاوم، والاشتباكات العنيفة مستمرة".

كما أكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض رامي عبد الرحمن إن القوات التركية لا تسيطر إلا على جزء من البلدة. ويبلغ طول الحدود السورية- التركية 911 كيلو مترا مربعا.
وتتركز المعارك العنيفة في منطقتي رأس العين (في شمال محافظة الحسكة) وتل أبيض (في شمال محافظة الرقة)، يرافقها قصف مدفعي وجوي كثيف، يمتد إلى مناطق حدودية أخرى. وحتى الان، تشير الإحصائيات الأولية إلى مقتل حوالي 50 مدنياً على جانبي الحدود ونزوح أكثر من 100 ألف شخص.
"داعش"
وفي شأن متصل، حذرت دول غربية عدة أن يساهم الهجوم التركي في احياء تنظيم داعش الذي لا يزال ينشط عبر خلايا نائمة رغم هزيمته الميدانية على يد قسد بدعم أميركي.
كما أعلنت تركيا أنها ستبقي على عناصر تنظيم داعش المحتجزين في مناطق شمال شرق سورية والخاضعة لسيطرة القوات الكردية بعد سيطرتها عليها، معبرة عن استعدادها للتعاون مع الدول التي ينتمون في إعادة تأهيل أسرهم.
وقالت الخارجية التركية، في بيان صحافي "في هذه المرحلة سنُبقي على عناصر "داعش" وأسرهم، وستتولى تركيا احتجازهم داخل المناطق المحررة من الإرهاب في سوريا".
مسؤولية أخلاقية
من جهتها، دعت قسد السبت واشنطن إلى "تحمل مسؤولياتها الأخلاقية" تجاهها وإغلاق المجال الجوي أمام الطيران التركي، ما من شأن أن يساعد مقاتليها المتمرسين في القتال على التصدي للهجوم التركي.
وتشير تقارير إلى صعوبة تقدم تلك القوات التركية والجماعات الموالية لها بسبب القناصة المنتشرين. كما تحدث قيادي في الفصائل الموالية لأنقرة عن "بطئ في التقدم نتيجة المقاومة الشرسة لوحدات حماية الشعب الكردية، وعدد القناصة الكثيف جداً".
ويتوقع محللون أن يقتصر الهجوم التركي في مرحلة أولى على المنطقة بين رأس العين وتل أبيض ذات الغالبية العربية خلافا لغالبية المناطق الحدودية الأخرى ذات الغالبية الكردية. ويبلغ طول هذه المنطقة أكثر من مئة كيلومتر. وسيطرت القوات التركية منذ بدء هجومها وفق المرصد على 27 قرية حدودية، غالبيتها في محيط تل أبيض.

وقتل 20 مدنياً السبت بنيران القوات التركية والمقاتلين الموالين لها، بحسب المرصد، لتبلغ حصيلة قتلى الهجوم التركي حتى الان 38 مدنياً و81 مقاتلاً من قوات سوريا الديموقراطية.
وفي الجهة المقابلة من الحدود، قتل منذ الخميس 18 مدنياً في قذائف اتهمت السلطات التركية المقاتلين الأكراد بإطلاقها.
قرارات ظالمة
وبدأت تركيا هجومها بعد يومين من سحب واشنطن مجموعة محدودة من جنودها من نقاط حدودية في شمال شرق سوريا في خطوة بدت وكأنها ضوء أخضر أميركي.
وتعليقا على هذه الخطوة، قالت قسد السبت في بيان تلاه القيادي ريدور خليل في مدينة الحسكة "حلفاؤنا ضمنوا لنا الحماية (...) لكن فجأة ومن دون سابق انذار تخلوا عنا بقرارات ظالمة من خلال سحب قواتهم من الحدود التركية".
واعتبرت قسد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب جنوده من نقاط حدودية عدة، "طعنة من الخلف".

وتهدف تركيا من هجومها إلى إقامة منطقة عازلة تحت سيطرتها تنقل إليها قسماً كبيراً من 3,6 ملايين سوري لديها. وبعدما طالته انتقادات لاذعة متهمة إياه بالتخلي عن الأكراد ومحذرة من عودة تنظيم داعش، هدد ترامب تركيا بتدمير اقتصادها في حال تخطت حدودها. وحذر وزير الخزانة ستيفن منوتشين الجمعة من "عقوبات شديدة جداً".
"العدوان التركي"
دوليا، حذرت منظمات دولية من كارثة إنسانية جديدة في سوريا. وقدرت الأمم المتحدة نزوح مئة ألف مدني من مناطق حدودية منذ بدء الهجوم التركي. وقالت منظمة الأغذية العالمية السبت إن "المزيد من الأشخاص يغادرون (مناطقهم) بشكل يومي، والأعداد إلى ازدياد".
وأعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس أن بلاده ستوقف تسليم تركيا أسلحة "يمكن أن تستخدم في شمال شرق سوريا" ضد المقاتلين الأكراد.

ودان وزراء الخارجية العرب خلال اجتماع طارئ عُقد السبت في القاهرة ما وصفوه بـ"العدوان التركي".
كما أعلنت وزارتا الخارجية والجيوش الفرنسيتان السبت أن "فرنسا قررت تعليق أي مشروع لتصدير معدات حربية إلى تركيا يمكن استخدامها في إطار الهجوم في سوريا".
