دخل الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة بعد توقيعه برعاية أميركية، فاتحاً الباب أمام ترتيبات أمنية يفترض أن تمهد لإنهاء المواجهات على الجبهة اللبنانية. لكن هذا التطور السياسي يواجه اختبارا مبكرا تزامن مع تصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، أعاد المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع مع تلويح الرئيس الاميركي بالعودة الى الحرب ومحو ايران باكمال المهمة عسكريا .
تصعيد أميركي إيراني يهدد وقف إطلاق النار
شهدت منطقة الشرق الاوسط، الأحد، تصعيداً عسكرياً جديداً بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أقل من أسبوعين على إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار بين البلدين، ما أثار مخاوف من انهيار التفاهم الذي كان يُنظر إليه باعتباره بداية مسار سياسي لاحتواء المواجهة التي استمرت أشهراً.
وبدأت جولة التصعيد الأخيرة بعد تعرض ناقلة النفط MT Kiku لهجوم بطائرة مسيرة أثناء عبورها مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تنفيذ سلسلة ضربات جوية قالت إنها استهدفت بنى تحتية عسكرية إيرانية مرتبطة بالهجوم.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن مقاتلات تابعة للبحرية وسلاح الجو الأميركيين نفذت غارات على عشرة أهداف عسكرية في مواقع متعددة داخل مضيق هرمز ومحيطه، شملت منشآت لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواقع للرادارات الساحلية، وأنظمة الاتصالات العسكرية، ومنشآت للدفاع الجوي، إضافة إلى مواقع مرتبطة بقدرات زرع الألغام البحرية.
وأكدت القيادة في بيان أن الضربات جاءت "رداً مباشراً" على ما وصفته بالعدوان الإيراني المتواصل ضد الملاحة التجارية، مشيرة إلى أن طهران أُتيحت لها فرصة للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، لكنها اختارت، بحسب البيان، عدم الالتزام به.
ورأت واشنطن أن الهجوم على ناقلة النفط شكّل انتهاكاً واضحاً للتفاهم الذي توصل إليه الطرفان قبل نحو أسبوعين، والذي كان يهدف إلى احتواء المواجهة العسكرية المستمرة منذ أربعة أشهر وإعادة فتح الباب أمام المسار الدبلوماسي.
ترامب يلوّح بـ"إكمال المهمة عسكرياً"
وصعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران، متهماً إياها بخرق اتفاق وقف إطلاق النار "مرة أخرى"، ومحذراً من أن استمرار الهجمات سيقود إلى استئناف العمليات العسكرية الأميركية على نطاق أوسع.
وقال ترامب إن الطائرات الأميركية استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى مواقع للرادارات الساحلية، رداً على ما وصفه بانتهاكات إيرانية متكررة للاتفاق.
وأضاف، في منشور على منصة "تروث سوشيال"، أن إيران "قد لا تتعلم أبداً"، محذراً من أنه قد تأتي لحظة "لن نعود فيها قادرين على التحلي بضبط النفس"، وأن الولايات المتحدة ستضطر عندها إلى "إتمام المهمة التي بدأناها بنجاح كبير عسكريا".
وذهب الرئيس الأميركي إلى أبعد من ذلك عندما قال إن ايران "لن تبقى قائمة" إذا اضطرت الولايات المتحدة إلى استئناف حملتها العسكرية، في واحدة من أكثر تصريحاته حدة منذ بدء المواجهة الأخيرة مع طهران.
وتعكس تصريحات ترامب انتقال الإدارة الأميركية من مرحلة التحذير السياسي إلى التهديد الصريح باستخدام القوة، في حال اعتبرت واشنطن أن طهران لم تعد ملتزمة بالاتفاق الذي رعته وساطات إقليمية.
واشنطن: إيران أعادت بناء قدراتها العسكرية
وفي موازاة تصريحات ترامب، كشف مسؤول أميركي كبير في وزارة الدفاع أن الجولة الجديدة من الضربات جاءت بعد رصد إعادة إيران بناء مواقع عسكرية سبق أن تعرضت للقصف خلال الأشهر الماضية.
وأوضح المسؤول أن طهران أعادت نشر منظومات الدفاع الجوي والصواريخ في منطقة مضيق هرمز، وعززت انتشارها في مواقع عدة، بينها جزيرة قشم ومدينة سيريك، بعد انتهاء الحملة الجوية الأميركية السابقة.
وأضاف أن الضربات الأخيرة جاءت أوسع من العمليات التي نُفذت خلال الأيام الماضية، واستهدفت مواقع أعادت إيران تشغيلها بعد إعادة تأهيلها.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة منحت إيران فرصة للحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الهجوم الذي استهدف ناقلة النفط دفع الجيش الأميركي إلى الرد مجدداً.
إيران ترد باستهداف الكويت والبحرين
ولم يتأخر الرد الإيراني، إذ أعلن الحرس الثوري تنفيذ عمليات مشتركة بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع في الكويت والبحرين، قال إنها تضم قواعد ومنشآت عسكرية أميركية.
وأوضح الحرس الثوري أن الضربات استهدفت قاعدة علي السالم الجوية في الكويت ومقر الأسطول البحري الأميركي الخامس في ميناء سلمان بالبحرين، مؤكداً أن العملية جاءت رداً على الهجمات الأميركية الأخيرة.
كما حذر من أن أي هجوم أميركي جديد، "حتى لو استهدف أهدافاً غير مهمة"، سيقابل برد وصفه بـ"الساحق".
في المقابل، أعلن الجيش الكويتي أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت صواريخ وطائرات مسيرة معادية، مؤكداً أن أصوات الانفجارات التي سُمعت في البلاد نتجت عن عمليات الاعتراض.
أما البحرين، فأعلنت وزارة الداخلية إطلاق صفارات الإنذار، ودعت المواطنين والمقيمين إلى التوجه نحو الأماكن الآمنة، في إجراء يعكس حجم التوتر الذي أحدثته الضربات المتبادلة.
مضيق هرمز يعود إلى واجهة الأزمة
وأعاد التصعيد الأخير مضيق هرمز إلى صدارة المشهد، بعدما تحول مجدداً إلى بؤرة للتوتر بين واشنطن وطهران.
وتتهم الولايات المتحدة إيران بمحاولة تهديد الملاحة الدولية واستهداف السفن التجارية، بينما تؤكد طهران أن أمن المضيق يقع ضمن مسؤولياتها السيادية.
وكانت مذكرة التفاهم التي وقعها الطرفان الأسبوع الماضي قد نصت على اتخاذ إيران الإجراءات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، في مقابل خفض التصعيد العسكري وبدء مفاوضات غير مباشرة بوساطة باكستان وقطر للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً قابلة للتمديد.
غير أن تبادل الاتهامات بانتهاك الاتفاق أعاد الشكوك بشأن مستقبل هذا المسار، بما يحمله ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية، في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها المضيق بالنسبة لإمدادات النفط العالمية.
الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل... ما الذي ينص عليه؟
في موازاة التصعيد الإقليمي، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقاً إطارياً برعاية أميركية، يهدف إلى إطلاق مسار ينهي المواجهات على الحدود اللبنانية الجنوبية التي اندلعت منذ بدء الحرب في غزة.
وجاء الاتفاق بعد خمس جولات تفاوضية غير مباشرة بين الجانبين، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بينهما، وبوساطة أميركية هدفت إلى تثبيت ترتيبات أمنية تفتح الباب أمام وقف العمليات العسكرية تدريجياً.
ويُنظر إلى الاتفاق على أنه إطار تفاوضي وليس اتفاق سلام أو معاهدة سياسية، إذ يحدد المبادئ العامة التي سيجري تنفيذها على مراحل، مع ترك تفاصيل تقنية وأمنية إلى لجان متابعة ستعمل بإشراف أميركي.
نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي
ويقضي الاتفاق، وفق ما أُعلن، بأن يبدأ الجيش اللبناني بالانتشار تدريجياً في مناطق جنوبية محددة، على أن يترافق ذلك مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة.
كما ينص على بدء الانتشار في منطقتين وُصفتا بأنهما "تجريبيتان"، تمهيداً لتوسيع الخطة إلى بقية المناطق إذا جرى تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
ويعد بند نزع سلاح حزب الله الأكثر حساسية في الاتفاق، إذ ينص على أن يجري حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، في مقابل استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
بيد أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً نهائياً لإنجاز هذه الخطوات، بل يربط تنفيذها بتقييم ميداني وسياسي مستمر، وهو ما يمنح الوسطاء الأميركيين دوراً محورياً في متابعة التنفيذ وتسوية الخلافات التي قد تنشأ بين الطرفين.
عون: الدولة ستتحمل مسؤولية التنفيذ
وأعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ الاتفاق، مؤكداً أن الحكومة ستتولى مسؤولياتها في تطبيق ما تم التفاهم عليه.
وخلال اتصال هاتفي تلقاه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، طلب عون من الولايات المتحدة ضمان احترام الاتفاق، والعمل على منع أي خروقات قد تعرقل تنفيذه، إضافة إلى الضغط على إسرائيل لاستكمال انسحابها من الأراضي التي لا تزال تسيطر عليها في جنوب لبنان.
وقالت الرئاسة اللبنانية ، بحسب ما نقلت الوكالة الوطنية للإعلام إن ترامب هنأ عون بتوقيع الاتفاق، مؤكداً استمرار دعم واشنطن للبنان ومؤسساته الشرعية، ومشدداً على أهمية بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
وأضاف البيان أن الرئيس الأميركي تعهد بمواصلة دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، والمساهمة في دعم الاقتصاد اللبناني، بما يساعد على إعادة الاستقرار وتعزيز سيادة الدولة.
من جهته، شكر عون الإدارة الأميركية على موقفها، مؤكداً أن "الدولة اللبنانية ستلتزم تنفيذ الاتفاق"، لكنه شدد في الوقت نفسه على "ضرورة التزام إسرائيل بكل تعهداتها"، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من المناطق التي تحتلها، بما يتيح للجيش اللبناني الانتشار حتى الحدود الدولية.
وأعلن الجانبان، بحسب بيان الرئاسة اللبنانية، عزمهما مواصلة التنسيق خلال المرحلة المقبلة، على أن يلتقي الرئيسان في واشنطن في وقت لاحق.
حزب الله يرفض الاتفاق
في المقابل، قوبل الاتفاق برفض حاد من حزب الله، الذي اعتبره تنازلاً يمس السيادة اللبنانية.
ووصف الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، الاتفاق بأنه "سقطة مريعة"، معتبراً أنه يشكل تنازلاً غير مقبول، ومؤكداً أن الحزب سيتعامل معه على أنه "منعدم الوجود".
وقال قاسم إن المرجعية الوحيدة التي يعترف بها الحزب هي اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024، مشدداً على أن أي ترتيبات جديدة يجب أن تنطلق من ذلك الاتفاق حصراً.
وربط قاسم مستقبل الاستقرار في لبنان بمسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن هذا المسار يشكل الضمانة الأساسية لحماية السيادة اللبنانية، في إشارة إلى الترابط بين الملف اللبناني والتطورات الإقليمية.
وقد أصدر المكتب السياسي لحركة أمل بياناً أعرب فيه عن رفضه لمضمون الاتفاق الموقع بين إسرائيل ولبنان، واعتبر أن الاتفاق جاء غير متوازن ويكرّس وقائع لصالح إسرائيل على حساب المصلحة الوطنية.
كما خرج مئات من أنصار حزب الله إلى شوارع بيروت احتجاجاً على الاتفاق، فيما حذر النائب حسن فضل الله من أن فرض الاتفاق بالقوة قد يقود إلى انقسامات داخلية خطيرة، معتبراً أن أي محاولة لتنفيذه من دون توافق وطني ستكون مرفوضة.
إسرائيل ترحب... وخلاف داخل الحكومة
وعلى الجانب الإسرائيلي، رحب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالاتفاق، واعتبره "إنجازاً تاريخياً"، مؤكداً أنه يحقق هدفاً استراتيجياً يتمثل في إبعاد التهديدات عن الحدود الشمالية لإسرائيل.
وقال نتنياهو إن الاتفاق يكرس حق إسرائيل في الحفاظ على منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية طالما اقتضت الحاجة الأمنية ذلك، معتبراً أن الولايات المتحدة ولبنان أقرا بهذا المبدأ خلال المفاوضات.
لكن هذا الموقف لم يحظ بإجماع داخل الحكومة الإسرائيلية.
فقد هاجم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الاتفاق، واعتبره "خطأً كبيراً"، معرباً عن رفضه لأي ترتيبات قد تقيّد حرية عمل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقال "توجهت إلى رئيس الوزراء هذا المساء بطلب إجراء تصويت في مجلس الوزراء، وأنا أُعارض هذا الاتفاق منذ أسابيع".
وفي الوقت نفسه، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات بالاستعداد لـ"بقاء طويل" في المناطق التي يسيطر عليها داخل جنوب لبنان.
وأكد كاتس أن إسرائيل لن تنسحب من تلك المناطق قبل التأكد من نزع سلاح حزب الله في مختلف أنحاء لبنان، معتبراً أن هذا الشرط يمثل أساس الاتفاق من وجهة النظر الإسرائيلية.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات جديدة استهدفت ما قال إنهم مسلحون في منطقة النبطية الفوقا في جنوب لبنان، وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية أن وزارة الصحة اللبنانية أفادت بسقوط قتيل جراء القصف ، في مؤشر إلى أن الاتفاق لم ينجح حتى الآن في وقف العمليات العسكرية بشكل كامل.
