للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
حذّرت هيئات مدافعة عن كبار السن في أستراليا من أن قطاع رعاية المسنين يقترب من مرحلة حرجة، مع امتلاء دور الرعاية تدريجياً وازدياد المخاوف من تعرّض بعض كبار السن لخطر التشرّد، رغم التعهدات الحكومية بضخ مليارات الدولارات في القطاع.
وقالت هذه الهيئات إن الحكومة موّلت إنشاء مساحة لنحو 800 سرير فقط خلال عام 2025، وهو رقم يقل كثيراً عن عشرة آلاف سرير إضافي تقول المؤسسات المعنية إن أستراليا تحتاج إليها سنوياً لمواكبة الشيخوخة المتسارعة للسكان.
ويرى خبراء أن تمويل رعاية المسنين تحوّل إلى "معضلة" مزمنة للحكومات الأسترالية، مع ازدياد الطلب على خدمات الرعاية وصعوبة إيجاد مصادر دخل مستدامة لتمويل القطاع.
وقالت مديرة المعهد الوطني لأبحاث الشيخوخة تريسي كومانز إن قطاع رعاية المسنين "بات بحاجة إلى إعادة هيكلة حقيقية"، مشيرة إلى أن ارتفاع متوسط الأعمار وتراجع معدلات الولادة يضعان ضغوطاً متزايدة على الحكومة. وأضافت أن كلفة رعاية المسنين أصبحت "نقطة ألم" تواجهها دول العالم كافة، لأن هذا القطاع لا يحقق عوائد مالية مباشرة للحكومات.
شيخوخة السكان تضاعف الضغوط
وأظهرت البيانات أن أكثر من 22 في المئة من سكان أستراليا باتوا فوق سن الخامسة والستين مطلع هذا العام، مقارنة بـ16 في المئة فقط عام 2020، وأكثر من ضعف النسبة المسجلة مطلع سبعينيات القرن الماضي.
شيخوخة غير مسبوقة تلوح في أستراليا.. أعداد من تجاوزوا 65 عاماً ستتضاعف والمعمّرون سيرتفعون ست مراتتقرير الأجيال
ووفق تقرير الأجيال الصادر عام 2023، ستضطر الحكومة إلى إنفاق مليارات إضافية بحلول عام 2063 لدعم قطاعات أساسية، على أن تستحوذ رعاية المسنين وحدها على نحو 40 في المئة من هذه الزيادة.

وأشار التقرير إلى أن الضغوط الرئيسية على الإنفاق الحكومي ــ وتشمل الصحة ورعاية المسنين والتأمين الوطني للإعاقة والدفاع وخدمة الدين ــ سترتفع من نحو ثلث الإنفاق الحكومي حالياً إلى ما يقارب نصفه خلال العقود المقبلة.
وفي عام 2025، تلقى ما يقارب ثلاثة ملايين أسترالي فوق سن الخامسة والستين دعماً مالياً حكومياً، من معاشات تقاعد ومدفوعات أخرى، ضمن مخصصات قُدرت بنحو 39.8 مليار دولار في ميزانية 2024-2025.
كما حذّر التقرير من اختلال متزايد بين أعداد كبار السن الذين يحتاجون إلى الدعم، وبين تراجع أعداد الأستراليين في سن العمل الذين يساهمون في القاعدة الضريبية، مع توقع انخفاض تدريجي في معدل المشاركة في سوق العمل من 66.6 في المئة إلى 63.8 في المئة بحلول عام 2062-2063.

وقالت كومانز إن دور الرعاية لا تستطيع تعويض هذه الكلفة بنفسها، رغم الإصلاحات المستمرة المتعلقة باختبارات الدخل والسماح لبعض مقدمي الخدمات بفرض رسوم إضافية على الخدمات المتقدمة. لكنها اعتبرت أن هذه التغييرات "لا تكفي لتغطية الكلفة الحالية، ولا تسمح للقطاع بجمع رأس المال اللازم لبناء أسرّة جديدة".
نقص في البنية التحتية والعمالة
وأكدت هيئات متخصصة أن أكبر التحديات التي تواجه قطاع رعاية المسنين تتمثل في نقص البنية التحتية وأزمة القوى العاملة.
وترى كومانز أن زيادة الإنفاق على المباني والموظفين وحدها لن تحل الأزمة، إذا لم تعالج الحكومة أيضاً الضغوط المعيشية التي تواجه كبار السن، مشيرة إلى أن كثيراً من الأستراليين باتوا يؤخرون التقاعد بسبب ارتفاع تكاليف الحياة مقارنة بالاجيال السابقة.

وبلغ متوسط سن التقاعد حالياً 67 عاماً، أي أعلى بعدة سنوات مقارنة بما كان عليه قبل عقد. وقالت كومانز إن ذلك "ليس بالضرورة أمراً سلبياً"، لأن الأستراليين أصبحوا يتمتعون بصحة أفضل لفترة أطول، لكنّ كثيرين آخرين يواجهون صعوبة حقيقية في تحمّل تكاليف التقاعد.
من جهتها، قالت لجنة حقوق الإنسان الأسترالية إن المتقاعدين باتوا يعتمدون بصورة أكبر على المعاشات الحكومية، ويواجهون هشاشة مالية متزايدة، موضحة أن أكثر بقليل من نصف الأستراليين فوق الخامسة والستين حصلوا على معاش حكومي العام الماضي، بينما يعيش واحد من كل أربعة منهم تحت خط الفقر.

وأضافت اللجنة أن السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس لا يحصلون على الدعم الكافي ضمن برامج المساعدة، فيما تتقاعد النساء بمدخرات تقاعدية تقل بنحو 25 في المئة عن الرجال، كما يغادرن سوق العمل مبكراً بصورة أكبر لتولي مسؤوليات الرعاية الأسرية.
ماذا أعلنت الحكومة قبل الميزانية؟
وأعلنت الحكومة الفيدرالية حتى الآن استثماراً بقيمة ثلاثة مليارات دولار في قطاع رعاية المسنين ضمن ميزانية 2026، يتضمن إضافة خمسة آلاف سرير سنوياً لكبار السن.
ويتضمن البرنامج تخصيص مليار دولار لبرنامج "الدعم المنزلي"، بحيث تصبح بعض خدمات المساعدة والرعاية السريرية مجانية للمرضى المؤهلين.
ومن المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق على رعاية المسنين في الميزانية الجديدة إلى نحو 45 مليار دولار، مقارنة بـ41.6 مليار دولار في الميزانية الحالية، مع استمرار الحكومة في زيادة الإنفاق سنوياً بما يتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار.
كما أكدت الحكومة تخصيص 200 مليون دولار لإنشاء عشرين وحدة متخصصة لرعاية مرضى الخرف، إلى جانب توسيع برنامج دعم مرضى الخرف الخارجين من المستشفيات إلى دور الرعاية.
وقال وزير الصحة مارك باتلر إن هذا الاستثمار "يبني على التزام الحكومة بتوفير مزيد من الأسرّة والحزم العلاجية وتحسين الرعاية لكبار السن الأستراليين".
القطاع يطالب بإصلاحات أوسع
ورحّبت منظمة كبار السن في أستراليا "Ageing Australia" بحزمة التمويل الجديدة، ووصفتها بأنها "خطوة أولى مهمة" لمعالجة النقص الوطني في أسرّة رعاية المسنين.
لكن الرئيس التنفيذي للمنظمة توم سيموندسون حذّر من أن القطاع يحتاج إلى تمويل أكبر بكثير على المدى الطويل، لافتاً إلى أن بعض المرافق الحالية قد تضطر إلى الإغلاق بسبب فجوة التمويل بين الدعم الحكومي وكلفة الإقامة، والتي تُقدَّر بنحو 13 دولاراً يومياً لكل سرير، فيما لا تتجاوز الزيادة الحكومية الحالية خمسة دولارات يومياً.
أوضحنا للحكومة بشكلٍ لا لبس فيه أن هناك حاجة إلى تمويل أكبر بكثير إذا أردنا إنشاء 10000 آلاف سرير إضافي سنوياً لكبار السن على مدى العقدين المقبلينلرئيس التنفيذي لمنظمة Ageing Australia توم سيموندسون
وأضاف أن دور الرعاية تعمل حالياً بطاقة تصل إلى نحو 94 في المئة على المستوى الوطني، فيما وصلت بعض المدن الكبرى إلى الامتلاء الكامل، قائلاً: "المزيد من الدور ترفع يومياً لافتة لا شواغر".
بدورها، دعت منظمة منظمة كبار السن الوطنية الأسترالية ، National Seniors Australia (NSA) إلى إصلاحات أوسع ضمن ميزانية 2026 لتخفيف الضغوط المالية المتزايدة على كبار السن، مستندة إلى آراء أكثر من 285 ألف عضو.
وطالبت المنظمة بمراجعة نظام التأمين الصحي الخاص، وإطلاق برنامج لدعم علاج الأسنان يمنح المتقاعدين المؤهلين 500 دولار سنوياً، وزيادة مساعدات الإيجار، وتقديم رصيد طاقة بقيمة 150 دولاراً، وتوسيع الامتيازات الخاصة بأصحاب المعاشات التقاعدية.
ويبقى السؤال المطروح مع اقتراب إعلان الميزانية الفيدرالية: هل تكفي الإجراءات الحكومية الجديدة لخفض الضغوط عن قطاع رعاية المسنين وتخفيف أعباء المعيشة عن كبار السن، أم أن أستراليا تتجه نحو أزمة أعمق تتطلب إصلاحات أكثر جذرية؟
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
