يونيا رشو تجد سعادتها بين أحفادها والكنيسة، فيما يكرّس جمال شعيا جزءاً من وقته لمساندة كبار السن الناطقين بالعربية
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
بالنسبة إلى كثير من المتقاعدين، لا يعني التقاعد نهاية النشاط، بل بداية مرحلة جديدة تتيح وقتاً أكبر للعائلة والهوايات والعمل المجتمعي. لكن الانتقال من سنوات العمل والانشغال إلى يوم مفتوح بلا التزامات مهنية قد يحمل تحديات أيضاً، من بينها الشعور بالفراغ أو العزلة.
وتكشف تجربتا السيدة يونيا رشو والسيد جمال شعيا أن العائلة والإيمان وخدمة الآخرين يمكن أن تمنح مرحلة التقاعد معنى جديداً، وتحوّلها إلى فرصة للتواصل والعطاء.
يوم يبدأ بالصلاة وينتهي بين أفراد العائلة
تعيش يونيا رشو مع ابنها وعائلته، وتقول إن وجودها بينهم يمنحها شعوراً بالراحة والأمان.
وتستيقظ عادةً بين السادسة والنصف والسابعة صباحاً، وتبدأ يومها بالصلاة، قبل أن تنشغل ببعض الأعمال المنزلية. وفي بعض الأيام، ترافق زوجة ابنها لإيصال الأحفاد إلى المدرسة، ثم تعودان لتناول الإفطار معاً وإنجاز ما يلزم في المنزل.
أعيش مع ابني وأنا مرتاحة، والحمد لله هم يحبونني وأنا أحبهم أكثر
ويحتل الطبخ مساحة مهمة من يومها، إذ تستمتع بإعداد أطباق متنوعة لعائلتها، مؤكدة أنها ما زالت قادرة على القيام بمختلف الأعمال المنزلية وتحضير العديد من المأكولات التقليدية.
ولم تعمل رشو خارج المنزل عندما كانت تعيش في العراق، لكنها ترى أن تربية أبنائها وتعليمهم كانا مسؤوليتها الأساسية. وتقول بفخر إنها كرّست وقتها للاهتمام بهم ومنحهم تربية جيدة، مضيفة: «كبروا والحمد لله وأصبحوا أولاداً صالحين».
الأحفاد مصدر للسعادة
رغم أن رشو لم تلتحق بمدرسة لتعلم اللغة الإنجليزية بعد وصولها إلى أستراليا، فإنها تحاول استخدام بعض الكلمات مع أبنائها وأحفادها، وتتعامل بروح مرحة مع أخطائها اللغوية.
وتقول ضاحكة إن أحفادها يصححون لها بعض الكلمات عندما تتحدث بالإنجليزية، لكنها تذكّرهم بأنها تعرف لغات أخرى أيضاً، من بينها العربية والآشورية.
وتحتل العائلة المكانة الأكبر في حياتها، لا سيما الأحفاد الذين يزورونها ويلتفون حولها في اللقاءات الأسبوعية.

وتقول: «يأتون راكضين نحوي وهم ينادون: نانا، نانا. أحتضنهم وأقبّلهم، وأحب أن أخرج مع عائلتي وأولادي وأحفادي».
وتشارك رشو عائلتها الرحلات إلى الحدائق والمناسبات الاجتماعية وحفلات الزفاف وبعض الحفلات الغنائية، معتبرة أن هذه الأنشطة تساعدها على تغيير الأجواء ونسيان الأحزان.
ولا تفضّل الخروج بمفردها، بل تشعر بسعادة أكبر عندما تكون برفقة أبنائها وأحفادها.
الكنيسة والصداقة في مواجهة الوحدة
تمثل الكنيسة جزءاً أساسياً من حياة رشو؛ فهي تحرص على حضور الصلاة كل يوم أحد، وتتمنى لو استطاعت الذهاب بصورة أكثر انتظاماً.
أحب الصلاة، ولو كان هناك من يوصلني يومياً، لقضيت وقتي في الكنيسة
كما تحتفظ بصداقة وثيقة مع امرأة تصفها بأنها أقرب إليها من الأخت، مشيرة إلى أن المحيطين بهما يلاحظون قوة العلاقة والتفاهم بينهما.
وتقر رشو بأنها حملت معها حزناً عميقاً من تجارب سابقة، لكنها تقول إن أبناءها وأحفادها يساعدونها على استعادة الفرح وعدم الاستسلام لذلك الألم.
وتضيف: «الحزن ما زال في قلبي ولا أنساه، لكن أولادي وأحفادي يجعلونني أفرح».
من حادث في العمل إلى خدمة المسنين
أما جمال شعيا، فقد اتخذت حياته مساراً مختلفاً بعد تعرضه لحادث أثناء عمله في أحد المصانع الكبيرة. ومع التقاعد، قرر ألا يسمح للفراغ بأن يسيطر على يومه، فاتجه إلى التطوع ومساعدة المسنين الناطقين بالعربية في دور رعاية كبار السن.
بدأ شعيا بزيارة أحد دور الرعاية في منطقة روكسبرغ بارك، قبل أن ينتقل إلى منشأة أخرى في برودميدوز. ومع تكرار زياراته وملاحظة الإدارة لجهوده، طُلب منه استكمال دورة تدريبية استمرت ستة أشهر والحصول على بطاقة تعريف رسمية تتيح له مواصلة نشاطه.
وعادةً ما يزور الدار عند نحو الساعة العاشرة صباحاً، ويمضي قرابة ثلاث ساعات مع مجموعة تضم ما بين عشرة و11 شخصاً من الرجال والنساء.
أجمعهم وأجلس معهم وأساعدهم في الطعام وأتعرف إلى طلباتهم. أشعر بأن هذا واجب علينا تجاه كبار السن
ولا ينظر شعيا إلى نشاطه بوصفه مجرد وسيلة لملء وقت الفراغ، بل يعتبره رداً للجميل تجاه الجيل الذي سبقه.
ويضيف: «هم الذين ربّونا وعلّمونا وساعدونا على الوقوف. والآن، عندما تتجاوز أعمارهم السبعين أو الثمانين، يأتي دورنا لنساندهم».
التقاعد فرصة لرد الجميل
يقول شعيا إن وجوده مع كبار السن يمنحه شعوراً بالراحة والسعادة، خصوصاً عندما يتمكن من التحدث إليهم بلغتهم ومساعدتهم في التعبير عن احتياجاتهم.
ويرى أن العناية بالمسنين تعكس قيماً متجذرة في المجتمع العربي، من بينها الشهامة والوفاء والتكافل الاجتماعي.

ويقول: «هذه غيرة وشهامة موجودة عند العرب. يجب ألا ننسى كبار السن، بل علينا أن نقف إلى جانبهم».
وإلى جانب عمله التطوعي، يمضي شعيا وقتاً طويلاً مع زوجته وأبنائه الأربعة وأحفاده التسعة. ويؤكد أن علاقته بأحفاده تشكل أحد أجمل جوانب حياته بعد التقاعد.
الخميس موعد لاجتماع الأسرة
رغم تراجع الزيارات الاجتماعية مقارنة بالماضي، تحرص عائلة شعيا على تخصيص مساء كل خميس لاجتماع الأبناء والأحفاد في منزل العائلة.
وتتولى زوجته إعداد أطباق متنوعة، ثم يجتمع الجميع لتناول العشاء، الذي يعقبه الشاي العراقي والحلوى والسهر حتى وقت متأخر.
ويقول شعيا إن هذه اللقاءات العائلية المنتظمة لا تترك مجالاً كبيراً للشعور بالوحدة. وعندما تضيق به الحال أو يستعيد ذكريات والديه وأحبائه الراحلين، يحاول التخفيف عن نفسه بزيارة أبنائه وأحفاده أو الخروج إلى الحديقة.
عندما أتذكر الماضي ووالديّ، أذهب إلى بيت أحد أولادي أو أرى أحفادي أو أقضي بعض الوقت في الحديقة
«لا مقارنة بين العمل والتقاعد»
عند المقارنة بين سنوات العمل ومرحلة التقاعد، يقول شعيا إن الفرق كبير. ففي السابق، كان يعمل في أكثر من وظيفة، من بينها تشغيل الآلات والعمل المسائي، ولذلك كان معظم يومه محصوراً بين العمل والطعام والنوم.
ويشير إلى أن زوجته تحملت حينها الجزء الأكبر من مسؤولية تربية الأبناء ومتابعة دراستهم، حتى أكملوا تعليمهم الجامعي.
أما اليوم، فقد أتاح له التقاعد وقتاً لم يكن يملكه سابقاً، وهو يحاول استثماره في خدمة عائلته ومساعدة من يحتاجون إليه.
ويقول: «في السابق كان وقتي كله محصوراً في العمل. أما الآن، فأستفيد من وقت الفراغ في مساعدة كبار السن المحتاجين. إنه فضل من الله أن نبقى على قيد الحياة ونخدمهم كما خدمنا أهلنا».
وتوضح تجربتا يونيا رشو وجمال شعيا أن التقاعد لا يحمل شكلاً واحداً؛ فبين رعاية الأحفاد والطبخ والصلاة واللقاءات العائلية والعمل التطوعي، يستطيع المتقاعدون بناء روتين يومي يمنحهم الشعور بالانتماء والجدوى، ويخفف عنهم وطأة الوحدة والحنين إلى الماضي.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية




