كيف تحولت أكاديمية محمد السادس إلى مصنع للمواهب؟ وكيف أصبح الانتماء سر قوة أسود الأطلس؟ وما دور الأمهات المغربيات في ترسيخ الهوية داخل المنتخب؟ وهل تنجح كتيبة محمد وهبي في مواصلة كتابة التاريخ المغربي في مونديال 2026؟
زئير يتجاوز الملاعب
ليس مجرد هتاف في المدرجات، ولا مجرد أصوات جماهير تتابع مباراة لكرة القدم. إنه زئير وطن كامل… زئير جيل قرر ألا يكتفي بالحلم، بل أن يصنع التاريخ.
في هذه الحلقة من “العرب والكرة”، نذهب إلى المغرب، إلى عرين أسود الأطلس، المنتخب الذي تحوّل خلال سنوات قليلة من فريق يبحث عن عبور الأدوار الأولى إلى أحد أبرز المشاريع الكروية في العالم.
أنا سناء وهيب، وأصحبكم في رحلة داخل قصة منتخب أصبح مصدر فخر للمغاربة داخل الوطن وخارجه، وواحدا من أبرز عناوين كرة القدم العربية في السنوات الأخيرة.
رحلة بدأت من التأسيس
ما يعيشه المنتخب المغربي اليوم لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والتراكم.
فبعد إنجاز مونديال مكسيكو عام 1986، مرّت الكرة المغربية بفترات صعود وهبوط، قبل أن يعود المنتخب إلى كأس العالم في روسيا 2018، ثم يحقق إنجازا تاريخيا في مونديال قطر 2022 بوصوله إلى نصف النهائي، كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز.
ويرى الصحفي أحمد المدياني أن تطور الكرة المغربية جاء نتيجة رؤية واضحة ركزت على التكوين والعمل القاعدي، مع بناء مشروع طويل الأمد يقوم على تطوير البنية التحتية والاستثمار في المواهب المغربية داخل المغرب وخارجه.
أكاديمية تصنع الأبطال
وحين يُذكر التطور المغربي، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته أكاديمية محمد السادس لكرة القدم.
فالأكاديمية لم تعد مجرد مركز تدريب، بل أصبحت مدرسة حقيقية لصناعة اللاعبين، ومركزا لتكوين أجيال قادرة على المنافسة قاريا وعالميا.
ويؤكد الصحفي والباحث يونس العثماني أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اعتمدت رؤية احترافية تراهن على الإنسان والتكوين، وليس فقط على النتائج السريعة، وهو ما انعكس على نتائج المنتخبات المغربية في مختلف الفئات السنية.
وخلال السنوات الأخيرة، حقق المغرب سلسلة من الإنجازات، أبرزها التتويج بكأس أفريقيا لأقل من 23 سنة، وكأس أفريقيا لأقل من 17 سنة، إضافة إلى برونزية أولمبياد باريس 2024، والتألق في كأس العرب وكأس العالم للشباب.
الركراكي… قائد التحول
لكن النجاح المغربي لم يكن فقط نتيجة البنية التحتية، بل أيضا نتيجة شخصية أعادت الروح إلى المنتخب… وليد الركراكي.
المدرب الذي نجح في خلق الانسجام بين اللاعبين، وأعاد الثقة للمجموعة، وجعل المنتخب المغربي يلعب بروح جماعية وشخصية قوية أمام أكبر المنتخبات العالمية.
مع الركراكي، لم يعد المنتخب المغربي يخوض المباريات بعقلية الخوف من الكبار، بل بعقلية المنافس القادر على الفوز.
وهكذا تشكلت الوصفة المغربية: تنظيم، تكوين، وثقة بالنفس.
الانتماء… سر الحكاية المغربية
لكن كرة القدم ليست أرقاما فقط، بل مشاعر وهوية أيضا.
فالمنتخب المغربي أصبح نموذجا لهوية متعددة الجذور، حيث اختار لاعبون ولدوا ونشؤوا في أوروبا تمثيل المغرب عن قناعة وفخر، مثل أشرف حكيمي وحكيم زياش وإبراهيم دياز.
هؤلاء اللاعبون لم يختاروا فقط قميص المنتخب، بل اختاروا أيضا الارتباط بجذورهم وقصة وطن يحملونه معهم إلى أكبر الملاعب العالمية.
كما تحولت صور الأمهات المغربيات في المدرجات إلى رمز عالمي للهوية والانتماء، ورسالة تختصر العلاقة العاطفية بين اللاعبين ووطنهم.
قطر… اللحظة التي غيّرت كل شيء
في مونديال قطر 2022، لم يكن المغرب مجرد مفاجأة عابرة.
المنتخب المغربي أقصى منتخبات كبرى مثل إسبانيا والبرتغال، ونجح في الوصول إلى نصف النهائي، ليصبح حديث العالم كله.
ذلك الإنجاز لم يمنح المغاربة الفرح فقط، بل منح الكرة العربية والأفريقية شعورا جديدا بالإيمان بإمكانية المنافسة على أعلى مستوى.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل يستطيع المغرب المنافسة؟ بل إلى أي مدى يمكنه الذهاب؟
محمد وهبي… مايسترو الجيل الجديد
اليوم، تستمر الحكاية مع جيل جديد من المواهب المغربية التي تألقت في أوروبا وفي بطولات الشباب وكأس العرب.
ويقود هذه المرحلة المدرب محمد وهبي، الذي يرى فيه كثيرون امتدادا للمشروع المغربي الحديث.
ويقول أحمد المدياني إن وهبي يتميز بشخصية تقنية مختلفة، وقدرته على توظيف اللاعبين بشكل ذكي، وهو ما ظهر خلال كأس العالم للشباب والمباريات الودية الأخيرة.
ويبدو أن المدرب الشاب يجهز جيلا جديدا يحمل الطموح نفسه… مواصلة كتابة المجد المغربي في مونديال 2026.
ديما مغرب… في كل مكان
لكن قصة أسود الأطلس لا تعيش فقط داخل المغرب.
في سيدني وبريسبان وكندا وبلجيكا ومدن عديدة حول العالم، يستعد المغاربة لمتابعة منتخبهم بنفس الشغف.
الأعلام المغربية، الأغاني، الأكل المغربي، والهتافات التي لا تتوقف… كلها تتحول إلى جزء من أجواء المونديال.
وتقول خديجة، رئيسة الجمعية المغربية في بريسبان، إن الجالية المغربية بدأت التحضير مبكرا لتشجيع المنتخب في أستراليا، وسط أجواء تجمع مختلف الأجيال وحتى غير المغاربة الذين أصبحوا بدورهم يشجعون المنتخب المغربي.
ومن أستراليا أيضا، عبّر مشجعون مغاربة وأستراليون عن حماسهم الكبير لمتابعة أسود الأطلس في كأس العالم المقبلة، مؤكدين أن المنتخب المغربي أصبح مصدر إلهام يتجاوز حدود الجالية المغربية.
الحلم مستمر
أما المشجعون الذين يخططون للسفر خلف المنتخب، فرغم صعوبة التذاكر وارتفاع التكاليف، إلا أن الحلم ما زال حاضرا بقوة.
فالمغرب اليوم لم يعد يبحث عن مشاركة مشرفة فقط، بل عن كتابة فصل جديد من التاريخ.
كل هذه الأصوات… كل هذه الحكايات… لم تعد مجرد كرة قدم.
بل أصبحت قصة وطن… وقصة جيل كامل يؤمن بأن المستحيل يمكن أن يتحقق.
أسود الأطلس لم يعودوا يطاردون الحلم…
بل أصبحوا يصنعونه.
ديما مغرب… وسير سير سير.





