للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
لم يعد "الجمعة السوداء" أو ما يُعرف بـBlack Friday يوما اعتياديا، بل أصبح واحدا من أكثر مواسم التسوّق إثارة في العالم، حيث ينتقل فيه المستهلك بين رغبة حقيقية في التوفير، وخوف خفي من أن تفوته صفقة مغرية. ويأتي اليوم مباشرة بعد "عيد الشكر" الأميركي في آخر خميس من نوفمبر، ليُشعل سباق الخصومات من الفجر حتى منتصف الليل.
ورغم الصورة الحديثة التي تربط هذا اليوم بالعروض، فإن جذور التسمية تعود إلى قصة مختلفة تماما.

ففي 24 سبتمبر/أيلول 1869 شهدت الولايات المتحدة انهيارا ماليّا حادّا بعد محاولة رجلي المال جاي غولد وجيم فيسك احتكار سوق الذهب. انهار السوق، وعمّت موجة إفلاس واسعة، ودوّن ذلك اليوم في التاريخ باسم "الجمعة السوداء".
وخلال العقود التالية، ظهرت روايات أخرى لتفسير الاسم. إحداها ربطت المصطلح بانتقال المتاجر من الخسارة "اللون الأحمر" إلى الربح "اللون الأسود" بعد عيد الشكر، لكن الخبراء يعدّون هذه الرواية أقل دقة تاريخيا. كما انتشرت شائعة أكثر قتامة تزعم بيع العبيد بخصومات بعد العطلة، قبل أن يتم نفيها بالكامل.
أكثر الروايات قبولا اليوم ترتبط بمدينة فيلادلفيا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين استخدمت الشرطة تعبير "الجمعة السوداء" لوصف الفوضى والازدحام الهائل بعد عيد الشكر مع تدفّق المتسوقين والسياح قبل مباراة كرة القدم الأميركية السنوية. ورغم محاولة التجار استبدال الاسم بـ"الجمعة الكبيرة"، بقي المصطلح وانتشر في الولايات المتحدة والعالم.
ومع دخول الثمانينيات، أعاد تجّار التجزئة صياغة اليوم بصيغة إيجابية، وحوّلوه رسميّا إلى موسم ضخم للخصومات، قبل أن تنقل الإنترنت الظاهرة إلى أوروبا وأستراليا وبقية العالم.
الشراء بين الحاجة والاستجابة الانفعالية
تشير رولا أبو غزالة، المرشدة النفسية في منظمة Arabic Welfare، إلى أن الجمعة السوداء تعتمد على محفزات نفسية واضحة، أبرزها الإلحاح والخوف من ضياع الفرصة. وتقول إن الإعلانات "تلحّ على المستهلك وتشعره بأن المنتج ضروري في حياته"، مضيفة أن عامل الزمن المحدود "يدفع الناس للاعتقاد بأن هذه فرصة العمر التي يجب عدم تفويتها".
وتوضح أبو غزالة أن هذه العناصر "تربك القرارات المنطقية والعقلانية"، لأن المتاجر "تلعب على المشاعر وتضخم أهمية المنتج وضرورته". وتضيف أن المستهلك يشعر أحيانا بأنه يُلحق نفسه بالعرض خوفا من خسارته، لا لأنه يحتاج فعليا للمنتج.
وهم الخصومات… ولعبة نفخ الأسعار
من جانبه، يوضح الباحث الاقتصادي في جامعة سوينبرن د. محمد أبو الفول أن البلاك فرايداي "ظاهرة اقتصادية–سلوكية قبل أن تكون مناسبة تجارية". ويقول إن سيكولوجية المستهلك تقوم على ثلاث نقاط أساسية: الإحساس بالندرة، والخوف من ضياع الفرصة، والضغط الاجتماعي.

ويضيف أن بعض المتاجر "ترفع الأسعار قبل الخصومات ثم تعيدها إلى مستواها الأصلي"، في ما يعرف بـ"نفخ الأسعار". ويشير إلى استخدام التسعير النفسي، مثل بيع منتج بـ9.99 بدلا من 10 دولارات، ما يجعل المستهلك يعتقد أن السعر انخفض رغم أن القيمة الفعلية واحدة.
ويرى أبو الفول أن المتاجر الإلكترونية عززت هذا السلوك عبر العدادات الزمنية ورسائل مثل "بقيت 3 قطع فقط"، وهي أساليب قال إنها "تحفّز الطلب الآني وتخلق شعورا بأن الامتناع عن الشراء خسارة أكيدة".
ويتابع أن الجمعة السوداء تحوّلت إلى "ثقافة استهلاك" لا مجرد موسم تخفيضات، حيث يقلّد الناس بعضهم بمجرد رؤية الآخرين يشترون. ويضيف أن بعض المتاجر تستخدم أيضا "المؤثرات داخل المتاجر" مثل زيادة عدد الموظفين، ورفع الموسيقى، وحتى نشر روائح مثل رائحة الشوكولاتة لجذب المستهلكين ودفعهم للدخول.
مخاطر مالية تمتد لما بعد التخفيضات
في أستراليا، يرتفع استخدام البطاقات الائتمانية خلال هذا الموسم، ما يعرّض بعض الأسر لرسوم وفوائد عالية. ويؤكد الخبراء أن كثيرا من الأشخاص يشترون منتجات خارج احتياجاتهم الفعلية، ليتحوّل "الخصم" لاحقا إلى عبء مالي لا إلى توفير.
كيف يحمي المستهلك نفسه؟
يوصي الخبراء باتباع خطوات واضحة:
• إعداد قائمة دقيقة بالاحتياجات.
• تحديد ميزانية ثابتة.
• مقارنة الأسعار قبل أيام من بدء التخفيضات.
• التركيز على جودة المنتج لا على حجم الخصم.
• مراجعة سياسة الإرجاع والاستبدال بدقة.
وفي النهاية، يرى د. محمد أبو الفول أن "الجمعة السوداء ليست يوما أسود من حيث التسمية ولا يوما ذهبيا من حيث الواقع"، بل هي "يوم يُختبر فيه وعي المستهلك وقدرته على ضبط قراراته وسط سيل من الإعلانات والعروض".
وبين من ينجح في اقتناص صفقة حقيقية ومن يندفع وراء عرض لم يكن بحاجة إليه، تبقى الجمعة السوداء انعكاسا لوعي الفرد… لا لسطوع اللافتة.
أكملوا الحوارات على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




