لم تكن المرة الأولى التي يرتاد فيها الغزي محمد صالح شاطئ مانلي في سيدني هذا العام بعدما لجأ من القطاع الذي مزقته الحرب، بل كانت منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف عندما شارك في برنامج تدريبي لركوب الأمواج وسلامة الشواطئ أملاً في نقل التجربة إلى شواطئ غزة.
كان والد كل من جيفارا وشام ومحمد، يرغب بالعودة إلى سيدني ليجتمع برفاق عثر تشكل بينهم رابط خاص، كيف لا وهم جميعاً يعشقون هواء البحر ورمال الشاطئ ويسعون جاهدين للتأكد من أن المصطافين يقضون أوقاتاً ممتعة وآمنة.
كان يخطط للعودة إلى سيدني وبدلاً من ذلك، فر هو وعائلته من منزلهم الذي مزقته الحرب، تاركين وراءهم النادي وبرنامج إنقاذ الحياة الخاص بالأطفال والمعروف باسم Nippers.

رافق محمد في تلك الرحلة التي ظلت محفورة في ذاكرته، زميله حسن ورغم اختلاف اللغة، وجد الجميع لغة مشتركة:
كنا نتحدث الإنجليزية وقادرين على إيصال الفكرة ولكن ما جمعنا أكبر من ذلك بكثير، لغة البحر وركوب الأمواج والإنقاذ
"الشيء المشترك بين غزة وسيدني هو الشاطئ. هون محيط وهناك البحر الأبيض المتوسط" بهذه الكلمات وصف محمد الرابط الذي يجمعه سيدني التي تبعد آلاف الأميال عن موطنه في غزة. وانطلاقاً من رغبته بنقل التجربة الأسترالية والثقافة المجتمعية في التعاطي مع الشاطئ والسباحة وركوب الأمواج بشكل آمن، ظل حلم نقل هذه التجربة إلى غزة يراود محمد.
تحدث بالتفاصيل فقال: "كنا نسجل دائماً ارتفاعاً مقلقاً في حالات الغرق. لفت نظرنا أن حالات الغرق في سيدني في المئة وثلاثين عاماً الماضية منخفضة جداً. كنا نرغب بتوفير تجربة آمنة للغزيين. اكتشفنا أن ذلك يتعلق بالثقافة المجتمعية وليس فقط الموظفين والمنقذين."
ثمرة زيارة محمد لسيدني ومشاركة بالبرنامج التدريبي بالتعاون مع لجنة شواطئ الشمال في عام 2020، تأخرت عامين بسبب ظروف الجائحة وتُوجت ببرنامج Pilot للأطفال في عام 2022.
شارك معنا 50 طفل. بدأنا بتجربة بيوم واحد انه كيف ممكن نعمل برنامج مشابه لسيدني. مشر تجربة شكلية بالزي والألعاب.
الحرب حطّمت الحلم
قُتل أربعة من الأطفال المشاركين في البرنامج التجريبي وثلاثة من الموظفين المتطوعين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، ويخشى أن يكون المزيد منهم قد لقوا حتفهم.
يقول محمد: "قُتلت مها وزهير البرعي، البالغان من العمر 10 و11 عاماً، مع أسرتهما في بيت لاهيا في نوفمبر/تشرين الثاني. وقُتل محمد وعمر مدوخ، البالغان من العمر خمسة وستة أعوام، في منزلهما بمدينة غزة في كانون الأول ديسمبر. ولا يزال جسد عمر الذي كان يحلم بزيارة أستراليا تحت الأنقاض."
ومنذ تعرض منزلهم في مدينة غزة للقصف، نزح محمد زوجته فان وأطفاله جيفارا (12 عامًا) والتوأم البالغ من العمر ثماني سنوات آدم وشام، مرات عدة، وحالفهم الحظ بمغادرة القطاع قبل 24 ساعة من إغلاق معبر رفح.
مشاعري مختلطة: هل أنا سعيد لأنني نجوت من الموت المحتم أم حزين لأنني تركت أمي وأفراد من عائلتي في غزة
بداية جديدة ومشاعر مختلطة
انقطع اتصال محمد بأصدقائه في لجنة شواطئ الشمال ونادي Manly’s North Steyne Surf Lifesaving Club لعدة أشهر بسبب رداءة الاتصالات: "لم يكن هناك كهرباء وكان شحن الهاتف مهمة شاقة في المستشفيات والمدارس."
تمكن الناشطون في سيدني وبالتعاون مع النادي من تأمين تأشيرة لمحمد وأفراد عائلته وهو حتى اليوم رغم وصوله لبر الأمان، ما زال يستيقظ من النوم ليتساءل إن كان قد غادر بالفعل ولم يعد صوت القذائف يدوي في مسامعه.
ختم محمد حديثه قائلاً: "أرغب بأن أطمئن الجميع بأننا معتادون على معالجة أنفسنا. صحيح أن قطاع غزة بحاجة لأكثر من 20 عاماً لإزالة الردم والإعمار ولكن في أشد لحظات الحرب حرجاً، كنا نشاهد الشاطئ في غزة يعج بالمصطافين. علاقتنا متجذرة بالأرض ونحلم بالعودة."
أطفال محمد الثلاثة والذين ما زالوا يشعرون بالخوف من هدير أي طائرة في سماء سيدني، يتحضرون للمشاركة في برنامج الأطفال الخاص بالشواطئ المعروف باسم Nippers.
استمعوا إلى قصة محمد كاملة في التدوين الصوتي أعلى الصفحة.



