النقاط الرئيسية:
- تربية الأم لابنتها هي حجر الأساس الذي تبني عليه البنت أسلوب تربيتها لأبنائها عندما تصبح أماً.
- حرص الأم الزائد على أبنائها لا يبرر حقها في أن تعاملهم بقسوة وصرامة.
- رغم كل التضحيات لا تستطيع أمهات اليوم التفاني والتضحية بقدر ما فعلت أمهاتهن.
أمال تقي هي سيدة لبنانية نشأت في بيت محافظ في طرابلس في شمال لبنان، نشأت في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا والإلكترونيات هي الشغل الشاغل للأولاد. في ذلك الزمن، كانت الروابط الأسرية مقدسة لا تدنس حرمتها منصات التواصل الاجتماعي وصخبها الزائف.
هذا الواقع ولّد علاقة متينة بين أمال وأمها وجدتها اللتين كانتا من أكثر الأشخاص قرباً منها، فأخذت تنهل منهما كافة مبادئ الحياة الأساسية وتتغذى من العادات العربية الجميلة.
تعلمنا التضحية والعفو والسماح والسخاء والكرم، إضافة إلى احترام الأكبر سناً ومساعدة ذوي القربى والمحتاجين، وأنا حافظت على كل هذه العادات الجميلة.

أما تجربة مريم وهو اسم مستعار لهذه السيدة فقد كانت معاكسة تماماً. فقد حكم سفر الوالد على أمها، أن تلعب دور الأب والأم على حد سواء في المنزل. فكان أولادها محور حياتها الوحيد، لكن مريم تعتبر أن حرص والدتها الزائد وخوفها عليهم أفقدها صفات الأم التي يحتاج لها الأبناء. فقد سيطرت على المنزل بطريقة حرمتهم من طفولتهم معتبرة أن هذا الأسلوب هو الأنجح لضمان مصلحتهم.
كانت أمي قاسية جداً، أنا لا أعتبر أنني عشت طفولتي كأي طفل آخر، فكل شيء كان ممنوعاً.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يبرر الحرص الزائد للأم على أبنائها حقها في أن تعاملهم بقسوة وصرامة؟
تجيب الأخصائية والمستشارة النفسية ومدربة العلاقات الأسرية رند فايد، أنه لا أحد يستحق أن يتم التعامل معه بقسوة، لأن القسوة أمر موجع. يجب على الأم أن تكون حازمة لا قاسية، وأن يكون لديها الوعي لتحقيق التوازن بين الحزم والتراخي، والتي هي أمور من أساسيات التربية السليمة.
هاجرت السيدة أمال إلى أستراليا في عمر العشرين، وهنا واجهت المجتمع الأسترالي بكل اختلافاته. وبعد زواجها، ناداها واجب الأمومة المقدس، فكان تهذيب النفس هو العنوان العريض لأسلوب التربية الذي أخذته من والدتها، واقتدت به لتربي أبناءها في بلد تختلف عاداته وتقاليده عما نشأت عليه في لبنان.
استعملت أسلوب الترغيب لا الترهيب، واعتبرت أبنائي أخوة وأصدقاء لي. كنت أجلس وأتكلم معهم وأشرح لهم الأمور بأسلوب مبسط وجميل لكي يفهموا الفرق بين الصواب والخطأ.

وبالفعل، ترك هذا الأسلوب بصمة خاصة في حياة هند، ابنة السيدة أمال، التي أخذت بدورها من أمها وجدتها مبادئ التربية الأساسية وأجرت عليها بعض التغييرات التي تتوافق مع البيئة والظروف المحيطة.
تقول هند، "تعلمت من أمي التضحية، واحترام الآخرين وخدمة المجتمع والمحتاجين. وكما كانت أمي تستعمل معي ومع اخوتي أسلوب الحوار سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فهذا ما أقوم به أيضاً مع أولادي لضمان إدراكهم ما هو المسموح وما هم الممنوع والأسباب وراء ذلك".
أما مريم التي عانت من قسوة أمها في تربيتها لها، فقد ولّد لديها هذا الأمر نقمة على أسلوب والدتها التي حاولت أن تبتعد كل البعد عنه عندما أصبحت أماً.

وجدت مريم في تربية أبنائها الوسيلة لتنتقم من أسلوب أمها الصارم، فاعتمدت نهجاً معاكساً تماماً لأسلوب أمها.
أعلم أحياناً أنني أرتكب خطأً ما، لكن لأن أمي كانت تفعل هذا الأمر الذي كان يؤلمنا، فأنا أقوم بالعكس.
لم يكن للنقاش بين الأم ووالدتها مكان في حياة مريم، لذا فهي تحاول مريم أن تعوض هذا الحرمان باعتماد الحوار أساساً في بيتها. فأكدت أنها تعمل دائماً على شرح الإيجابيات والسلبيات للأمور، ليتمكن أولادها من اتخاذ القرار الصائب بأنفسهم وأن لا تأخذ أي قرارات بالنيابة عنهم.
وفي هذا الصدد، تشدد الأخصائية رند فايد على أهمية الحوار بين الأم وأبنائها لما له من دور فعال في تعزيز ثقة الطفل بنفسه وبالتالي طريقة تعامله مع الآخرين، خاصة أن ثقافة الحوار غير سائدة في المجتمعات العربية مما يؤثر سلباً على شخصية الطفل.

رغم أن أمال اعتمدت الحوار والترغيب أساساً في تربية أبنائها، إلا أن واقع الحياة في مجتمع غربي فرض عليها بعض التحديات التي تغلبت عليها بصبر وحكمة.
تقول أمال، "لم يكن الأمر سهلاً عليّ بسبب اختلاف البيئة والعادات، لكنني كنت صبورة وكرست وقتي لأولادي رغم أنني كنت أعمل. لكنني كنت أختار الأوقات الصحيحة وأختار أي فرصة وأستعملها كعبرة ودرس ليتعلموا منها".
أخذت الأمور الجيدة من الحضارة الأسترالية ودمجتها مع العادات العربية، وجعلتهم قادرين على المقارنة بين الأفضل في الحضارتين.
أما بالنسبة إلى هند، ابنة السيدة أمال، فانتشار الالكترونيات والتطور التكنولوجي الأمور التي لم تكن مصدر قلق لوالدتها كونها لم تكن موجودة، هي من أبرز التحديات التي تواجهها اليوم في تربية أبنائها.

ومن أجل مواجهة هذه التحديات، ترى هند ضرورة مراقبة ووضع حدود لاستعمال هذه الأجهزة وتوعية الأبناء حول مخاطرها، لأن السلامة الإلكترونية لا تقل أهمية عن السلامة الجسدية.
من ناحية أخرى، ترى مريم أن التطور التكنولوجي وانفتاح العالم على بعضه البعض، خفف من هاجس التربية في مجتمع غربي الأمر الذي كان من الممكن أن يشكل تحدياً لها في الماضي.
تعتبر مريم أن جيل اليوم قادر على التعرف على ثقافات العالم بأكمله، لذا فالمسألة لا تختلف بالنسبة لها سواء نشأ أولادها في بلد عربي أو في أستراليا.
التربية في أستراليا ليست أمراً يخيفني، طالما أن العلاقة قائمة على الصراحة، وأنا أعلم أولادي الصواب والخطأ، وأوقفهم عند حدهم إذا ارتكبوا خطاً ما، لكن ليس بطريقة قمعية لأنهم سيرتكبون الأخطاء لا محال.

بما أن الأطفال يتمتعون بالكثير من الحقوق في أستراليا التي قد لا تكون موجودة في البلاد العربية، كحرية ترك منزل الوالدين عند بلوغ سن الثامنة عشر، تقول الأخصائية رند فايد أن الطريقة الوحيدة لضمان بقاء الأبناء تحت جناح الأهل ومواجهة تحديات التربية في المجتمع الغربي هي منحهم الحب غير المشروط أي تقبل الطفل كما هو دون محاولة تغييره.
لا يمكن أن نربي أبناءنا كما تربينا، الرابط الوحيد الذي يجعل أبناءنا يحترموننا ويسمعون كلامنا هو الحب لأنه ليس لدينا أي وصاية على أولادنا في هذا البلد سوى من خلال الحب.

كما أنه من الشائع في المجتمعات العربية، مسألة التساهل مع الشاب أكثر من الفتاة والتغاضي عن بعض الأمور التي قد يقوم بها وإن كانت خاطئة. ورغم تأثر السيدة أمال الكبير بتربية والدتها لها، إلا أنها لم تجاريها في هذا الأمر، وكانت حريصة على المساواة في التعامل بين الشاب والفتاة.
ما حرمته على الفتاة، كان أيضاً محرماً على الشاب في الأمور التي لا تتناسب مع مبادئنا وأخلاقياتنا.
من هذا المنطلق، لم تسمح أمال لابنها كما لبناتها بأمور مثل السكن خارج منزل العائلة قبل الزواج أو إنشاء علاقات خارج إطار العلاقات الرسمية الشرعية كالخطوبة والزواج.
كما كان لأمال دائماً كلمتها ورأيها في الأشخاص الذين سيرتبط بهم أولادها إيماناً منها أن الزواج علاقة مقدسة ومصيرية تؤثر على حياة الشخص بأكملها.

من هذا المنطلق أشارت أمال أنه عندما تقدم أحد الأشخاص لخطبة ابنتها ورغم إعجابها به، إلا أنها نصحتها بأنه غير مناسب لها نتيجة بعض التصرفات التي قام بها، والتي استطاعت ابنتها ملاحظتها فيما بعد. وبالتالي سمعت نصيحة والدتها وعملت بها.
وهذا ما فعلته مع ابنها أيضاً عند محاولته إيجاد زوجة المستقبل، فكانت صريحة وأعطت رأيها بمنتهى المصداقية في بعض الفتيات اللواتي رأتهن غير مناسبات له. ونتيجة لتجربة أخته السابقة، فقد نصحته هي بالأخذ برأي والدتهم لأنها محقة في أي نصيحة أو رأي نتيجة خبرتها الأعمق في الأشخاص والحياة.

لكن في رأي معاكس، تعتبر مريم أن الزواج هو حرية شخصية. لذا فهي لا تتدخل في المستقبل في خيارات أولادها، حتى لو اختاروا أشخاصاً من جنسية أو ثقافة مختلفة.
طالما هم متفقون ويريدون بعضهم البعض، لا يوجد لدي أي مشكلة. فهذه حياتهم وبالتالي إذا لم تنجح العلاقة سينفصلون وإذا نجحت فأنا لا أريد سوى سعادتهم.

مهما كان أسلوب التربية الذي تتتبعه الأم، يبقى هناك عتب في مكان ما عليها. فرغم كل الامتنان والتقدير الذي تكنه أمال لوالدتها والتي تعتبر أنه لا يمكن مكافأتها، إلا أنها تحمل في قلبها لوماً عليها لأنها كانت تجعلها تسكت عن حقها أو تتغاضى عنه من أجل تفادي المشاكل. هذا هو الأمر الذي لم تقبل أمال أن تعلمه لأبنائها، لا بل كانت حريصة على تعليمهم العكس تماماُ.
أما مريم، فعتبها الأكبر على والدتها كان أن قسوتها جعلتها فتاة ضعيفة الشخصية نتيجة خوفها الزائد منها. فتعتبر أنها كانت تعيش قمعاَ رفضت أن يعيشه أولادها، لكي يكونوا أصحاب شخصية قوية قادرين على مواجهة كل تحديات الحياة.

تشرح الأخصائية رند فايد أنه عندما تعاني الطفلة من قسوة والدتها في صغرها، يحصل لديها حرمان عاطفي وحرمان من الحب. فتقوم بعكس كل ما قامت به أمها مع أولادها، فيكون لديها الوعي بأن لا ترتكب غلطة والدتها وتعرض أبناءها لما عاشته. في حين هناك أمهات لا يمتلكن الوعي الكافي لاكتساب مهارات تربية جديدة، فيسلكن نهج أمهاتهن لأن هذا الأسلوب القاسي هو كل يعرفونه في الحياة.
كما يبدو اليوم أن مفهوم التفاني والتضحية قد اختلف مع تطور الحياة. فقد أجمعت الأمهات الثلاث أمال وهند ومريم أنه مهما ضحّين من أجل أبنائهن، لا يمكن أن يقوموا بما قامت به أمهاتهن. فقد كانت أمهاتهن يؤثرن أولادهن على أنفسهن ويقدمن مصلحتهم على مصالحهن الشخصية.
لقد توافقت الأمهات الثلاث على أنه لا بد من وضع بعض الحدود، فيجب أن تخصص الأم الوقت لنفسها وتهتم لصحتها لتبقى قادرة على خدمة عائلتها.
لا تفوتوا فرصة الاستماع إلى قصص هؤلاء الأمهات في التسجيل الصوتي المرفق أعلى الصفحة.
أكملوا الحوار عبر حساباتنا على فيسبوك وتويتر وانستغرام.
توجهوا الآن إلى موقعنا الالكتروني للاطلاع على آخر الأخبار الأسترالية والمواضيع التي تهمكم.
يمكنكم أيضاً الاستماع لبرامجنا عبر هذا الرابط أو عبر تطبيق SBS Radio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.
يمكنكم أيضًا مشاهدة أخبار SBS عربي News في أي وقت على SBS On Demand.




