بين الحفاظ على أصالة الوصفة والبحث عن نكهات وتجارب جديدة، يراهن طهاة عرب في أستراليا على الابتكار للتميز في سوق المطاعم شديد المنافسة.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
في ظل المنافسة المتزايدة في قطاع المطاعم والضيافة في أستراليا، قد لا تكفي جودة الطعام وحدها لجذب الزبائن وإقناعهم بالعودة مرة أخرى.
فالتجربة الناجحة قد تبدأ بوصفة ورثها الطاهي عن عائلته أو حملها معه من بلده، لكنها تنمو بالخبرة والإصغاء إلى أذواق الناس والقدرة على تقديم المذاق المألوف بطريقة تثير الفضول، من دون أن تفقده هويته الأصلية.
هذه المعادلة يحاول الشيفان خالد عزام وربيع عامر تطبيقها بطريقتين مختلفتين: الأول أعاد تقديم الشاورما بإضافة الفستق الحلبي، فيما بنى الثاني تجربة حول الكنافة النابلسية والقهوة المعدّة على الرمل والشاي التقليدي.
لكن إلى أي مدى يمكن للابتكار في طبق تقليدي أن يتحول إلى ميزة في سوق شديد المنافسة؟
عندما تصل إلى مستوى معين من الخبرة يصبح الخطأ غير مسموح
بالنسبة إلى الشيف خالد عزام، لم تكن فكرة إضافة الفستق الحلبي إلى الشاورما مجرد محاولة لصناعة طبق غريب يجذب الانتباه، بل جاءت بعد سنوات طويلة من العمل في مجال الطعام.
ويقول عزام لـSBS عربي إن الخبرة تضع الطاهي أمام مسؤولية أكبر تجاه الزبون.
أحياناً توصلك الخبرة إلى مكان يصبح فيه الخطأ غير مسموح، لأن الناس لن تسامحك. جودة الأكل بالنسبة إليّ هي أهم شيء
وينطلق عزام من ملاحظة أن المكسرات والفستق ليست غريبة تماماً عن المطبخ العربي، فهي تستخدم في أطباق عديدة تجمع الأرز والدجاج واللحوم، لكن ارتباط الفستق في أذهان الكثيرين بات يميل بصورة أكبر إلى الحلويات.
ومن هنا جاءت فكرته: لماذا لا ينتقل الفستق إلى الشاورما؟
ويقول: «الفستق الحلبي فيه زيوت رائعة جداً مع الدجاج وأعطى طعماً قوياً ومميزاً».

لكن الفكرة كانت جريئة إلى درجة أنه لم يكشف عنها حتى لأفراد عائلته قبل تجربتها.
الفكرة ولدت عندي. لم يقترحها عليّ أحد، وحتى في بيتي لم أخبر أحداً، لأن الشاورما أكلة كلاسيكية والناس معتادون عليها بطريقة معينة
التجربة الأولى.. أمام طهاة
قبل تقديم الطبق للزبائن، اختار عزام أن يضع فكرته أمام اختبار من نوع آخر، فدعا مجموعة من أصدقائه، وبينهم طهاة وأشخاص لديهم خبرة في الطعام، لتذوق الوصفة.
ويقول إن التوقعات ذهبت في اتجاهات مختلفة، لكن أحداً لم يتوقع الفستق.
«قالوا إنهم توقعوا أن أقدم شاورما جديدة، ربما بالسمك أو السجق، لكن لم يتوقع أحد الفستق الحلبي. قلت لهم: تذوقوها وأعطوني رأيكم».
وكانت المفاجأة، بحسب عزام، أن الصورة الذهنية الأولية للفستق باعتباره مكوناً مرتبطاً بالحلويات سرعان ما تغيرت بعد التذوق.

أما الزبائن، فلم يتقبلوا جميعاً الفكرة منذ اللحظة الأولى.
ويقول عزام إن بعضهم عارض فكرة تغيير الشاورما التقليدية، بينما دفع الفضول آخرين إلى التجربة.
في البداية كانت هناك معارضة من بعض الناس، لكن كثيرين أرادوا أن يجربوا. وبعد أن تذوقوها كانت ردة الفعل: واو، فعلاً رائعة
ويقول إن الطلب عليها ارتفع إلى درجة أن الكمية التي يعدها في بعض أيام الجمعة أو السبت قد تنفد خلال ساعات.
ومع ذلك، يؤكد عزام أنه لم يتخلَّ عن الشاورما الكلاسيكية، بل أضاف خياراً جديداً إلى جانبها.
ويرى أن التجديد أصبح ضرورياً في سوق المطاعم، قائلاً: «في أي مجال من مجالات الحياة، إذا لم يطوّر الإنسان نفسه فلن يستطيع الاستمرار. لكي تكون مميزاً عليك كل فترة أن تقدم شيئاً جديداً، مع تحسين جودة الأكل أولاً».
ربيع عامر.. البحث عن «الكنافة التي افتقدها»
على الجانب الآخر من التجربة يقف الشيف ربيع عامر، الذي يحمل خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مجال المطاعم والمأكولات والحلويات، مر خلالها بدبي قبل أن يستقر في ملبورن.
وعندما وصل إلى المدينة، بدأ بالنظر إلى السوق بعين الطاهي والزبون في آن واحد.
فالكنافة موجودة في ملبورن، كما يقول، لكن ما كان يبحث عنه تحديداً هو الكنافة النابلسية الناعمة بالطريقة التي يعرفها، باستخدام جبنة العكاوي.
أنا لست فقط شيفاً، بل أيضاً من عشاق الكنافة. بحثت عنها ووجدت كنافة جيدة في أماكن كثيرة، لكن رأيت أن الكنافة النابلسية الأصلية الناعمة بجبنة العكاوي غير متوفرة بالطريقة التي كنت أبحث عنها
لكن عامر لم يرد أن تتوقف التجربة عند الكنافة.
وبعد ملاحظته ارتباط ملبورن القوي بثقافة القهوة، قرر أن يقدم بجانبها القهوة العربية المعدّة على الرمل، إلى جانب الشاي التقليدي.

ويقول إن الفكرة ساعدته في تقديم المطبخ العربي بصورة مختلفة للزبائن.
«رأيت كم يعشق الناس القهوة في ملبورن، فقلت: لماذا لا أقدم شيئاً من مطبخنا العربي بطريقة جديدة هنا؟».
التجديد يجب ألا يغيّر هوية الطبق
على الرغم من بحثه عن الاختلاف، يضع عامر خطاً واضحاً بين الابتكار وتغيير هوية الطعام.
ويقول: «دائماً في مطبخنا العربي، عندما يضيف أي شخص شيئاً جديداً يجب ألا يغيّر هوية الطبق. يجب أن تبقى الهوية موجودة».
لذلك، ركز في تطوير الكنافة على تفاصيل العجينة وطريقة إعدادها ونوع الجبن وسماكة الطبق، بدلاً من تغيير المكونات الأساسية التي تمنح الكنافة شخصيتها.
ويوضح أن الكنافة التي يقدمها أكثر رقة من بعض الأنواع الأخرى، حتى تبقى الجبنة جزءاً أساسياً من تجربة المذاق.
كلما كانت العجينة سميكة، قلّ استمتاعك بطعم الجبنة. نحن نريد أن يستمتع الزبون بطعم الجبنة، وفي الوقت نفسه بقرمشة العجينة المحمصة
ومن أجل الاقتراب من النكهة التي يريدها، يقول عامر إنه يستورد جبنة العكاوي، كما يقدم القطر بصورة أخف حتى لا تكون الحلوى شديدة الثقل على الزبون.
من طبق إلى «تجربة» تستخدم الحواس
بالنسبة لعامر، المنافسة في قطاع المطاعم لا تتعلق بالطعام وحده، وإنما بما يشعر به الزبون منذ دخوله المكان.
فإعداد القهوة على الرمل ورائحة الشاي لا يؤديان وظيفة مرتبطة بالمذاق فقط، بل يصبحان جزءاً من المشهد والذاكرة.

ويقول: «عندما تدخل المطعم تشم رائحة الشاي ورائحة القهوة المعدّة على الرمل. فالتجربة ليست بصرية فقط، بل نحاول تشغيل الحواس كلها من خلال الرائحة والتذوق والأجواء وحتى الحديث مع الزبون».
وبحسب عامر، بات بعض الزبائن يقصدون المكان من ضواحٍ مختلفة في ملبورن تحديداً من أجل الكنافة والقهوة والتجربة المصاحبة لهما.
تقليد أم ابتكار؟ ربما الاثنان معاً
تجربتا عزام وعامر تنطلقان من فكرتين مختلفتين.
خالد عزام أدخل مكوناً غير مألوف إلى أحد أشهر الأطباق العربية، محاولاً إقناع الزبون بأن الفستق يمكن أن يجد مكاناً له إلى جانب الدجاج والثوم، وليس في الحلويات فقط.
أما ربيع عامر، فاختار العودة إلى وصفة تقليدية ومحاولة الاقتراب أكثر من جذورها، ثم وضع حولها تجربة مختلفة تقوم على القهوة المعدّة على الرمل والشاي والرائحة والأجواء.
لكن التجربتين تلتقيان عند نقطة واحدة: الابتكار بالنسبة إليهما لا يعني التخلي عن التراث، بل البحث داخله عن مساحة جديدة.
وفي سوق مطاعم مزدحم بالخيارات، قد تكون هذه المساحة الصغيرة بين ما يعرفه الزبون وما لم يجربه من قبل هي بالتحديد ما يدفعه إلى التوقف، والتذوق، وربما العودة مرة أخرى.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




