بصوت متقطّع يقطر ألماً ويشعّ ايماناً، عادت تيريز فخري بالذاكرة عامين إلى الوراء لتروي لنا أحداث ذاك اليوم المشؤوم الذي طبع حياة عائلتها وقلب ضحكاتهم دموعاً حارة لا تزال تنهمر على شاب كان "روح البيت" تاركاً وراءه طفلاً رضيعاً لن يرى وجه والده أبداً ولن يجده بين الحضور عندما يتخرج من الجامعة.
في السادس عشر من تشرين الثاني نوفمبر من العام 2018، كان رامي فخري (29 عاماً) في طريقه إلى المنزل على متن دراجته النارية التي لا يستخدمها إلا في يوم الجمعة: "كان ماشي عالضو الاخضر واصطدم به شخص لا أعرف اسمه لليوم ولا أريد أن أعرفه. كان حادثاً مرورياً أودى بحياة ابني."
ومما زاد في حرقة الأم المفجوعة بابنها الذي لم يكن قد مضى على زواجه سوى عام واحد، طفله الذي تفتحت عيناه على عالم حُكم عليه أن يكبر فيه يتيم الأب.
وكأن القدر ينظر إلينا ضاحكاً ونحن نطرز أحلامنا على وسادة المستقبل، لم يُكتب لرامي أن يشتم رائحة ابنه الأول والذي كان ينتظر قدومه بفارغ الصبر: "كنا جميعاً بانتظار الطفل، أرسل الرسائل بشكل متكرر لأسأل ان كانت زوجته قد دخلت المخاض. كانت فرحته بالدنيا."
عامان ثقيلان مرا على السيدة تيريز وهي تلاحق خيال ابنها في أروقة المنزل وتحسب بالدقيقة فترة غيابه وكأن عقارب الساعة تعمدت الحركة ببطء بعد أن كانت تسارعت كالبرق وخطفت أغلى أحبائها: "السائق الذي أودى بحياة ابني كان مسرعاً. أطلب من كل انسان على الطرقات التأني، دقيقتين أو خمس دقائق إضافية لن تحدث فرقاً ولكن أقل من ثانية قد تغير حياة عائلة بأكملها."
لا زلت أشعر بأن هنالك جمرة في قلبي
"يا رب، لماذا فجعتني بابني؟"
لا تنكر تيريز أن ايمانها العميق تعرض لهزة قوية عندما وقع عليها خبر وفاة ابنها كالصاعقة: "كنت أطلب من يسوع في صلاتي أن يحفظ أبنائي. عندما توفى رامي بدأت ألومه وأخاطبه قائلة: ما كان عندك وقت تتطلع على ابني؟"
ولكن سرعان ما أدركت تيريز أن العلاقة الخاصة التي تربطها بالله هي مصدر قوتها وما سيمكنها من تحمل الأيام الثقيلة في غياب ابنها الذي ترك لها نسخة صغيرة منه. ولما كانت في الماضي تفوت بعض القداديس في الكنيسة، صارت اليوم مواظبة على هذا اللقاء الأسبوعي بروح ابنها ورائحته: "بحس حالي مع يسوع ومع رامي."
ايماني لم يساعدني في البداية. زعلت من مار شربل
ولأن المصاب الكبير يجمع أفراد الجالية على قلب واحد وحول حزن واحد علّ وطأته تخف قليلاً وناره تبرد، أخبرتنا تيريز أنها تحرص دائماً على زيارة قبور أطفال أوتلاندز – أنتوني وسيينا وأنجيلينا عبدالله وفيرونيك صقر - والذين خُطفوا من حضن والديهم منذ ثمانية أشهر في حادث سير مؤسف.
"أسميناه رامي"
وكما شاءت الأقدار، وُلد "رامي الصغير" بعد وفاة والده بأربعة أسابيع ليبعث الأمل في نفوس أفراد العائلة وخصوصاً الجدة تيريز التي كلما طالعت وجه حفيدها تقرأ ملامح ابنها وضحكته: "رامي طفل جميل سيكمل عامه الثاني في كانون الثاني يناير القادم. طفل يميز صورة أبيه ولكنه لن يراه أبداً."
"أصلي للجاني"
"في كل مرة أصلي لابني، أصلي أيضاً لهذا الرجل" هكذا أجابتنا تيريز التي لا تعرف لليوم اسم أو ملامح الشخص المسؤول عن وفاة ابنها. ولأن التسامح يغسل القلوب وينقيها مما قد يزيدها ثقلاً وألماً، ترى تيريز أن الفاجعة التي قسمت ظهرها دخلت بيت هذا الرجل أيضاً فهو كما قالت "حياته ليست سهلة فقد قتل شخصاً وهذا ليس بالأمر الهيّن."
ووجهت تيريز رسالة للناس مفادها أن رقابتنا الذاتية على سلوكنا على الطريق أهم وأعلى صوتاً من كل القوانين، فالحكومة "تقوم بدورها" ولكن ضمير الانسان ومراعاته للآخرين على الطريق يبقى الأساس.
وختمت قائلة: "السائق وراء المقود هو المسؤول عن كل شيء. قد يقع الحادث خلال أجزاء من الثانية ليغير حياتك وحياة من حولك."
استمعوا إلى قصة السيدة تيريز فخري في الملف الصوتي أعلاه.



