للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أعاد الجدل حول دور الأب داخل الأسرة إلى الواجهة، بعد تصريحات أثارت نقاشاً واسعاً بشأن ما إذا كان البقاء في المنزل لرعاية الأطفال يتعارض مع مفهوم الرجولة.
وجاء ذلك بعد أن قال تايسون غوردون، أحد المشاركين في برنامج "متزوجون من النظرة الأولى"، إنه يفضّل عدم أن يكون أباً متفرغاً، مضيفاً أن الأمر بالنسبة له يشبه "ارتداء تنورة في المنزل"، في تعليق أثار تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأشعل هذا التصريح نقاشاً أوسع حول كيفية نظر الرجال إلى دورهم كآباء، خاصة في ظل تأثير ما يُعرف بـ"manosphere"، وهي شبكة من المساحات الإلكترونية التي تركز على قضايا الذكورة والأدوار الجندرية والعلاقات.
وقال الباحث سيمون كوبلاند، وهو زميل فخري في الجامعة الوطنية الأسترالية، إن بعض الشخصيات المؤثرة في هذه المساحات ترى أن الرجل الحقيقي يجب أن يكون المعيل الأساسي للأسرة.
وأوضح أن هذه الرؤية تعيد إنتاج تصور تقليدي يعتبر أن النساء يجب أن يبقين في المنزل لرعاية الأطفال، وهو ما وصفه بأنه نموذج "كلاسيكي" وقديم للرجولة.
وأشار إلى أن بعض هذه الخطابات تعتبر أن انتقال الرجل إلى دور الرعاية يجعله يفقد جزءاً من رجولته، بل ويقارب دوره بدور المرأة، وهو ما يُنظر إليه على أنه انتقاص من مكانته.
انقسام بين الأجيال
لفت كوبلاند إلى أن التصورات حول الرجولة لا تتجه بالضرورة نحو مزيد من التقدم، كما يُعتقد، بل أظهرت أبحاثه تحوّلاً لدى بعض الشباب نحو تبني نماذج تقليدية أكثر صرامة.
وأوضح أن هذا التحول يرتبط بعوامل اقتصادية، حيث يواجه الشباب صعوبات في دخول سوق العمل أو الحصول على وظائف مستقرة، إلى جانب شعور عام بعدم اليقين تجاه المستقبل.

وأشار إلى أن هذه الضغوط تدفع بعض الرجال إلى التمسك بنماذج تقليدية للرجولة، تقوم على فكرة أن الماضي كان أكثر استقراراً عندما التزم الناس بأدوارهم الجندرية التقليدية.
إعادة تعريف الرجولة
في المقابل، يبرز نموذج مختلف من الآباء يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الرجولة من خلال المشاركة الفعلية في رعاية الأطفال.
وقال كلفن سايك، وهو أب يبلغ من العمر أربعين عاماً ويعتني بطفليه في المنزل، إن تجربته جعلته يشعر بأنه أصبح شخصاً أقوى وأكثر نضجاً.
وأوضح أن دور الرعاية قد يُنظر إليه على أنه يقلل من رجولة الرجل، لكنه في الواقع يعززها، مشيراً إلى أن الأبوة من أصعب المهام لكنها أيضاً تمنح شعوراً بالقوة والتمكين.

وأضاف أنه يواصل العمل من منزله في سيدني كمصور فيديو مستقل، لكنه واجه في الوقت نفسه أفكاراً راسخة حول دور الرجل كمصدر رئيسي للدخل.
وأشار إلى أن العديد من الرجال يترددون في تبني هذا الدور، لأنهم اعتادوا على أن يكونوا المعيلين مادياً، لكنه أكد أن هذه التجربة تجعل الإنسان أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وأكثر ارتباطاً بأسرته.
وأوضح أن قضاء الوقت مع الأطفال يمثل بالنسبة له قيمة لا يمكن تعويضها بأي مكسب مادي أو ترقية وظيفية، مضيفاً أنه يفضل تحقيق توازن عائلي حتى لو كان ذلك على حساب الدخل.
عوائق عملية وثقافية
تشير البيانات إلى أن عدد الآباء المتفرغين في أستراليا لا يزال غير واضح بدقة، بسبب محدودية الإحصاءات الوطنية.
وأوضحت جاكي ماكدونالد، وهي أستاذة مشاركة في جامعة ديكن، أن جائحة كورونا دفعت عدداً أكبر من الرجال إلى أدوار الرعاية، لكن العوائق لا تزال قائمة.
وقالت إن هذه العوائق تشمل عوامل ثقافية ومؤسسية، مثل مدى تقبل بيئة العمل لفكرة إجازة الأبوة، إضافة إلى الفوارق في الدخل بين الرجال والنساء.
وأشارت إلى أن نظام الإجازة الوالدية المدفوعة في أستراليا يتيح للوالدين إجازة تصل إلى 24 أسبوعاً بأجر الحد الأدنى، مع إمكانية تمديدها، على أن ترتفع إلى 26 أسبوعاً اعتباراً من يوليو.

وبيّنت دراسات أن تصميم هذه الأنظمة قد يعزز أحياناً الأدوار التقليدية، من خلال اعتبار الأب "راعياً ثانوياً"، حتى في الحالات التي يخطط فيها الزوجان لتقاسم المسؤوليات.
تحولات في مفاهيم الأبوة
رغم هذه التحديات، أظهرت بيانات حديثة أن عدد الآباء الذين يحصلون على إجازة رعاية الأطفال في أستراليا في تزايد، حيث يشكلون نحو 17 في المئة من إجمالي الإجازات، مقارنة بـ12 في المئة عام 2022.
كما أظهرت الدراسات أن ثلاثة أرباع الرجال تمنّوا لو أنهم حصلوا على إجازة أطول لرعاية أطفالهم.

وأشارت ماكدونالد إلى أن العديد من الآباء يرغبون في تبني نموذج مختلف عن الأجيال السابقة، يقوم على الحضور العاطفي والمشاركة اليومية في حياة الأطفال.
وأكدت أن هذا التوجه يعكس رغبة متزايدة لدى الرجال في بناء علاقة أعمق وأكثر ارتباطاً مع أبنائهم، بعيداً عن النموذج التقليدي الذي يقتصر على دور المعيل.
مستقبل الأبوة
أوضحت ماكدونالد أن الربط بين الرعاية والضعف في الرجولة لا يعكس الواقع، مشيرة إلى أن الرجولة الصحية تقوم على الحضور العاطفي والقدرة على الدعم والمشاركة.
وأكد كلفن أن استثماره في تربية أطفاله اليوم سيترك أثراً طويل الأمد في حياتهم، مشيراً إلى أن هذا الدور يمنحه أيضاً فرصة لدعم شريكته في مسيرتها المهنية.
وأضاف أن الأمهات يتحملن عبئاً كبيراً في تربية الأطفال، وأن دعم الشريك يمثل شكلاً من أشكال التوازن داخل الأسرة.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
