Watch FIFA World Cup 2026™

LIVE, FREE and EXCLUSIVE

من لاجئ طفل إلى ممثل أستراليا في "أولمبياد الفن".. خالد سبسبي يحمل ذاكرة الهجرة والهوية إلى بينالي البندقية

يستعد الفنان الأسترالي اللبناني الأصل خالد سبسبي لتمثيل أستراليا في الدورة الحادية والستين من بينالي البندقية، أحد أعرق وأهم الأحداث الفنية في العالم، عبر عملين ضخمين يستكشفان أسئلة الهوية والمنفى والانتماء والإنسانية المشتركة. ويأتي هذا الظهور بعد أشهر من جدل سياسي وفني واسع كاد يطيح بمشاركته، قبل أن يُعاد تثبيته رسمياً ممثلاً لأستراليا في ما يعد "أولمبياد الفن العالمي".

Khaled Sabsabi and Michael Dagostino, two middle-aged Lebanese Australian men wearing all black, stand in front of a vividly painted purple and blue wall.

Contemporary artist Khaled Sabsabi (left) and curator Michael Dagostino embody a shared Western Sydney ethos shaped by migration, collaboration and cultural plurality. Source: Supplied / Andrea Rossetti

للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.

للوهلة الأولى، قد تبدو مدينة البندقية الإيطالية وضواحي سيدني الغربية عالمين لا يجمع بينهما شيء.

فالأولى أرخبيل مائي من القنوات والحجارة والجزر العائمة، بينما الثانية مدينة مترامية في الداخل الأسترالي، تخترقها الطرق السريعة وتنتشر فيها المنازل المتواضعة.

لكن الفنان خالد سبسبي يرى المدينتين بصورة مختلفة تماما ، وكأنهما توأمان.

يقول إن غرب سيدني والبندقية "مكانان تشكّلا بفعل الهجرة والتبادل الثقافي".

وبالنسبة للفنان المولود في لبنان، بدأت هذه الرحلة عندما كان في الثانية عشرة من عمره، بعدما فرّ مع عائلته من مدينة طرابلس خلال ذروة الحرب الأهلية اللبنانية.

ووصل سبسبي إلى أستراليا مثل كثيرين من أبناء الجالية اللبنانية الذين دفعتهم الحرب إلى الهجرة والبدء من جديد.

وقال في حديثه إلى SBS NEWS إن "رحلتي الشخصية تأثرت بالنزوح والصدمات النفسية، لكنها تشكّلت أيضاً من أفكار الانتماء والحنين ومحاولة التعايش مع عوامل كثيرة، بينها العيش على أرض ليست أرضك".

Khaled Sabsabi, a Lebanese Australian man with long hair, stands against a painted wall, with vivid purple and blue swirls are projected over him.
For Khaled Sabsabi, art has long been a means of tracing the fault lines between displacement, belonging and shared humanity. Source: Supplied / Andrea Rossetti

وبعد عقود، وجد هذا التوتر بين الفقد والوصول، وبين الذاكرة والمكان، طريقه إلى البندقية، حيث يقف سبسبي إلى جانب القيّم الفني مايكل داغوستينو ممثلَين لأستراليا في الدورة الحادية والستين من "لا بينالي دي فينيتسيا"، التي تُفتتح للجمهور اليوم.

ويُعد بينالي البندقية، الذي انطلق عام 1895، من أبرز المؤسسات الثقافية في العالم، وغالباً ما يُشبَّه بـ"أولمبياد الفن"، إذ تستضيف أكثر من ثمانين دولة أجنحة وطنية مخصصة للفنون المعاصرة والعمارة.

وأصبح الجناح الأسترالي جزءاً بارزاً من الحدث منذ أول مشاركة للبلاد عام 1954، ثم اعتماد جناح دائم عام 1988، وخصوصاً بعد فوز الفنان آرشي مور بجائزة "الأسد الذهبي" التاريخية عام 2024.

ويصف سبسبي مشاركته هذا العام بأنها لحظة استثنائية، قائلاً "أن تكون أسترالياً، ومهاجراً أو ابن مهاجرين، وأن تكون رجلاً عربياً مسلماً أسترالياً... إنها لحظة نادرة وفريدة".

عملان وفلسفة واحدة في حدث واحد

ويصعب المبالغة في حجم الإنجاز الذي حققه سبسبي هذا العام.

ففي سابقة أسترالية، يشارك الفنان اللبناني الأصل بعملين في الوقت نفسه: الأول في الجناح الوطني الأسترالي، والثاني ضمن المعرض الدولي الرئيسي للبينالي، وهو تميّز نادر لم يحققه سوى عدد محدود جداً من الفنانين خلال تاريخ الحدث الممتد لأكثر من 131 عاماً.

وفي مجمع "Giardini" في بينالي البندقية حيث يقع الجناح الأسترالي بين أجنحة 28 دولة أخرى، يقدم سبسبي عملاً تركيبياً بعنوان "مؤتمر الذات"، يجمع بين الرسم والفيديو والصوت لصناعة فضاء تأملي بطيء الحركة، يعرض الذات بوصفها حالة جماعية ومتغيرة ومتداخلة مع الآخرين.

ويتوسط العمل ثمانية ألواح ضخمة، يبلغ ارتفاع كل منها ثلاثة أمتار وعرضها مترين، مرتبة على شكل مثمن. وتقوم أجهزة عرض معلّقة بإسقاط صور متحركة على اللوحات، لتنشأ دائرة بصرية مستمرة تعيد انعكاس أجزاء من الرسومات على نفسها.

Khaled Sabsabi's conference of one's self, an immersive installation artwork featuring large projection panels.
Conference of one's self unfolds as a contemplative space, inviting audiences into sustained reflection on identity, spirituality and collective humanity. Source: Supplied / Andrea Rossetti

ويمتد العمل على مدار 54 دقيقة، ترافقه مؤثرات صوتية مستمدة من تسجيلات يومية تناظرية، ما يدفع الزائر إلى التأمل الهادئ في تحولات الضوء والإيقاع.

ويستند المفهوم إلى قصيدة في كتاب "منطق الطير" للشاعر الصوفي الفارسي فريد الدين العطار، التي تروي رحلة مجموعة من الطيور عبر سبعة أودية بحثاً عن قائد، قبل أن تكتشف في النهاية أن الحكمة تكمن في الجماعة نفسها.

وقال سبسبي إن الفكرة تحمل معنى ملهماً يتمثل في أن "المجموعة هي التي تتحكم بمصيرها، وليس قائداً واحداً".

وأضاف أنه أضاف مرحلة رمزية ثامنة إلى العمل، تمثل "لحظة اكتمال ووحدة".

وأوضح أن العمل لا يفرض تفسيراً محدداً على الجمهور، بل يخلق مساحة مفتوحة للتأمل وطرح الأسئلة.

"خليل".. رحلة إلى الداخل

وفي موقع متحف الأرسنال "Arsenale" الآخر التابع للبينالي، يقدم سبسبي عملاً ثانياً بعنوان "خليل"، وهي كلمة عربية تعني "الصديق"، ولكن ببعد فلسفي اخر يمثل الرفيق والنقيض في آن واحد.

ويستكشف العمل البعد الداخلي للذات عبر ثلاثة فصول: "العتبة"، و"الخليل"، و"الخلوة" او العزلة ، حيث ينتقل الزائر من الإحساس الجماعي بالصدى الكوني إلى التأمل الذاتي.

Conference of one's self, an installation artwork featuring Arabic text in reflective purple and gold colours.
In conference of one's self, light shimmers and refracts across painted surfaces, revealing shifting layers that invite viewers deeper into reflection. Source: Supplied / Andrea Rossetti

ويرتكز العمل على لوحة دائرية بطول أربعين متراً، تُعرض عليها صور متحركة، في تصميم يشبه الفانوس، يجمع بين الصوت والصورة والرائحة ضمن تجربة غامرة.

وقال سبسبي إن "رائحة العود الأسود تستقبل الجمهور قبل دخول العمل"، مضيفاً أن الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة، بل يصبح جزءاً من حركة العمل الجماعية.

أما القيّم الفني مايكل داغوستينو فقال إن الشكل النهائي للعمل جاء نتيجة نقاشات طويلة حول المكان وطريقة تفاعل الجمهور معه، موضحاً أن العملين "يناقشان الإنسانية والتعايش والبحث عن طريق للمستقبل مع الاعتراف بالماضي".

Michael Dagostino, a middle-aged Italian Australian man with long grey hair, stands in front of a vivid blue and purple painting being projected onto a wall.
For Michael Dagostino, the curatorial process has been one of shaping space for reflection, dialogue and the testing of complex ideas. Source: Supplied / Andrea Rossetti

ووصف سبسبي العملين بأنهما "جسد واحد بطرفين".

الجدل السياسي وحرية الفن

لكن أعمال سبسبي لا تحمل فقط أبعادها الفنية والفلسفية، بل أيضاً جدلاً سياسياً واسعاً.

ففي فبراير 2025، أُعلن اختيار سبسبي وداغوستينو لتمثيل أستراليا في البينالي، قبل أن يتم سحب القرار بعد أقل من أسبوع، إثر انتقادات إعلامية وتساؤلات طُرحت في البرلمان الفيدرالي حول عملين سابقين للفنان الأول بعنوان "أنت" عام 2007 والثاني بعنوان "شكراً جزيلاً"

وبرّرت مؤسسة "كرييتف أستراليا"  (Creative Australia) قرارها بالخوف من "نقاش مطوّل وانقسامي". لكن القرار أثار موجة اعتراضات، واستقالات داخل المؤسسة، ودفاعاً واسعاً من فنانين ومؤسسات ثقافية رأوا أن أعمال سبسبي جرى "تشويه فهمها".

وجاءت القضية ضمن مناخ أوسع من التوتر داخل القطاع الثقافي الأسترالي، شهد إلغاء فعاليات ومقاطعات واتهامات بالتحيز المؤيد للفلسطينيين ضد عدد من المنظمين الفنيين.

وبعد خمسة أشهر، خلصت مراجعة مستقلة إلى وجود "أخطاء" في عملية اتخاذ القرار، ليُعاد تثبيت سبسبي وداغوستينو ممثلين رسميين لأستراليا.

وعندما سُئل سبسبي عن تلك المرحلة، اكتفى بالقول:"من المهم أن ندرك أننا نعيش أوقاتاً شديدة الصعوبة والتطرف".

أما داغوستينو فقال إن الفن يحتاج إلى "أصوات نتفق معها وأخرى نختلف معها"، مضيفاً:

"إذا لم نفعل ذلك، فإننا سنبني جدراناً مغلقة ولن نتعلم التعاطف مع الآخرين".

من غرب سيدني إلى التصوف

وراء اهتمام سبسبي المتكرر بالهجرة والانتماء والإنسانية المشتركة، تقف تجربة شخصية عميقة مع النزوح والبحث عن الذات.

فقد وصل إلى أستراليا من طرابلس عام 1976، واستقر في غرب سيدني، حيث عاش وعمل وأسّس عائلته وطور تجربته الفنية المرتبطة بالمجتمعات المحلية.

وقال إن غرب سيدني "مكان نجد فيه الترابط والشعور بالتمثيل والانتماء".

لكن طريقه إلى الفن لم يكن تقليدياً، إذ بدأ عبر موسيقى الهيب هوب، من خلال الأداء وتنظيم الورش والعمل مع الشباب من المجتمعات العربية والسكان الأصليين وسكان جزر المحيط الهادئ.

ثم انتقل للعمل داخل مراكز الاحتجاز والمدارس ومخيمات اللاجئين والسجون، حيث أصبح الفن بالنسبة إليه وسيلة للحوار والتفاعل مع التجارب الإنسانية الحية.

وفي أواخر التسعينيات عاد إلى الدراسة الأكاديمية، وأكمل درجة الماجستير في كلية الفنون الجميلة في سيدني، قبل أن يعود إلى لبنان عام 2002 للمرة الأولى منذ مغادرته، بدعم من منحة فنية.

لكن الرحلة لم تمنحه شعور العودة الذي توقعه، بل عمّقت إحساسه بأن هويته أصبحت معلّقة بين اللبنانية والأسترالية.

وهناك تعرّف إلى التصوف الإسلامي، أو "التصوّف"، الذي يركّز على العلاقة بين العالمين الداخلي والخارجي للإنسان.

وقال سبسبي إن التصوف منحه طريقة لفهم تعددية الذات والتعامل مع الأنا والنفس وفهم الإنسانية بصورة أعمق.

وينعكس هذا التفكير في أعماله الفنية، التي لا تقدّم إجابات مباشرة بقدر ما تدعو الجمهور إلى التأمل والعودة إلى الأسئلة نفسها مراراً.

ورغم أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من العمل الفني وعشرات المعارض العالمية، لا يزال سبسبي يرفض فكرة الوصول إلى "الإتقان الكامل".

ويقول: "مثل كل البشر، ما زلت أتعلم... أنا باحث ومتجول".

وفي البندقية، سيتنقل الجمهور بين الجناح الأسترالي ومتحف "Arsenale"، بين عملين يدعوان الزائر بهدوء وتأمل إلى التفكير في مكانه داخل عالم أكبر وأكثر تعقيداً.

أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.

اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.

 


7 مدة القراءة

نشر في:

آخر تحديث:

By Gabrielle Katanasho

المصدر: SBS




Share this with family and friends


تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now