دخل ملف الجنوب اللبناني ومرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل" مرحلة جديدة من البحث الدولي، مع اجتماع باريس الذي جمع الرئيس اللبناني جوزاف عون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وركز على بحث آلية لتأمين بديل لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وكيفية تمكين الجيش اللبناني من بسط سلطة الدولة على كامل أراضي البلاد.
ولم يقتصر الاجتماع على الجانب السياسي، إذ أعقبه لقاء "عملياتي" لكبار المسؤولين العسكريين من لبنان وفرنسا والأردن ودول أخرى، بينها الولايات المتحدة والسعودية والمملكة المتحدة، لبحث خطة انتشار الجيش واحتياجاته من التمويل والمعدات والتدريب.
خطة لانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية
واستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره اللبناني جوزاف عون في قصر الإليزيه، قبل أن يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مجمع "ليزانفاليد"، حيث عقد القادة الثلاثة اجتماعاً تناول مستقبل الأمن والسيادة في لبنان.
وبحسب وكالة فرانس برس، جاء اللقاء في إطار التحضير لحشد دعم دولي لانتشار الجيش اللبناني على كامل أراضي البلاد، بما يتيح للدولة تولي مسؤولياتها الأمنية، بالتوازي مع معالجة ملف سلاح حزب الله وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وأعقب القمة اجتماع ضم مسؤولين عسكريين كباراً من الدول الثلاث ودول مشاركة أخرى، بينها الولايات المتحدة والسعودية والمملكة المتحدة.
وأوضح قصر الإليزيه، بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس، أن الاجتماع هدف إلى دراسة "خطة انتشار" للقوات المسلحة اللبنانية تكون واضحة وذات مصداقية وقابلة للتنفيذ.
وتسعى باريس من خلال ذلك إلى تحديد سياق العملية ومراحلها وآلياتها، تمهيداً لتوفير دعم دولي قوي وعملي للجيش اللبناني، يشمل التمويل والمعدات والتدريب.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر عسكري فرنسي أن الاجتماع شهد أيضاً تقييماً جماعياً لاحتياجات القوات المسلحة اللبنانية، في ظل الصعوبات المالية واللوجستية التي تواجه المؤسسة العسكرية.

الإليزيه: الجيش ركيزة سيادة لبنان
وأكد بيان صادر عن الرئاسة الفرنسية عقب الاجتماع أن القادة الثلاثة بحثوا سبل تعزيز سيادة لبنان وأمنه، باعتبارهما عنصرين أساسيين لاستقرار المنطقة.
ووفق البيان الذي نقلته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، افتتح عون وماكرون والملك عبد الله اجتماعاً لخبراء عسكريين رفيعي المستوى في إطار "مسار العقبة"، بهدف دعم القوات المسلحة اللبنانية.
ووصف بيان الإليزيه الجيش اللبناني بأنه "ركيزة سيادة البلاد"، والأداة الأساسية التي تتيح للدولة ضمان أمن أراضيها وممارسة احتكارها الحصري للسلاح.
وأكد ماكرون أن باريس، بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والسعودية وشركائها الدوليين، تدعم القوات المسلحة اللبنانية باعتبارها الركيزة الأساسية لفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها.
وشدد الرئيس الفرنسي على أن استقرار لبنان يتجاوز حدوده، معتبراً أن لبنان المستقر وذي السيادة يمثل خطوة أساسية نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
كما ربط ماكرون بين الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية الفرنسية، مشيراً في بيان الإليزيه إلى أن خفض التوتر في منطقة حيوية للتجارة وإمدادات الطاقة العالمية يساعد في حماية الاقتصاد الفرنسي والحد من انعكاسات الأزمات على أسعار الطاقة.
عون: حصرية السلاح بيد الدولة "ثابت لبناني"
من جهته، جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة، ووضع تعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن في صميم المرحلة المقبلة.
ونقلت الوكالة الوطنية للإعلام عن عون، قبيل مغادرته باريس، تعبيره عن ارتياحه للمداولات التي شهدها الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، مثمناً جهود ماكرون والملك عبد الله الثاني في التحضير للقاء وحشد الدعم الدولي.
وأعرب عون عن أمله في أن تستجيب الدول والجهات المشاركة للاحتياجات التي قدمها الوفد اللبناني بشأن الجيش وقوى الأمن الداخلي، بما يسمح بتعزيز قدراتهما وتمكينهما من أداء مهامهما.
وجدد الرئيس اللبناني، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام، التأكيد على ما وصفها بـ"الثوابت اللبنانية الجامعة"، وفي مقدمتها حماية السيادة والكرامة الوطنية و"حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية دون سواها".
كما شدد على الدور المحوري للجيش في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً في الجنوب بعد انسحاب إسرائيل منه، بما يعزز استقرار البلاد ووحدتها.
مرحلة ما بعد "اليونيفيل" والمبادرة الفرنسية الايطالية
إلى جانب دعم الجيش، شكل مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان محوراً أساسياً في مباحثات باريس، مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل" في نهاية العام الجاري.
وتنتشر القوة الدولية في جنوب لبنان منذ عام 1978، لكن انتهاء مهمتها يضع بيروت وشركاءها الدوليين أمام سؤال يتعلق بالترتيبات التي ستعقب انسحابها، خصوصاً إذا لم يكن الجيش اللبناني قد استكمل بعد انتشاره وقدراته اللازمة لتولي جميع المهام الأمنية.
وبحسب وكالة فرانس برس، بحث عون مع ماكرون مرحلة ما بعد "اليونيفيل"، وشكر الرئيس اللبناني نظيره الفرنسي على المبادرة التي أطلقها بالتعاون مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لبحث مستقبل الوجود الدولي في الجنوب.
وأشارت الرئاسة اللبنانية إلى إحراز تقدم في بلورة مقترحات داخل مجلس الأمن الدولي بشأن شكل هذا الوجود في المرحلة المقبلة.
وكان عون قد دعا، في مقابلة مع وكالة فرانس برس قبيل زيارته إلى باريس، إلى نشر قوة جديدة، أوروبية أو من دول أخرى، بصورة موقتة إلى حين اكتمال جاهزية الجيش اللبناني، محذراً من ترك "فراغ" أمني بعد بدء انسحاب "اليونيفيل" اعتباراً من كانون الثاني/يناير.
وتبحث فرنسا وإيطاليا، وهما من أبرز الدول المساهمة بقوات في "اليونيفيل"، الترتيبات الممكنة للوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء المهمة الحالية.
دعم الجيش مقابل انسحاب إسرائيل
ويرتبط تعزيز قدرات الجيش اللبناني أيضاً بمسألة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب البلاد.
وبحسب وكالة فرانس برس، يدعو لبنان الدول الأوروبية والولايات المتحدة والدول العربية إلى توفير الدعم الذي يسمح للجيش بالانتشار في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وتتمسك إسرائيل من جانبها بنزع سلاح حزب الله قبل إكمال انسحابها من جنوب لبنان، فيما يؤكد عون عزمه معالجة ملف السلاح وحصره بيد الدولة، ولكن من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وتواجه المؤسسة العسكرية اللبنانية تحديات مالية ولوجستية، من بينها ضعف الرواتب ونقص المعدات، في وقت تتوسع فيه المهام المنتظرة منها لتشمل الانتشار في الجنوب والحدود وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
ومن هنا، يسعى اجتماع باريس إلى الانتقال من الدعم السياسي العام للجيش إلى تحديد احتياجات ملموسة يمكن للدول المشاركة تلبيتها.
ما الذي يحتاجه الجيش اللبناني؟
وتركزت المناقشات العسكرية في باريس على الاحتياجات التي تمكن الجيش من تنفيذ المهام المرتقبة، وليس فقط على زيادة أعداد عناصره المنتشرين في الجنوب.
وبحسب ما عرض خلال الاجتماع، تشمل الأولويات توفير المعدات والتدريب والدعم المالي واللوجستي، بما يسمح للقوات المسلحة بالعمل بصورة مستقلة ومستدامة.
وشدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على ضرورة تزويد الجيش اللبناني بالإمكانات التي يحتاجها، ومن بينها قطع الغيار والقدرات المتعلقة بمواجهة الطائرات المسيرة ومراقبة الأجواء.
ويهدف هذا الدعم إلى تمكين الجيش من تعزيز انتشاره واستعادة السيطرة الأمنية على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وتولي مهام أوسع مع انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وأشار الملك عبد الله، في منشور على منصة "إكس"، إلى توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي مع فرنسا، وقعتها عن الجانب الفرنسي وزيرة الجيوش كاترين فوتران، من دون الكشف عن تفاصيل الاتفاقية.
وجرت اجتماعات باريس في ظل استمرار التوتر على الأرض في لبنان.
وبحسب بيان للرئاسة اللبنانية نقلته الوكالة الوطنية للإعلام، بحث عون وماكرون التطورات الأخيرة واستمرار الهجمات الإسرائيلية على القرى والبلدات اللبنانية، إلى جانب الجهود المبذولة لوقفها.
كما تناول اللقاء المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية و"اتفاق الإطار" الذي تم التوصل إليه خلالها، في وقت تسعى فيه بيروت إلى ربط أي ترتيبات أمنية دائمة بانسحاب القوات الإسرائيلية.
وكان عون قد أعرب عن رغبة لبنان في التوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل بعد انسحاب جيشها من الأراضي اللبنانية.
وتعكس هذه المقاربة محاولة لترتيب خطوات متوازية تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، ومعالجة ملف السلاح خارج سلطة الدولة، ووضع ترتيبات دولية للمرحلة التي تعقب "اليونيفيل".
مؤتمر دعم الجيش وإعادة الإعمار
ولا ينفصل المسار الأمني عن الوضع الاقتصادي وإعادة الإعمار، إذ أعاد عون خلال زيارته إلى باريس طرح مؤتمر دولي لدعم إعادة إعمار لبنان.
وكان ماكرون قد دعا سابقاً إلى عقد مؤتمر لإعادة الإعمار بالتزامن مع مؤتمر دولي لدعم القوات المسلحة اللبنانية، إلا أن اندلاع الحرب في الربيع أدى إلى تأجيل المؤتمرين إلى أجل غير محدد.
وبحسب وكالة فرانس برس، تشترط وزارة الخارجية الفرنسية توافر الظروف اللازمة قبل تحديد موعد جديد للمؤتمر.
ويأمل لبنان أن يقود الاجتماع التحضيري في باريس إلى حشد التزامات عملية تجاه الجيش وقوى الأمن، بالتوازي مع إعادة تحريك ملف إعادة الإعمار، خصوصاً في المناطق المتضررة من المواجهات.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
