انقضت السنة الأولى بأيامها الـ 356، ودوي انفجار مرفأ بيروت الذي هزّ لبنان والعالم لا زال يتردد في كل الأرجاء وأينما كان.
حادثة كارثية ومن أكبر الإنفجارات غير النووية عبر التاريخ حفرت بالنار كلمات مؤلمة عند الساعة السادسة وثماني دقائق وكتب الرابع من أغسطس بالدم أسطرا جارحة، ومرّ عام ولم تندمل الجراح لا بل تعمقت الندوب في ذاكرة آلاف اللبنانيين في الوطن وحول العالم وخاصة في قلوب أهالي ضحايا الانفجار، الذين لا يزالون حتى الساعة يفتشون بين الركام على جواب ويبحثون بين الرماد على بصيص من المعنى لما لا معنى له.
ثوان وكأنها دهور وبيروت ثكلى تتألم وتبكي وتتحسر على حادثة كان ممكنا تفاديها، حادثة مفجعة أودت بحياة 218 شخصًا، ليسوا بأعداد وأرقام بل هم أحباء وأسماء لكل منهم قصة وهوية وعائلات وتاريخ وأحلام ضائعة ومستقبل مكسور ومشروع بناء.
أملوا بوطن يملأ القلب والطموح، وآلمهم ما آلت إليه بيروت، فرحلوا قبل حلول المزيد من الويلات.
وماذا عن حاملي الإصابات الـ 7,000 وتشرد مئات الآلاف من العائلات، ومن هدمت بيوتهم وخسروا جنى العمر وتعب السنين، وذكريات الأجيال والأعراس التي أفسحت المكان للجنازات.
وهل تعود بيروت كما كانت، وهي كطير الفينيق سبق ونهضت سبع مرات من تحت الركام، زهرة الشرق ومدينة الأنوار هل أطفأت أنوارها؟
انفجار المرفأ أتى في ظل حالة اقتصادية كادحة والمصائب تنهال على لبنان، لا حكومة والشعب يعاني، لا كهرباء والظلام دامس، لا وقود والللبنانيون أسرى محطات البنزين والدولار أطاح بالليرة اللبنانية أرضا وأطفال لبنان يقضون لعدم توفر أبسط العلاجات والمرضى يموتون لأن الدواء بعيد المنال.
اثنا عشر شهرا مرّت والسؤال الأبرز ماذا عن تحقيق العدالة وصرخات الأمهات تعلو والداعون لرفع الحصانة عن السياسيين والمسؤولين يتساءلون عن مساءلة ومحاسبة من كانت بحوزتهم المعلومات، فيما يخص تخزين أطنان من نترات أمونيوم بطريقة غير سليمة قرب المواطنين.
"لا يا ماما ما تفلّ بدنا نسقي الأرزة." كلمات والدة دجو عقيقي أحد ضحايا مرفأ بيروت، شجعته على الصمود والبقاء في الوطن الذي أحب ولكن ليسقي الأرزة بدمه ويقيتها بنفسه لتشبع به كحبة حنطة حية تزهر سنابل بدلا من إهراءات القمح العالية.
الشاب دجو عقيقي، ابن الـ 23 ربيعا، بدأ العمل في المرفأ بقسم الكهرباء ليتمكن من دفع رسوم الجامعة حيث كان يدرس ليحصل على شهادة عليا في الهندسة ويبني مع رفاقه من الشاب اللبناني الوطن.
وصار المرفأ مفرق طرق مصيري، إذ طلب منه أن يعمل دوام 24 ساعة فاتصل بوالدته قائلا "ما تنطريني" لئلا يتعبها السهر.
ومن المفارقات، أن الانفجار الأولي جعل الآلاف يبتعدون عن الموقع ويهربون من خطر الموت المحتم ما عدا خيرة الشباب من فريق الأطفاء الذين لبوا النداء وذهبوا لإخماد النيران فلاقوا حتفهم بالانفجارالثاني الذي صدع الأبنية والزجاج الذي تكسر على بعد كيلومترات ووصلت النيران إلى السماء، ولو لم تذهب الطاقة الأكبر الى أعماق البحر وتمتص المياه فعالية الانفجار، ولو حدث قبل دقائق من توقيته حيث كان آلاف اللبنانيين يعملون في تلك البقعة الجغرافية المقصودة لتخليص المعاملات وفيها مئات مكاتب العمل، من كان ليتخيل حجم المأساة وهي بحجمها الآني غير متناهية ولا حدود لها.
بعد ست ساعات على الانفجار، اتصل دجو بوالدته من تحت الركام وفشلت فرق الأنقاذ في الوصول إليه حيا، والسؤال الموجوع لماذا أوقف المسؤولون عمليات الإنقاذ مع غروب الشمس.
وبعد أيام من الأمل حل الألم حين وجد دجو كحبة قمح زرعت في تربة لبنان والصليب الذهبي الذي كان يحمله يشع بين الرماد.
تخرج دجو كمهندس من جامعة NDU واستلم والداه شهادة الهندسة الأكاديمية نيابة عنه.
وقالت والدته السيدة نهاد عقيقي: "تحقق حلم دجو بس شهادات العالم كلو شو بدها تعمللي."
وسيقام بالمناسبة قداس يترأسه البطريرك بشارة بطرس الراعي في مكان الانفجار في الرابع من آب/أغسطس 2021 وسترفع الصلوات من مسيحيين ومسلمين وسيتكلم أهالي الضحايا ومن المتوقع ان يحضر الذكرى آلاف اللبنانيين ما عدا السياسيين المثيرين للجدل والذين لم تتم دعوتهم للمشاركة.
وسيلتقي الآلاف من ذوي الضحايا الذين يجمعهم جرح واحد "كتير صعب إحكي الناس اللي متلي والأصعب إني إحكي الصورة وما حدا يرد عليي”.
"عنا وقفة صلا كل يوم الساعة 6:08 منتذكر أحبتنا وهني باقيين معنا."
وفيما التحقيق جامد، تستمر المعاناة: "ببيتنا في صمت كتير وحده صوت دجو مللي البيت."
"قدرو يصير صورة عالحيط ونجمة بالسما تسهر علينا، بحبك يا ماما! بحبك لآخر دقة بقلبي، لا تنسوا ابني اسمو دجو عقيقي"


