التطرف الرقمي: كيف تختصر المنصات الإلكترونية طريق الاستقطاب إلى ساعات؟ الإجابة مع الخبير السيبراني محمد قاسم العطياني
في وقت تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، تتزايد المخاوف الأمنية في أستراليا ودول العالم من الدور الذي باتت تلعبه المنصات الرقمية في تسريع عمليات التطرف والاستقطاب، خصوصًا بين فئة الشباب. فبعد أن كانت الجماعات المتطرفة تحتاج إلى أشهر وربما سنوات للتأثير على الأفراد، تشير التقديرات الأمنية اليوم إلى أن بعض عمليات الاستقطاب قد تتم خلال أيام، أو حتى ساعات.
الخبير في الأمن السيبراني محمد قاسم العطياني أوضح أن البيئة الرقمية الحالية وفرت أدوات غير مسبوقة للوصول إلى المستخدمين، مستفيدًا من الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو القصيرة والخوارزميات الذكية التي تروج للمحتوى بناءً على اهتمامات الأفراد.
الخوارزميات تدفع نحو المزيد من المحتوى المشابه
يقول العطياني إن منصات مثل "تيك توك" وغيرها من تطبيقات الفيديو القصير قادرة على إيصال محتوى معين إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات قليلة، قبل أن تتمكن المنصات أو الجهات المختصة من التدخل لإزالته.
وأضاف أن الخوارزميات تعتمد على سلوك المستخدم، فإذا شاهد شخص محتوى سياسيًا أو دينيًا أو مرتبطًا بنظريات المؤامرة، فإن المنصة ستقترح عليه محتوى مشابهًا بشكل متزايد، ما قد يدفع بعض المستخدمين تدريجيًا نحو أفكار أكثر تشددًا أو تطرفًا.
أربع مراحل للاستقطاب الرقمي
بحسب العطياني، تمر عملية الاستقطاب الإلكتروني عادة بأربع مراحل رئيسية:
- تحديد الهدف: من خلال متابعة التعليقات والاهتمامات وردود الفعل على القضايا المختلفة.
- بناء الثقة: عبر التواصل الودي والمستمر، خاصة مع الشباب والأطفال من خلال الألعاب الإلكترونية أو غرف الدردشة.
- العزل التدريجي: من خلال التشكيك بالعائلة أو المدرسة أو وسائل الإعلام والمجتمع المحيط.
- التلقين الفكري: عبر تقديم أفكار متشددة أو متطرفة بشكل تدريجي حتى تصبح مقبولة لدى المتلقي.
ويؤكد العطياني أن الجماعات المتطرفة تستغل حاجة بعض الشباب إلى الانتماء أو البحث عن هوية أو إجابات لقضايا معينة، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثر.
الألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة بوابات محتملة للاستهداف
وحذر الخبير السيبراني من أن العديد من عمليات التواصل لا تتم عبر منشورات علنية، بل من خلال المحادثات الخاصة وغرف الدردشة المغلقة في الألعاب الإلكترونية أو تطبيقات التواصل المشفرة.
وأوضح أن الأطفال والشباب الذين يقضون ساعات طويلة في الألعاب المتصلة بالإنترنت قد يكونون عرضة للتواصل مع أشخاص مجهولين، ما يستدعي من الأهل معرفة طبيعة الألعاب التي يستخدمها أبناؤهم، والجهات أو المجموعات التي يتواصلون معها.
كيف تتابع الجهات الأمنية هذه الأنشطة؟
يشير العطياني إلى أن الحكومات وشركات التكنولوجيا تستخدم أدوات متقدمة لرصد المحتوى المتطرف وتحليل الحسابات الأكثر نشاطًا وتفاعلًا مع هذا النوع من المواد.
لكن التحدي الأكبر يظهر عندما تكون الأطراف المتورطة موزعة بين عدة دول، إذ قد يكون الشخص المستهدف في دولة، والشخص الذي يقوم بعملية الاستقطاب في دولة ثانية، بينما توجد الخوادم المستخدمة في دولة ثالثة، ما يجعل التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في مكافحة هذه الأنشطة.
مؤشرات قد تكشف التعرض للتطرف
ويرى العطياني أن هناك علامات رقمية وسلوكية قد تشير إلى تأثر شخص ما بخطاب متطرف، من بينها:
- الانضمام إلى مجموعات مغلقة ومشفرة بشكل متكرر.
- الاستخدام المكثف لأدوات إخفاء الهوية.
- التحول المفاجئ نحو متابعة محتوى متشدد.
- تبرير العنف أو إظهار عداء لفئات معينة من المجتمع.
- تبني خطاب المظلومية والشعور بأن المجتمع أو العالم يستهدفه.
ويشدد على أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود تطرف، لكنها تستدعي الانتباه والحوار والمتابعة.
دور الأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا
ويؤكد العطياني أن مواجهة التطرف الرقمي لا يمكن أن تعتمد على الحكومات وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين الأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا.
فالأهل مطالبون بمتابعة النشاط الرقمي لأبنائهم وفهم طبيعة المنصات التي يستخدمونها، فيما تواصل المدارس تطوير برامج التوعية الرقمية. أما شركات التكنولوجيا، فقد أصبحت تستثمر بشكل متزايد في أدوات الحماية واكتشاف المحتوى الضار قبل انتشاره.
سباق لا يتوقف
وعن الجهة الأكثر تقدمًا في هذا المجال، يصف العطياني المشهد بأنه "سباق مستمر" بين شركات التكنولوجيا والجماعات المتطرفة.
فبينما تمتلك الشركات موارد مالية وتقنية ضخمة لتطوير أنظمة الحماية، تواصل الجماعات المتطرفة البحث عن طرق جديدة للالتفاف على هذه الإجراءات واستغلال الثغرات الرقمية للوصول إلى المستخدمين.
ويخلص العطياني إلى أن المعركة ضد التطرف الرقمي أصبحت جزءًا من حرب سيبرانية مستمرة، تتطلب يقظة دائمة وتوعية مجتمعية متواصلة، خصوصًا مع تزايد اعتماد الأجيال الجديدة على الفضاء الرقمي في حياتها اليومية.




