لم تدع منى حسين النقاب يقف حاجزاً بينها وبين المجتمع الأسترالي باختلاف أطيافه وبادرت لكسر الصورة النمطية وما تسميه "الحواجز الوهمية" بين البشر.
وصلت المهاجرة المصرية منى حسين إلى أستراليا برفقة أبنائها الخمسة في عام 2014 لتلتحق بزوجها الذي كان قد سبق العائلة إلى سيدني قبل ذلك بعشر سنوات.
"أنا بطبعي أحب جميع الناس واجتماعية جداً لذا لم تكن فكرة الانعزال عن المجتمع واردة بالنسبة لي" بهذه الكلمات بدأت منى حديثها مع أس بي أس عربي24 عن قصة هجرتها واستقرارها وتمكنها من بناء جسور التواصل مع الأستراليين رغم حاجز اللغة الذي اعتاد المهاجرون الجدد الاصطدام به بمجرد وصولهم.
ولكن لحسن الحظ، كان أبناء منى من طلاب المدارس الأجنبية في القاهرة، وكانوا في البداية همزة وصل منى بمحيطها الجديد: "أول ما وصلت كانت اللهجة الأسترالية غريبة جداً بالنسبة لي ولكنني قلت لنفسي: السلام ليس له لغة ولذا كنت أبادر منذ اليوم بتحية جيراني بـ good morning وكنت أقولها باهتمام وحب."
لم يمر سوى بضعة أيام على وصول منى حتى سمع زوجها إحدى الجارات تنادي باسمها بطريقة أسترالية ليمازحها قائلاً : "انت لسا واصلة حالاً، عملت كده وتعرفت عليهم ازاي!"
يُقال بأن الطعام يحمل بين نكهاته نفحات من ثقافتنا وعاداتنا الشرقية التي يحتل فيها الكرم الحيز الأوسع. بمرور الأيام، بدأت علاقة منى بجارتها ذات الأصل اليوناني "جاكي" تصبح أقوى فأقوى وبالطبع الأكل المصري - مثل الكشري والفلافل والكلاج - لعب دوراً في هدم "الحواجز الوهمية" بين الجاليات الاثنية وعموم المجتمع الأسترالي.
قلت لها أنا طبخت أكل مصري اليوم، هل تحبين أن تتذوقينه؟
جارة منى التي تحولت فيما بعد إلى صديقة مقربة لها، كانت كبيرة في السن ولديها حفيدة في عمر 7 سنوات أي في عمر إحدى بنات منى وكانت العلاقة بينهما قوية لدرجة أن جاكي استأذنت منى بأن تطلق عليها ابنتها لقب nanny أو جدتي.
لم تكن منى تمانع أن تذهب ابنتها إلى بيت الجارة لتلعب مع حفيدتها ولكنها كانت قلقة من نسيان طفلتها لمواعيد الصلاة وتحدثت بالأمر بصراحة مع جاكي لتجيبها الأخيرة: "اكتبي لي مواعيد الصلاة على ورقة وسأقوم بتنبيهها، لا تقلقي."
حل شهر رمضان وظلت جاكي ملازمة لجارتها الجديدة، تسأل عنها وتعرض عليها المساعدة في البيت: "بيوتنا قريبة جداً من بعضها، كانت تنادي علي وتسألني اذا كنت عطشى أو جائعة. شعرت أن لدي بالفعل أهل وعزوة."
لماذا لا نثبت للآخرين أنا بشر جيدون وعشرتنا حلوة؟
انتقلت منى إلى بيت جديد مع زوجها وأطفالها، وفي معمعة المشاغل العائلية انقطع اتصالها بجارتها التي كانت صديقتها الأولى في أستراليا. التقت بها بعد سنوات صدفة في السوق ليتجسد مشهد لفت انتباه المارة في الشارع: "موقف اثر في كثيراً. هي (جاكي) كبيرة في السن وتستند على عصاة. عندما لمحتني رمت العصاة جانباً وحضتنتي وبدأت بالبكاء من قلبي وشعرت بلهفتها علي. الناس لا تفهم أحياناً أن كلنا واحد هنا."
وبنفس الطريقة وبنفس الروح المبادرة المحبة للآخر، تمكنت منى من بناء علاقة قوية مع جيرانها في الحي الجديد الذي انتقلت إليه ومنذ اليوم الأول.
عن تلك المرحلة استرجعت منى شريط الذكريات قائلة: "كنا ننقل العفش إلى البيت الجديد فألقيت السلام على جارتي الجديدة. وجدتها متحمسة لرؤيتنا وايجابية للغاية."
في عيد ميلاد منى، فوجئت بجارتها تقدم لها قالباً من الحلوى في مفاجأة سارة لم تكن متوقعة: "ذهبت إلى أحد محلات السمانة العربية لتبحث عن مكونات حلال لقالب الحلوى. قدرت هذه المبادرة كثيراً." وفي عيد الام، فوجئت منى بابن جارتها وزجته وقد جلبوا لها باقة من الورد تعبيراً عن حبهم لها.
سألنا منى عن الطريقة التي ربت بها أولادها فأجابت: "أول شيء عليهم أن يدركوه هو أننا في مجتمع متعدد الديانات. أنت ملتزم بنفسك وليس من حقك إطلاق الأحكام بحق الآخرين. حافظ على أستراليا ولا ترتكب المخالفات."
وفي الختام، دعت منى الجميع للتفكير في كبار السن في أستراليا والتبرع بجزء من وقتهم لمجرد "الاستماع لهم" وعدم إصدار الأحكام على الجيران دون التعامل معهم عن قرب: "كيف لك أن تصف جارك بالعنصري وأنت لم تتعامل معه قط؟!"
استمعوا إلى قصة منى حسين في الملف الصوتي المرفق بالصورة أعلاه.



