في غرف العناية المركزة، حيث يختلط صمت الأجهزة بأنفاس الأطفال الضعيفة، بنت ناديا بدوي فلسفتها الإنسانية العميقة. كانت ترى في كل طفلٍ يرقد أمامها حياة كاملة مهما قصرت، وتؤمن أن لحظات الحياة، وان دقائق معدودة تظلّ، ثمينة لا تُقدَّر بثمن. هي التي تقول كل يوم، "أريد أن أنقذ أطفالا، وأحّسن نوعية الأطفال. لا أركز انتباهي على الحزن والجرح العميق لدى خسارة الأطفال، بل على ما يمكن القيام به اليوم لتعزيز فرص أفضل للأطفال"، ماذا علمتها الحياة التي لا تعطي الفرصة نفسها لطفلين وُلدا في الزمان والمكان نفسيهما؟ وهي الأم لشابتين، لمن أهدت بروفيسور ناديا بدوي لحظة ترشيحها لأن تكون "أسترالية العام في ولاية نيوساوث ويلز" لعام 2026 بعد مسيرة حافلة من العطاء والأمل؟
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
إنها بروفيسور ناديا بدوي، استشارية طب الأطفال وحديثي الولادة والعناية المركزة للخدّج، وأحد أبرز الأصوات في أبحاث الشلل الدماغي عالميًا، والتي تمّ ترشيحها لجائزة "أسترالية العام" لمسيرة إنسانية وعلمية ملهمة امتدت عقودًا من العطاء والأمل. تقول بتواضع عميق:
رجائي أن يكون والداي، رحمهما الله، راضيين عمّا وصلتُ إليه
ولدت د. ناديا بدوي لأبٍ مصري وأمٍ إيرلندية في لندن خلال فترة دراسة والدها في جامعة لندن. وفي سن الخامسة، عادت العائلة إلى مصر، حيث ترعرعت في القاهرة وأكملت دراستها في كلية الطب بجامعة القاهرة. هناك بدأت رحلتها المهنية كطبيبة أطفال، قبل أن تنتقل مجددًا إلى أيرلندا للعمل والتدريب، وهناك أيضًا التقت بزوجها الأسترالي، لتبدأ معه محطة جديدة قادتها إلى أستراليا عام 1992.

في سيدني، تبلورت مسيرتها المهنية بدءًا من عام 2002، حين اتخذت مسارًا متخصصًا في طب حديثي الولادة، وتحديدًا في متابعة الأطفال الذين يعانون من الشلل الدماغي. واليوم، بعد 27 عامًا من العمل في مستشفى Westmead للأطفال، و35 عامًا من ممارسة طب الأطفال، تقرأ د. بدوي بالأرقام أثر التقدم الطبي الهائل الذي شهدته هذه السنوات. فمن نسبة وفيات وصلت إلى 20% لدى الخدّج عند بدء عملها في سيدني، باتت اليوم تشهد معدل نجاة يبلغ 96%، فيما انخفضت الوفيات إلى نحو 3% فقط. وتقول:
"بلغنا اليوم مرحلة أستطيع فيها أن أقول للأهل: نسبة الوفاة باتت ضئيلة جدًا، ونسبة الإعاقة والشلل الدماغي انخفضت بصورة كبيرة."
لكن السؤال بالنسبة لها لم يعد فقط إنقاذ حياة الأطفال، بل رفع جودة الحياة لمن يولدون بإصابات دماغية أو شلل دماغي. ومن هنا كرّست أبحاثها وجهودها لتعزيز وظائف الدماغ لدى هؤلاء الأطفال، بالعمل مع فريق متخصص يسعى إلى تحسين فرصهم في مستقبل أفضل. وهي تؤمن دومًا بأن:
"الحياة، وان لخمس دقائق، تظلّ حياةً ثمينة."
من هذا الإيمان، انطلقت رحلتها التي حوّلت الأرقام القاسية إلى مساراتٍ جديدة للرجاء؛ فخفّضت نسب الوفيات، وقلّصت الإعاقات، ورفعت جودة الرعاية لتصبح أستراليا اليوم إحدى أفضل دول العالم في طب حديثي الولادة. لم تكن ناديا تحارب الموت فحسب، بل كانت تخاطب قلوب الأمهات، وتواسي العائلات، وتذكّر فريقها دائمًا أنّ العلم مهما بلغ، يبقى أمام أسرار الحياة صغيرًا، وأن على الطبيب أن يظلّ إنسانًا قبل كل شيء. تقول:
أنا إنسانة قبل أن أكون طبيبة؛ وأدرك أن في الكون أشياء أكبر من فهمي
تعمل د. بدوي اليوم مع أطفال يعانون من الشلل الدماغي في 24 دولة، إدراكًا منها لحجم الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتحملها الأسرة، وخاصة الأم، في مجتمعات تفتقد غالبًا للمساواة والدعم الكافي. وتضيف بوضوح رسالي:
"وُلدتُ مصرية الأصل، وأشعر بمسؤولية تجاه مساعدة الأطفال في البلدان الفقيرة والبلدان العربية."
وبين الأمل والألم، تنظر د. بدوي إلى رحلة مهنية طويلة شهدت فيها معجزات صغيرة، وخسارات موجعة لأطفال لم تُكتب لهم الحياة. تقول في لحظات الوداع الصعبة:
"حين يوشك طفل في العناية أن يرحل، أراه كأنه شقيقي أو شقيقتي… ومن واجبنا أن نكون صادقين مع الأهل مهما كان الألم."
وتدرك حجم الزلزال الذي يصيب الأسرة حين يولد طفل بإعاقة دماغية، فتقول:
"إصابة طفل بشلل دماغي قد تُحدث زلزالًا في الأسرة؛ ونسبة الانفصال قد تصل إلى تسعين في المئة للأسف."
وهي أيضًا أم، لا تفصل بين العلم والقلب:
"لو حاولتُ الفصل بين الإنسان والطبيبة، أكون قد فقدت إنسانيتي. يجب أن أشعر بوجع الأم، كما أشعر بحبّي لبناتي."
وبعد مسيرة تمتد 35 عامًا في طب الأطفال و27 عامًا في مستشفى Westmead، نجحت د. بدوي في رفع معدل نجاة الخدّج من 80% إلى 96% وخفض الوفيات إلى 3% فقط، مع التركيز على تحسين نوعية حياة الأطفال المصابين بالشلل الدماغي حول العالم. وبرغم الخسارات المؤلمة، تختار د. بدوي كل يوم أن تغيّر حياة طفل آخر نحو الأفضل، وهو التفاني الذي أوصلها اليوم إلى ترشيحها لجائزة "أسترالية العام" 2026.
هي الأم لشابتين، لمن أهدت بروفيسور ناديا بدوي لحظة ترشيحها لأن تكون "أسترالية العام في ولاية نيوساوث ويلز" لعام 2026 بعد مسيرة حافلة من العطاء والأمل؟
الإجابة مع بروفسور ناديا البدوي في الملف الصوتيّ أعلاه.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
هل أعجبكم المقال؟ استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل و أندرويد وعلى SBS On Demand




