يُعتبر الملفان البطريرك اسطفان الدويهي من أبرز المؤرخين اللبنانيين في القرن 17، ولُقب بأبي التاريخ الماروني وعامود الكنيسة المارونيّة وذهبيّ الفم الثاني وعظيم الأمة المارونيّة ومجد لبنان والموارنة.
عاش البطريرك الدويهي حياة مفعمة بالعطاء والتفاني، وتميز بفكره الفلسفي وروحانيته العميقة وحبه للبسطاء. جمع خلال حياته تاريخ الإرث الماروني والليتورجيا المارونية وترك للكنيسة المارونية إرثا ذاخرا من الكتابات الروحية والفلسفية.
وبمناسبة تطويبه المصادف في ذكرى ميلاده في الثاني من آب/أغسطس 2024، استضافت اس بي اس عربي24، الإعلامي والشماس غسان نخول الذي خصّ الطوباوي بدراسة جامعية معمقة باللغة الإنجليزية، ستُنشر قريبا بصيغتها العربية في كتاب يحمل عنوان: "البطريرك الدويهي ولاهوت الثالوث في القداس الماروني".
وفي سؤال عن سبب اختيار شخصية الدويهي دون غيرها كموضوع للبحث والدراسة أجاب نخول: "البطريرك الدويهي هو من اختارني ولم أكن أنا من اختاره، الكبير يختار الصغير".
وسرد نخول الظروف المحيطة بولادة أواصر العلاقة الكتابية، الفكرية والروحية التي تكونت مع من كوّن صلب أطروحته واحتل جزءا واسعا في قلبه:
منذ سبعة عشرة عاما، في الثلاثين من نيسان/ أبريل عام 2007، أي قبل أن يصبح البطريرك الدويهي مكرما، طلب مني الراحل سركيس المقسيسي وهو صديق عزيز من الجالية الزغرتاوية، عرفناه بنشاطه واندفاعه، طلب مني أن أتحدث عن كتابات البطريرك وألقي الضوء على الإرث الذي تركه في الكنيسة المارونية، لم أكن قد سمعت بالطريرك أو عرفت عنه من قبل (..) وحين بدأت البحث، تفاجأت بهذا الكنز الذي يعود لمئات السنين، ولم نكن اكتشفنا أغواره الروحية بعد ولا البعد الإنساني له في الكنيسة
وكان البابا بينيديكتوس السادس عشر، هو من أذن لمجمع قضايا القديسين بصياغة مرسوم حول فضائل البطريرك الدويهي كخطوة أولى في مسيرة التطويب.
"أعلن البطريرك الدويهي مكرما في الثالث من تموز/ يوليو 2008 أي بعد سنة وثلاثة أشهر من بدء مشواري معه".
والبابا فرنسيس هو من وافق في الرابع عشر من إذار/مارس 2024 على إعلان البطريرك الماروني المكرَّم إسطفان الدويهي طوباوياً جديداً من لبنان.

Journalist - Deacon Ghassan Nakhoul presents his beatitude patriarch Rai with a copy of his book about beatified Patriarch Estefan Douweihi
واستهوت كتابات البطريرك الدويهي وثقافته قلب نخول وفكره: "أعجبتني سيرته وأحببت الكتابات التي تركها، أيقنت أنه رجل عظيم على الصعيدين الكنسي والإنساني، ذهلت بالأبعاد الفلسفية التي تمتع بها".
درس البطريرك الدويهي في روما لمدة أربعة عشر عامًا، من عام 1641 إلى عام 1655 وعندما عاد إلى لبنان في سن الخامسة والعشرين، تابع بحثه على أوسع نطاق ممكن عن مخطوطات تتناول تاريخ الموارنة والليتورجيا.
لذا يعرف عن الدويهي ان له الفضل في جمع الإرث الليتورجي للطقس الماروني، وهو من استبق ما تمخض عنه المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1960 من التشجيع للعودة الى الجذور وتسليط الضوء على ضرورة المحافظة على التراث والتقاليد وما يميز كل واحدة من الكنائس التابعة للكنيسة الكاثوليكية والحث على ممارسة الطقوس والشعائرالدينية بحسب العادات والتقاليد التي ينتمي اليها المؤمنون:
حمى الكنيسة مما أسماه ب"الليّتنة" نسبة للاتين، أي النزعة لصبغ كل ما هو كاثوليكي باللون اللاتيني، لقد أصلح البطريرك الليتورجيا وأعاد صياغة الصلوات في القداس بحسب الطقس الماروني، أي أنه أعاد الطابع السرياني الإنطاكي والمشرقي للطقس الماروني لأن هذا هو أصلنا
ويعد البطريرك إسطفان الدويهي من كبار البطاركة الموارنة، وقد ترك أثرا كبيرا في المحافظة على الإرث الروحي للموارنة وتاريخهم.
ومن بين كتابات البطريرك الدويهي الغزيرة: تاريخ الأزمنة، تاريخ الطائفة المارونيّة، بداءات البابويّة، سلسلة بطاركة الطائفة المارونيّة، سيرة حياة تلاميذ المدرسة المارونيّة وغيرها.
يسلط البطريرك الضوء في كتاباته على البعد التاريخي للطائفة المارونية، اهتم كثيرا بالبعد الإنساني، فكره فلسفي بامتياز، فهو من وزن القديس أوغسطينوس والقديس توما الأكويني والقديس يوحنا ذهبي الفم، ناقش أفكارهم، وتعمق في تحفته الأدبية والروحية "منارة الأقداس" ليضع مدرسته اللاهوتية المبنية على بساطة الليتورجيا
وأشار نخول الى أن الهدف يتمثل في تبسيط الثقافة اللاهوتية: "ليفهم الناس انهم قادرون على التفاعل مع الله الثالوث كما كُشف عنه للمسيحيين، فيعرفوا الله الآب والابن والروح القدس بحسب ما يؤمن به المسيحيون حتى ولو لم تتثنى لهم فرصة التعليم".
تميزت حياة البطريرك بعيش الفضائل والكثير من العطاء، أما عن ما يميزه بين القديسين قال نخول: "البطريك الدويهي يجمع ما بين العلم والزهد، المسؤولية الكبيرة ورعاية أبسط البسطاء في آن معا، الفكر والفلسفة وعلم اللاهوت من جهة والاتضاع من جهة أخرى لدرجة أن الله صنع على يده عدة أعاجيب وهو لا يزال حيا".
اقرأ المزيد

وفاة البطريرك صفير عن عمر يناهز الـ 99 عاما
وأضاف نخول: "الطوباوي الجديد وعلى غرار سائر القديسين لا يميز ما بين الأديان والطوائف، فقد أحب الجميع وخدم وتفاعل مع جميع أبناء وطنه بغض النظر عن الدين أو الطائفة التي ينتمون اليها".
وقال نخول أنه يكتشف ويغرف المزيد من إرث وفكر البطريرك الدويهي الثري يوما بعد يوم، واصفا إياه ب"الكنز الثمين غير المكتشف بالكامل" كما أشار الى أن للطوباوي الجديد من الأهمية ما يضعه في مرتبة رفيعة من القداسة وفي مصاف كبار البطاركة الموارنة.
وبناء على هذا الكنز الذاخر بالثقافة الروحية والفلسفة، وضع نخول أطروحته عن البطريرك الدويهي في جامعة Notre Dame في سيدني ونشرها باللغة الإنجليزية بهدف الكشف عن القليل من غنى فكر الدويهي الذي وصفه ب "محيط من المعرفة".

Journalist - Deacon Ghassan Nakhoul presents his beatitude patriarch Rai with a copy of his book about beatified Patriarch Estefan Douweihi
هذا وكان لوطن الأرز أن ينعم بأجواء الفرح والبهجة والفخر والإعتزاز بالحدث الجديد في ظل ما يمر به من أزمات وضيقة، فسألنا نخول لماذا يفرح المؤمنون لتطويب قديسين جدد فقال:
القديس يتجاوز حدود المنطق ولا تحده حواجز بشرية، القديس لا يفرّق بين الناس، بل يساعد كل من يسأله العون، فمار شربل على سبيل المثال يشفع بكل زائريه من أي بلد كانوا وبغض النظر عن الدين أو العرق الذي ينتمون اليه، كل انسان هو ابن وابنة الله
وطرح السؤال عن دور القديسين في حياة المؤمنين والكنيسة، فأجاب نخول: "الإقتداء، دور القديسين أن نقتدي بمثالهم ونعيش حياة صالحة على غرارهم، نحن لا نعبدهم بل نطلب شفاعتهم تماما كما نفعل حينما نطلب من صديق الدعاء والصلاة معنا ، نحن نسعى للتشبه بالقديس، كيف عاش حياته برضى الله والقرب منه".
هذا وستقام في لبنان مراسم تطويب البطريرك اسطفان الدويهي، في ذكرى ميلاده، أي في الثاني من أغسطس/ آب، في الصرح البطريركي في بكركي، وسيحتفل بقداس الشكر في اليوم التالي الموافق في الثالث من أغسطس/ آب في مسقط رأسه في إهدن.
كما وستحتفل رعية سيدة لبنان في سيدني بقداس الشكر للطوباوي الجديد، مساء الجمعة في الثاني من آب/ أغسطس عند السادسة مساء. كما وستحتفل جميع الكنائس المارونية بقداديس الشكر للطوباوي الجديد في لبنان وأستراليا والعالم.
وفي وقت يمر به الشرق الأوسط والعالم بمضايق عديدة، أتى هذا الخبر من وطن الأرز لبنان سبب فرح وإعتزاز بِهذا الوطن الصغير حجماً والكبير قداسة، وعلامة على الرجاء الذي تعطيه السماء بتطويب البطريرك الدويهي في وسط زمن التحديات الأخلاقية والمعيشية والسياسية التي لم يسبق لها مثيل، عله يكون بادرة خير وسلام.


