ولدت السيدة جوزات سليمان في بلدة مزيارة شمالي لبنان، لعائلة كبيرة مكونة من تسع بنات وأربعة شباب، رزقت بالعديد من الأحفاد.
كان بيتنا صغيرا وكثير الجمال، نشعر بالكثير من الحنين له، بيت العائلة هو البيت دائم الجمال
هاجرت جوزيت من لبنان الى أستراليا عام 1973، وهي في السابعة عشرة من العمر، برفقة عائلة مهاجرة من نفس البلدة كان لها أولاد من نفس الفئة العمرية.
هنا تزوجت بابن عمها كما كان مقررا قبل السفر مع بركة العائلة والأهل، بعد عشرة أيام من مكوثها في بيت خالها الذي استقبلها وأيضا أختها التي كانت هاجرت قبلها.

شعرت بالفرح إزاء هجرتي، شعرت أنها رحلة اكتشاف واستجمام ولكن عند وصولي الى هنا وجدت كل شيء جديدا والحياة مختلفة
وفي بداية الإستقرار في المجتمع الجديد، واجهت جوزيت تحديات جمّة أبرزها الحاجز اللغوي: "كنت أحب الدرس والإضطلاع، درست الفرنسية في لبنان وكنت أهوى اللغات، تعلمت الانجليزية من خلال مشاهدة التلفاز والمحادثة مع أولاد الجيران من أبناء جيلي"
كان الرفاق يعلموني ويشجعوني على قراءة الجريدة، كنت أحاول بناء على ثقافتي الفرنسية وهم يقومون بمساعدتي في تصليح الكلمات ولفظ العبارات
ولفتت جوزيت النظر الى أن دروس اللغة الانجليزية كانت متاحة ومتوفرة للمهاجرين وكانت الحكومات تغطي كلفة عدد منها وهذا ما زال مستمرا الى زمننا الحاضر، الا أنها لم تكن على إدراك بتلك الخدمات ولم يضطلعها أحد على هذه الفرص:
حزنت لما أدرك أنه كان يحق لي بدروس مجانية لتعلم الإنجليزية، لكنت استفدت منها لو عرفت بها، لم يكن هناك توعية بها
وأضافت جوزيت: "الهمّ الأساسي تمحور حول إنشاء عائلة كانوا يقولون اذهبوا واشتغلوا وأسسوا عائلات".
وعادت جوزيت بالذاكرة الى يوم عرسها، والى الكنيسة التي تشكل الطابق السفلي الآن في كاتدرائية سيدة لبنان، ووصفت يوم عرسها بالمتواضع: "طلعت كعروس من بيت خالي، اختصر الحضور على العائلة وبعض الأقارب من أبناء البلدة".

Josette and Assaad sleiman with some of their family members
الناس أنسوني غربتي، من بينهم جارة حنونة أنا ممتنة لها وأدعو لها حتى هذا اليوم
وقد حفظت جوزيت معروف جارتها التي كانت تسكن على بعد شارعين فقط منها، والتي كانت أم لعشرة أولاد، وهي تتذكر كيف علمتها الطبخ وأرشدتها ورافقتها الى بيتها وكيف كانت جوزيت تقضي معظم أوقاتها برفقة العائلة.
كان لها عشرة أبناء وأنا أتيت من عائلة كبيرة، الأجواء كانت تشبه البيت الذي تربيت فيه، كنت أحب العجقة ونفحة الحياة في بيتها المفتوح دائما
وتحدثت جوزيت عن التواصل ما بين المغتربين والمقيمين في لبنان في تلك الأيام: "كنا نكتب رسالة وننتظر شهر أو اثنين لنلقى الرد، وعندما نستلم رسالة الرد كنا نبكي عند قراءتها".
وأخبرت: "عندما كنت صبية في لبنان، جاء أحد الجيران برسالة وصلته الى من أستراليا، جاء الى أبي ليقرأها له لأنه لم يكن يجيد القراءة، وكان النص كالتالي: لا أحد يرى أحدا إلا يوم الأحد".
وأضافت جوزيت: "الكل كان يعمل ساعات طويلة وعندما أتيت الى أستراليا أدركت صحة الكلام في الرسالة".
وقامت جوزيت في سنة ال1978 بهجرة عكسية إثر وفاة حماها، بحيث ان الزوج شاء العودة لتفقد عائلته المؤلفة أيضا من عشرة أولاد.
وأشارت جوزيت الى ان غالبية المهاجرين انخرطت في القوى العاملة في تلك الآونة :"لو كنت لأعمل هنا لما كنت لأجد أحدا ليرعى أطفالي، لم تكن دور رعاية الأطفال شائعة آنذاك"

Josette and Assaad sleiman with some of their family members
وهكذا اضطرت للمغادرة دون ولديها البالغين من العمر سنة ونصف وأربع سنوات، وقد رزقت جوزيت مع زوجها بطفلها الثالث لاحقا.
وعندما تمكن الزوجان من تأمين الأساسيات، عادا الى لبنان ليجتمع شمل العائلة.
أصعب ما ممرت به، لا أنصح أحد أبدا بالابتعاد عن أولاده ولكن الظروف تحكم الإنسان أحيانا
وقالت جوزيت: "أدرك أن الحياة صعبة وأن دوام العمل في أستراليا طويل جدا، ولكن افعلوا ما بوسعكم وامضوا رقتا كاقيا مع أطفالكم"
وشددت جوزيت على ضرورة الإجتماع على المائدة كعائلة: "حاولي أن تكوني حاضرة لتجمعي عائلتك على مائدة الغداء أو العشاء".
وشجعت جوزيت على التواصل الشخصي كما أيام زمان، كما حثت الجد والجدة على الإهتمام بأولادهم الكبار وأيضا بأحفادهم الصغار لأن ذلك يمنح الأبناء العاملين خارج المنزل راحة نفسية، خاصة اذا ما تمكن الجدان من مد يد المساعدة في رعاية الأطفال أو الإعتناء بهم.
اقرأ المزيد

قصة نجاح: تحقيق الحلم المغربي في أستراليا
وبعد أن أمضت جوزيت وعائلتها أربعة عشرة عاما في لبنان، عادت لتستقر في أستراليا عام 1991 وهي تقول: "هذه المرة لم تكن هجرتي غربة، لأن عائلتي معي، الجميع يسكنون معي في البيت وارى أحفادي وأولادي كل يوم هذا يعني لي كل شيء".




