أثارت قضايا الأستراليين الذين سافروا إلى مناطق النزاع في سوريا والعراق خلال السنوات الماضية نقاشًا واسعًا داخل أستراليا، خصوصًا مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن القومي، وعودة بعض الأشخاص من مناطق كانت خاضعة لسيطرة تنظيمات مصنفة إرهابية مثل تنظيم داعش. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول كيفية تعامل القانون الأسترالي مع هذه القضايا، وما هي المعايير القانونية التي يعتمدها في توصيف الأفعال المرتبطة بالسفر أو الانخراط في نشاطات إرهابية خارج البلاد. في حلقة من برنامج “أنت والقانون”، تحدث المحامي هاشم الحسيني عن الإطار القانوني العام لهذه القضايا، مع التأكيد على عدم تناول أي قضايا منظورة حاليًا أمام القضاء الأسترالي.
هذه المعلومات ذات طبيعة عامة ولا يمكن اعتبارها نصيحة قانونية. نظراً لأن الظروف الفردية قد تختلف من شخص لآخر، يجب عليكم استشارة خبير مستقل إذا لزم الأمر
ما المقصود بـ”المناطق المعلن عنها”؟
أوضح المحامي هاشم الحسيني أن القانون الأسترالي لا يستخدم مصطلح “مناطق النزاع” بشكل مباشر، بل يعتمد مفهومًا قانونيًا محددًا يُعرف باسم “المناطق المعلن عنها” (Declared Areas).
ويستند هذا المفهوم إلى قانون العقوبات الفدرالي الأسترالي، حيث يملك وزير الخارجية صلاحية إعلان منطقة معينة كـ”منطقة معلن عنها” إذا اقتنع بوجود منظمة إرهابية مدرجة تمارس فيها نشاطًا عدائيًا، سواء كان نزاعًا مسلحًا أو أعمالًا إرهابية ذات أهداف سياسية أو أيديولوجية أو دينية.
وأشار الحسيني إلى أن هذه القضايا تُدار حصريًا بموجب القانون الفدرالي، وليس قوانين الولايات، لأن مسائل الإرهاب والأمن القومي تقع ضمن اختصاص الحكومة الفدرالية.
هل مجرد السفر إلى هذه المناطق يُعد جريمة؟
بحسب القانون الأسترالي، فإن مجرد دخول شخص إلى “منطقة معلن عنها” قد يشكل جريمة جنائية بحد ذاته، حتى دون إثبات مشاركته في أعمال إرهابية.
وأوضح الحسيني أن العقوبة قد تصل إلى السجن لمدة عشر سنوات، ما لم يكن لدى الشخص مبرر قانوني معترف به، مثل:
- العمل الصحافي
- تقديم المساعدات الإنسانية
- العمل الطبي أو الإغاثي
- الانتماء إلى منظمات دولية معترف بها
ويعتمد القانون هنا على مبدأ “المسؤولية المطلقة” في بعض الحالات، أي أن وجود الشخص في المنطقة المعلنة قد يكون كافيًا لقيام المسؤولية الجنائية.
الفرق بين التحذير من السفر و”المنطقة المعلن عنها”
لفت الحسيني إلى وجود فرق مهم بين تحذيرات وزارة الخارجية من السفر إلى بعض الدول أو المناطق، وبين إعلان منطقة ما رسميًا كـ”منطقة معلن عنها”.
فقد تصدر الحكومة تحذيرات بسبب عدم الاستقرار الأمني أو السياسي، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن المنطقة مشمولة ضمن التشريعات الخاصة بالإرهاب. إذ يتطلب الأمر إعلانًا رسميًا منشورًا وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
كيف تُجمع الأدلة من مناطق النزاع؟
من أبرز التحديات التي تواجه السلطات الأسترالية مسألة جمع الأدلة من مناطق خارجة عن سيطرة الدول أو تشهد نزاعات مسلحة.
وأوضح الحسيني أن السلطات تعتمد على عدة مصادر، من بينها:
- بيانات السفر وحركة الجوازات
- معلومات أجهزة الاستخبارات
- التعاون الأمني الدولي
- النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي
- المراقبة الإلكترونية والاتصالات
وأشار إلى أن بعض الانتقادات الحقوقية تتركز حول نقل عبء الإثبات عمليًا إلى المتهم، بدلًا من التزام الادعاء بإثبات التهمة بما لا يدع مجالًا للشك، وهو مبدأ أساسي في الأنظمة الجنائية الحديثة.
سحب الجنسية في القضايا المرتبطة بالإرهاب
في أي حالات يسمح القانون الأسترالي بسحب الجنسية؟
يسمح القانون الأسترالي، ضمن أحكام مرتبطة بالأمن القومي، بسحب الجنسية الأسترالية في حالات محددة تتعلق بالإرهاب أو الانخراط في نشاطات معادية للدولة. وينظم ذلك بشكل أساسي قانون الجنسية الأسترالية لعام 2007 على المستوى الفدرالي.
ومن أبرز المواد المرتبطة بهذا الملف القسم 35 من القانون، الذي يتناول الحالات المتعلقة بالخدمة في القوات المسلحة لدولة معادية أو ضمن منظمة إرهابية مصنفة. ويمنح هذا النص القانوني الدولة صلاحية إنهاء جنسية شخص بسبب انخراطه في جماعات إرهابية أو مشاركته في أعمال تهدد الأمن القومي الأسترالي.
ما الفرق بين إسقاط الجنسية وسحبها؟
يوجد فرق قانوني واضح بين المفهومين:
- إسقاط الجنسية (Renunciation):هو إجراء طوعي يقوم به المواطن نفسه للتخلي رسميًا عن جنسيته الأسترالية، وغالبًا ما ينطبق على مزدوجي الجنسية.
- سحب الجنسية (Revocation أو Cessation):هو إجراء غير طوعي تتخذه الحكومة أو السلطات المختصة بحق شخص ترى أنه خالف شروطًا تتعلق بالأمن القومي أو الإرهاب.
ويؤكد القانون الأسترالي أن سحب الجنسية لا يمكن أن يطبق على شخص يحمل الجنسية الأسترالية فقط، لأن ذلك سيجعله عديم الجنسية، وهو أمر يتعارض مع التزامات أستراليا الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
القيود الدستورية على سحب الجنسية
شهد هذا الملف تحولًا قانونيًا مهمًا بعد قرار المحكمة العليا الأسترالية في قضية “ألكسندر ضد وزير الشؤون الداخلية” عام 2022.
فقد اعتبرت المحكمة أن بعض الصلاحيات التي كانت ممنوحة لوزير الداخلية لسحب الجنسية بشكل مباشر تُعد غير دستورية، لأن هذه الإجراءات تحمل طابعًا “عقابيًا”، بينما يمنح الدستور الأسترالي السلطة الحصرية في فرض العقوبات الجنائية للمحاكم، وليس للسلطة التنفيذية.
وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن أي إجراء يؤدي فعليًا إلى معاقبة شخص عبر سحب جنسيته يجب أن يتم ضمن إطار قضائي، وليس بقرار إداري منفرد من الوزير.
التوافق مع حقوق الإنسان
لا تزال قوانين سحب الجنسية في أستراليا محل نقاش واسع بين الجهات الأمنية والمنظمات الحقوقية.
فالمؤيدون يعتبرونها أداة ضرورية لحماية الأمن القومي ومنع التهديدات الإرهابية، بينما ترى منظمات حقوقية دولية أن هذه الإجراءات قد تنتهك حقوقًا أساسية، من بينها:
- الحق في الجنسية
- الحماية من الحرمان التعسفي من الجنسية
- منع تحويل الأشخاص إلى عديمي الجنسية
- الحق في العودة إلى الوطن
كما تعرضت بعض السياسات الأسترالية المتعلقة بمكافحة الإرهاب لانتقادات من منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ولجان حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي اعتبرت أن بعض التدابير قد تتجاوز الحدود المقبولة في إطار القانون الدولي.
ويشير الواقع القانوني الحالي في أستراليا إلى أن أي تشريع جديد يتعلق بسحب الجنسية يحتاج إلى ضمانات قضائية واضحة حتى يكون متوافقًا مع الدستور الأسترالي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
التوازن بين الأمن والحقوق
يبقى التحدي الأساسي أمام السلطات الأسترالية هو تحقيق التوازن بين حماية الأمن القومي والحفاظ على المبادئ القانونية وحقوق الإنسان، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالإرهاب والنزاعات المسلحة العابرة للحدود.
وفي ظل استمرار النزاعات الدولية وتعقّد الملفات المرتبطة بالمقاتلين الأجانب والعائدين من مناطق النزاع، من المتوقع أن تبقى هذه القضايا محل نقاش قانوني وسياسي واسع داخل أستراليا خلال السنوات المقبلة.
استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.وعلى القناة 304 التلفزيونية.
أكملوا الحوار عبر حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.





