
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.

Arial view of Home Island, in Cocos (Keeling) Islands, Thursday, November 9, 2023. (AAP Image/Bianca De Marchi) NO ARCHIVING Credit: BIANCA DE MARCHI/AAPIMAGE

لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.
spk_0
في أقصى المحيط الهندي، بعيدًا عن صخب المدن الأسترالية الكبرى، تقع مجموعة جزر قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها خارج أستراليا تمامًا، لكن المفارقة أن هذه الجزر هي أسترالية بالكامل.
spk_0
حلقة جديدة من مشوار، معي أنا ريان برهوم، إلى جزر كوكوس كيلينغ.
spk_0
على مسافة تزيد عن 2700 كيلومتر شمال غرب مدينة بيرث، تقع جزر كوكوس كيلينغ، واحدة من أبعد النقاط التابعة لأستراليا، وأكثرها عزلة، وأقلها حضورًا في الصورة الذهنية التي نعرفها عن هذا البلد. لكن المفارقة تبدأ من هنا، رغم هذا البعد الجغرافي الكبير، أنت لم تغادر أستراليا. هذه الجزر هي إقليم
spk_0
أسترالي خارجي رسمي، تخضع لسيادة الحكومة الأسترالية، وتُطبَّق فيها القوانين الأسترالية، وتُدار شؤونها من خلال ترتيبات حكومية تشمل مجلسًا محليًا منتخبًا، وخدمات تقدّمها الدولة، ووجودًا للشرطة الفيدرالية. بمعنى واضح: أنت داخل أستراليا قانونيًا وسياديًا، لكن التجربة التي تعيشها
spk_0
هنا لا تشبه أي مكان آخر فيها. الرحلة تبدأ من بيرث، برحلة جوية تستغرق نحو أربع ساعات ونصف، واللافت أن الرحلة تنطلق من مبنى الرحلات الدولية، لكنها تُعامل كرحلة داخلية. ومع اقتراب الطائرة من الهبوط، تبدأ الصورة بالتشكّل. حلقة مرجانية ضخمة تحيط ببحيرة داخلية هادئة، مياه فيروزية شفافة، وجزر
spk_0
صغيرة متناثرة وسط المحيط. هذه ليست جزيرة واحدة، بل أرخبيل مكوَّن من جزر مرجانية، لكن الحياة تتركّز فعليًا في جزيرتين: ويست آيلاند حيث المطار ومعظم الخدمات، وهوم آيلاند حيث يعيش المجتمع المحلي. وهنا تبدأ الحكاية التي لا تشبه غيرها، لكن قبل ذلك لا بد من التوقف عند التاريخ.
spk_0
في أوائل القرن التاسع عشر، كانت هذه الجزر شبه خالية من السكان، إلى أن وصل إليها المستكشفون والتجار الأوروبيون، وكان أبرزهم الاسكتلندي جون كلونيز-روس، الذي استقر في الجزر في عشرينيات القرن التاسع عشر. معه بدأت مرحلة جديدة، إذ جلب عمالًا من مناطق جنوب شرق آسيا، خصوصًا من ماليزيا وإندونيسيا، للعمل في زراعة جوز الهند،
spk_0
التي أصبحت النشاط الاقتصادي الرئيسي في الجزر. ومع مرور الوقت، تحولت الجزر إلى ما يشبه ملكية خاصة تديرها عائلة كلونيز-روس. لم تكن مستعمرة تقليدية ولا دولة مستقلة، بل نظامًا فريدًا، حيث سيطرت العائلة على الأرض والاقتصاد والحياة اليومية للسكان، واستمر هذا الوضع لأكثر من 150 عامًا.
spk_0
تغيّر كل شيء. انتقلت السيادة رسميًا إلى أستراليا لتصبح الجزر إقليمًا أستراليًا خارجيًا. لكن التحول الأكبر جاء لاحقًا في عام 1984، عندما أُجري استفتاء بإشراف الأمم المتحدة، اختار فيه السكان الاندماج الكامل مع أستراليا. هذا القرار لم يكن بسيطًا،
spk_0
بل كان انتقالًا من نظام شبه إقطاعي إلى نظام ديمقراطي حديث، حيث أصبح السكان جزءًا من الدولة الأسترالية، مع حقوق سياسية وتمثيل ضمن النظام الفيدرالي. اليوم تُدار الجزر من خلال مجلس محلي منتخب يُعرف باسم شاير أوف كوكوس كيلينغ آيلاندز، يضم عددًا محدودًا من الأعضاء نظرًا لصغر عدد السكان.
spk_0
وفي الوقت نفسه، تتولى الحكومة الأسترالية تقديم الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، بينما تُطبَّق العديد من القوانين عبر ترتيبات إدارية مرتبطة بولاية غرب أستراليا. كما أن إنفاذ القانون يتم من خلال الشرطة الفيدرالية الأسترالية، ما يعكس بشكل واضح أن الجزر جزء من النظام الرسمي للدولة. لكن رغم كل هذا الإطار القانوني، الحياة هنا تُحكى بطريقة مختلفة.
spk_0
في هوم آيلاند، يعيش مجتمع يُعرف باسم كوكوس ملايو، وهو المجتمع الذي يشكّل الغالبية السكانية في الجزر. عدد السكان الإجمالي يتراوح بين 6 و700 شخص فقط، ما يجعلها واحدة من أصغر المجتمعات في أستراليا. لكن ما يميّز هذا المجتمع ليس حجمه، بل هويته. أولًا من حيث الدين، تشير بيانات التعداد الأسترالي
spk_0
إلى أن الإسلام هو الدين الأكبر في الجزر، حيث يشكّل غالبية السكان. ثانيًا من حيث اللغة، اللغة اليومية هي الملايوية إلى جانب الإنجليزية، وثالثًا من حيث نمط الحياة: مجتمع صغير مترابط، يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتتحرك الحياة فيه بوتيرة هادئة جدًا. في هذه الجزيرة ستجد مسجدًا في
spk_0
قلب المجتمع، تسمع الأذان، وتشاهد تفاصيل ثقافية لا ترتبط عادة بالصورة النمطية لأستراليا. وهنا تحديدًا تظهر المفارقة بوضوح: أنت في أرض أسترالية، لكن في بيئة ثقافية مختلفة تمامًا، أقرب في بعض جوانبها إلى مجتمعات جنوب شرق آسيا. أما على الجانب السياحي، فالتجربة هنا قائمة على
spk_0
فكرة واحدة: البساطة. في ويست آيلاند، الطبيعة هي العنصر الأساسي. واحدة من أبرز التجارب هي زيارة دايركشن آيلاند، وهي جزيرة صغيرة غير مأهولة تُعد من أفضل مواقع الغوص في أستراليا. المياه هنا شديدة الصفاء، والشعاب المرجانية ما زالت في حالة طبيعية شبه كاملة، ما يمنح تجربة نادرة لعشاق البحر.
spk_0
وإلى جانب الغوص، هناك أنشطة أخرى: ركوب الدراجات عبر طرق تحيطها أشجار جوز الهند، الصيد في المياه المفتوحة، التجديف، أو حتى قضاء يوم كامل على شاطئ شبه خالٍ. لا توجد منتجعات فاخرة ضخمة، ولا سياحة جماعية، ولا ازدحام، وهذا بالضبط ما يجعل المكان متميزًا. في المقابل، زيارة هوم آيلاند تضيف بعدًا مختلفًا. هنا لا تأتي فقط
spk_0
لترى، بل لتفهم. يمكنك التجول في الأزقة، ملاحظة تفاصيل الحياة اليومية، الاستماع إلى اللغة، وربما الحديث مع السكان المحليين، الذين يعيشون حياة بسيطة لكنها مترابطة بشكل لافت. الوصول إلى الجزر ليس سهلًا، وهذا جزء من هويتها. الرحلات الجوية محدودة، عادة مرتين أسبوعيًا من بيرث، وهذا يعني أن التخطيط المسبق ضروري، كما أن التكاليف
spk_0
أعلى من معظم الوجهات داخل أستراليا، سواء من حيث الطيران أو الإقامة، لكن في المقابل تحصل على تجربة مختلفة تمامًا عن السياحة التقليدية. لذلك يُنصح عادة بقضاء ما بين 4 إلى 6 أيام في الجزر للاستمتاع بها بهدوء. أما أفضل وقت للزيارة فيكون بين نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر، عندما تكون الرياح أقل والطقس أكثر استقرارًا.
spk_0
لكن ربما أهم ما تقدمه كوكوس كيلينغ ليس الشواطئ ولا المياه ولا حتى العزلة، بل هذا التناقض الذي لا يمكن تجاهله. أنت في أستراليا، لكنك تشعر أنك خارجها، في مكان تحكمه القوانين نفسها، لكن تحكمه أيضًا ثقافة مختلفة وإيقاع حياة آخر. وهنا يصبح المشوار أكثر من مجرد رحلة، ليس فقط انتقالًا من مدينة
spk_0
إلى جزيرة، بل انتقالًا من فكرة عن أستراليا إلى فهم أوسع لها. وفي نهاية الرحلة، قد لا يكون أكثر ما يبقى في الذاكرة هو لون الماء أو هدوء الشاطئ، بل ذلك الشعور بأنك اكتشفت وجهًا آخر لبلد تعتقد أنك تعرفه… لتدرك في لحظة هدوء أنك كنت في أستراليا، لكنك لم تكن في أستراليا التي تعرفها.