في عام 2014، بدأت فكرة إنشاء مسجد صغير في بنديجو، لكن الأحداث اللاحقة لإنشائه تصاعدت على خلاف ما توقع سكان بنديجو المدينة الواقعة وسط ولاية فيكتوريا.
أس بي أس عربي تواجدت في المركز الإسلامي المجتمعي، والتقت القائمين والداعمين له من داخل المدينة وخارجها، حيث ضربوا أنموذجًا فريدًا يعكس التضامن في المجتمع الأسترالي الكبير.
الدكتور أيمن شحنة طبيب الأسنان المقيم في ملبورن والناشط المجتمعي الذي هاجر منذ بداية التسعينيات إلى استراليا، هو من حمل شعلة هذا المشروع منذ البداية، إثر زيارة أحد الأطباء لعيادته في ملبورن.
يوضح الدكتور شحنة: "أنه في أحد الأيام، زاره في عيادته طبيب جراح يدعى الدكتور يحي حبَّال مع صديق له، يطلبان مشورته كناشط مجتمعي، يمتلك علاقات متينة في الجالية، وطُلب منه السعي لبناء مسجد صغير في بنديجو لخدمة الجالية الصغيرة المسلمة، إذ كان الدكتور حبّال عائدًا لتوه من مهمة عمل هناك، واستشعر حاجة المسلمين للمسجد".

اندهش الدكتور شحنة من الطلب، كونه لا يعرف بنديجو، لكنه اقتنع بالفكرة، وبدأ التواصل مع أبناء المجتمع في ولاية فيكتوريا لبناء مسجد صغير على أرض بمساحة 2000 متر، لكن أحد المتبرعين طلب تكبير مساحة الأرض تحسبًا لزيادة أبناء الجالية مستقبلًا دون التأثير على القاطنين جوار المسجد".

ومع بدء عمليات الشراء والتسجيل، تناهى الأمر لدى بعض الأشخاص المعارضين لبناء هذا المسجد في المدينة، ليبدأ السجال.
وتصاعد الجدل حول إقامة المسجد من عدمه، ليشكل هذا الموضوع صخبًا بين أبناء بنديجو نفسها الذين اندهشوا من دخول معارضين إلى مدينتهم ما أشعرهم بالخوف على حياتهم وعلى المدينة وقاطنيها، في أمر لم يعهدوه من قبل وفق السيدة مارغو سبولدينج.

عقب هذه الأحداث، وفي عام 2015، وُلدت جمعية Believe in Bendigo في شهر أيلول/سبتمبر ، وهي جمعية أقامها مجموعة من حوالي 20 شخصًا من قادة المجتمع في غرفة المعيشة لمنزل السيدة مارجو سبولدينج مع زوجها آلان دفاعًا عن المسلمين في مدينتهم وعن إقامة هذا المسجد.

رغم السمعة الطيبة للجالية المسلمة المتعددة في بنديجو، لم يشفع هذا الأمر عند البعض بإنشاء مسجد فيها، وتعالت الأصوات الرافضة لبناء المسجد في كل أستراليا، ما أثار استغراب طبيبة الصحة العامة في بنديجو وهي إحدى الأعضاء التنفيذين الفاعلين لإنشاء المركز الدكتورة عائشة نيلام.
ورغم أن الطبية عائشة شعرت في البداية بالاندهاش من ردة الفعل السلبية والاحتجاجات، لكنها رأت أنها تحولت إلى نقطة إيجابية لصالح بناء المركز لاحقًا.

شكّل مسلمو بيندجو لجنة تنفيذية من أبناء الجالية لدعم المشروع يرأسها المهندس سمير سيد، والطبيب سجاد محمد وزوجته الطبيبة عائشة نيلام، وبدعم من السيد هاري فيبريانتو الإندونيسي الذي كان واحدًا من أوائل القاطنين في المدينة منذ تسعينيات القرن الماضي.
يوضح الدكتور أيمن شحنة: "أن المعارضين للمشروع رفعوا عدة قضايا أمام المحاكم ضد إقامة المشروع، حتى وصلت للمحكمة العليا، لكن الحُكم دائمًا كان يأتي لصالح إقامة المشروع".

ويذكر الدكتور أيمن لفتات جميلة من أعضاء الجالية المسيحية، إذ كان وفد المركز في زيارة إلى إحدى الكنائس، وتصاعد هتاف المحتجين لمنعهم من الدخول، ما اضطر راهب الكنيسة للخروج وحمايتهم من التعرض لأي أذى.
فيما قالت السيدة جودي كاوسن من Biendigo Central Uniting Church: " إنها كمسيحية تؤمن بالتسامح ومن حق الآخر بأداء ما يؤمن به".

وانبرى أيضًا أتباع الديانة البوذية في المدينة بدعم بناء هذا الصرح وفق السيد آيان جرين رئيس معبد "ستوبا" الكبير الذي أنشأ عام 2012وقال: " إنه يشعر بالسعادة لبناء هذا المركز في المدينة".

في ظل هذا الجدل، كان الصبر مفتاح رحلة الجالية المسلمة هناك، رغم أن أعدادهم بدأت بالازدياد مع مرور السنين وما عادت الغرفة الصغيرة التي تبرعت بها "جامعة لا تروب" عام 1997في حرم الجامعة تكفيهم، إذ وصل عدد المسلمين في حينه لأكثر من 500 مسلم من 25 جنسية مختلفة يعتبرون بنديجو موطنهم.
بدأت بنديجو تتصدر عناوين الصحف عام 2015 عندما واجه متظاهرون مناهضون للإسلام اجتماعًا للمجلس، وسط حضور مكثف للشرطة.
ومع تصاعد الجدل و الصراع، اكتشف سكان بنديجو المحليون أن المعارضة أساسها جاء من خارج المدينة، وكان لابد من وقفة تحمي سمعة هذه المدينة و أهلها وز تسامحهم خاصة وأنهم لم يستشعروا أي خطر من المسلمين في المدينة، بل العكس، فجميعهم المسلمين المقيمين في بنديجو هم أشخاص من المهندسين،والأطباء والصيادلة وعاملون يقدمون خدمات جليلة لبنديجو.
ويوضح الدكتور أيمن شحنه بقوله: "إن شخصًا جاء من بريزبان عاصمة ولاية كوينز لاند على ظهر حافلة مُحملة بسماعات كبيرة تصدح بالآذان بصوت عال ويجول المدينة رافعًا صوت الأذان، ويقول للقاطنين في بيندجو هذا ما ستسمعونه خمس مرات في اليوم".
اندلع الخلاف أيضًا في شوارع بنديجو، حيث أدى احتجاج صاخب في أغسطس 2015 إلى إغلاق مركز المدينة، بعد احتشاد نشطاء اليمين المتطرف ومناهضو العنصرية ضد بعضهم البعض.

ازداد الجدل بين شد وجذب، لكن الفكرة بقيت ماثلة لتتجاوز مجرد بناء مسجد، ليتم طرح فكرة أن يصبح المسجد الصغير إلى مركز إسلامي يخدم مجتمع المدينة بكل أطيافه؛ ليحوي بالإضافة للمسجد قاعة رياضية لكل أبناء المدينة، إضافة لوجود مقهى، مع سوق متعدد الأغراض، وقاعة للمناسبات ملحقة بمطبخ يخدمها، ومكتبة، واعتبروا أن ذلك يشيع روح الاندماج والتآلف داخل أروقة المركز ليكون مكانًا للسلام والمحبة.

عرض الدكتور أيمن شحنة الفكرة على المهندس المعماري آشر جرينوود، وأعجب بالفكرة، وتبرع بتصميم المركز مع زوجته، ودمج الأعمال الحديدية الزخرفية وعظمة العصر الفيكتوري وألوان الحجر الرملي ورموز تعدين الذهب في هذه المدينة التي اشتهرت بالبحث عن الذهب، مع الأخذ بالاعتبار احترام مناظر الطبيعة المحلية.
ومع ازدياد رفع الدعاوى القضائية أيضًا، تبرع محاميان أستراليان للدفاع عن هذا المشروع مجانًا، سعيًا لجعله مَعلمًا للتسامح والتعايش داخل غابة خضراء تحتضنه وفق الدكتور ايمن شحنة.

في عام 2019 وبعد ست سنوات من الجدل، تم وضع حجر الأساس بمساهمة وتبرع من أبناء الجالية المسلمة وغير المسلمة في أستراليا، وساهمت حكومة حزب العمال في عهد رئيس حكومة الولاية دانيال أندروز بمبلغ 400000 دولار عبر صندوق البنية التحتية المجتمعية المتعددة الثقافات لبناء القاعة الرياضية والمجتمعية.
فيما قدم الدكتور أيمن شحنة وأعضاء الهيئة التنفيذية للمركز في مدينة بنديجو خالص الاحترام لدعم رئيسة حكومة الولاية الحالية جاسينتا آلان، ووقوف النائبة البرلمانية الفيدرالية في المدينة ليزا تشيسترز مع المشروع كل الداعمين للمركز لإشاعة روح التآلف في المدينة.

ومع بدء المراحل الأولية للمركز، طرح الدكتور أيمن شحنة اسم الشيخ عطالله الخوالدة ليكون إمامًا لهذا المركز، إذ كان الشيخ عطالله يعمل إمامًا في التسعينيات في أحد مساجد ملبورن وعاد إلى بلده الأم الأردن، ليهاتفه الدكتور أيمن ليقود هذا المركز خدمة لأبناء بنديجو.
عن ذلك يقول الشيخ عطا الله الخوالدة" إنه يعتبر هذه المهمة نعمة أعطاها الله إياها لخدمة الجالية المسلمة والمجتمع بكل أطيافه في مدينة بنديجو التي أحبها وأحب سكانها".
ويضيف الشيخ الخوالدة المتخصص في العلوم الشرعية من الأردن: "أنه منخرط بالنشاطات الثقافية وحوار الأديان مع المجتمع المحلي ويتفاعل مع جميع قادات الديانات هناك".
ويوضح الشيخ الخوالدة: "أن المشروع لايزال في منتصفه، ويحتاج دعم أبناء أستراليا ليكون عنوانًا للترابط المجتمعي."
فيما يضيف الدكتور أيمن شحنة والرئيس التنفيذي للمشروع في بنديجو المهندس سمير سيد، أن المشروع لا يزال بحاجة للدعم و التبرع المالي وغير المالي حتى يكتمل إذ سيقيمون عدة عشاءات خيرية لدعم هذا المشروع المجتمعي الهام.

في هذه القصة التي امتد جدلها لأكثر من عشر سنوات، يضرب الأستراليون فيها بكل أطيافهم مثالًا على التسامح والتعايش والسلام داخل مجتمع بنديجو الصغير الذي يمثل أنموذجًا للترابط المجتمعي الكبير الأشمل في أستراليا.
لذلك قالت سيدة الأعمال مارجوت سبالدينج التي قادت حملة ضد "التعصب والكراهية" في بنديجو" إنه يجب وقف المظاهرات المناهضة للمسجد في المدينة قبل أن تنتشر في جميع أنحاء أستراليا".

وعلى موقع المركز الإسلامي المجتمعي في بينديجو، أوضح القائمون عليه في رسالته، أن من مهامه تكريس نفسه لمساعدة جميع المسلمين على ممارسة قيمهم الدينية والثقافية مع توفير مركز مجتمعي مبتكر وديناميكي وتعاوني يقدم برامج وخدمات شاملة ومستدامة، ويعزز المشاركة المجتمعية والإدماج.
استمعوا لتفاصيل الجدل و الصراع لبناء هذا المسجد منذ أن كان فكرة حتى أصبح واقعًا مع القائمين والداعمين لهذا الصرح المجتمعي بالأصوات الحية، بالضغط على التدوين الصوتي في الأعلى.




