بعد عقود من الانتظار ومحاولات لم تكتمل، يكتب المنتخب الأردني فصلاً جديداً في تاريخه بتأهله لأول مرة إلى كأس العالم 2026. وبين طموحات جيل ذهبي ودعم جماهيري عابر للقارات، يتساءل كثيرون: هل يستطيع "النشامى" أن يكونوا مفاجأة البطولة؟
لم يكن خبر تأهل الأردن إلى كأس العالم مجرد عنوان رياضي عابر. بالنسبة لملايين الأردنيين، كان تتويجاً لمسيرة طويلة من الأحلام المؤجلة والفرص الضائعة والانتظار الذي امتد لأجيال كاملة. فبعد تسع محاولات سابقة، نجح المنتخب الأردني أخيراً في بلوغ أكبر محفل كروي على وجه الأرض، ليحجز مقعده بين نخبة المنتخبات العالمية في مونديال 2026.
من حلم بعيد إلى حقيقة
على مدى سنوات طويلة، عاش الأردنيون مشهد كأس العالم كمشجعين ومتابعين، بينما ظل السؤال يتكرر كل أربع سنوات: متى نرى الأردن بين الكبار؟
كانت المحطة الأكثر إيلاماً في رحلة البحث عن الحلم عام 2013، عندما اقترب المنتخب من التأهل إلى مونديال البرازيل قبل أن يتعثر في الملحق العالمي أمام أوروغواي. ورغم قسوة تلك الخيبة، ينظر كثيرون إليها اليوم باعتبارها نقطة تحول في مسيرة الكرة الأردنية.
لكن التحول الحقيقي جاء مع الإنجاز التاريخي في كأس آسيا 2024، عندما بلغ الأردن النهائي للمرة الأولى في تاريخه بعد فوزه المذهل على كوريا الجنوبية بهدفين دون رد، ليجذب أنظار القارة والعالم إلى مشروع كروي جديد يتشكل في عمّان.

تاريخ من المثابرة
تأسس المنتخب الأردني رسمياً عام 1953، وخاض أولى مبارياته الدولية في خمسينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من محدودية الإمكانات مقارنة ببعض القوى الآسيوية، نجح الأردن في ترسيخ حضوره تدريجياً داخل القارة، فبلغ ربع نهائي كأس آسيا أكثر من مرة قبل أن يصنع إنجازه الأكبر بالوصول إلى نهائي البطولة القارية عام 2024. كما شهدت السنوات الأخيرة صعوداً ملحوظاً في تصنيفه الدولي وازدياد عدد لاعبيه المحترفين في الدوريات الخارجية، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى المنتخب ونتائجه.
وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فإن تأهل الأردن إلى مونديال 2026 جاء بعد عقود من السعي والإصرار، ليصبح أول ظهور له في نهائيات كأس العالم وأحد أبرز قصص النجاح الكروية في آسيا خلال السنوات الأخيرة. كما وصف "فيفا" هذا الجيل بأنه من أفضل الأجيال التي عرفتها الكرة الأردنية.
سر التحول: عقلية جديدة
يرى المعلق والمحلل الرياضي طارق غصاب خليل أن التحول الأهم لم يكن فنياً فقط، بل ذهنياً أيضاً.
ويقول: "النهضة الكروية الحقيقية تبدأ بالإيمان. لاعبو هذا الجيل يؤمنون بقدراتهم بشكل مطلق، ويرون أنفسهم قادرين على منافسة أفضل لاعبي العالم."
ويضيف أن ثقافة اللاعب الأردني تغيرت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، موضحاً: "هذا الجيل لم يعد يدخل المباريات الكبيرة بعقلية المتفرج أو الباحث عن مفاجأة، بل بعقلية المنافس القادر على تحقيق الإنجازات."
ويشير خليل إلى أن الاستقرار الفني لعب دوراً محورياً في رحلة التأهل، حيث تم البناء على العمل الذي بدأه المدرب المغربي حسين عموتة، قبل أن يكمل مواطنه جمال السلامي المشروع ذاته دون هزات كبيرة.نجوم صنعوا الحلم
ربما لم يكن لدى الأطفال الأردنيين في التسعينيات وبداية الألفية نماذج كثيرة للاعبين محليين تألقوا في أوروبا، لكن الصورة تبدلت اليوم.
أصبح موسى التعمري أحد أبرز الوجوه العربية في الملاعب الأوروبية، إلى جانب أسماء مثل يزن النعيمات ويزن العرب وغيرهم من اللاعبين الذين منحوا المنتخب شخصية مختلفة وثقة أكبر في مواجهة المنتخبات الكبرى. ويعتمد المنتخب حالياً على أسلوب منظم دفاعياً وسريع في التحولات الهجومية، وهي السمات التي ساهمت في وصوله إلى نهائي آسيا ثم إلى كأس العالم.

فرحة تجاوزت حدود الأردن
في سيدني، كان وقع التأهل مختلفاً على أبناء الجالية الأردنية الذين تابعوا رحلة المنتخب من بعيد.
يقول محمد القاضي، عضو الجمعية الأسترالية الأردنية: "هذا حلم انتظرناه طويلاً. الأردن وصل هذه المرة بجدارة وليس لإكمال العدد، وهذا ما يجعل الإنجاز أكثر قيمة."
ويضيف: "لدينا اليوم نجوم أردنيون عالميون نفتخر بهم، كما أن الدعم المستمر للكرة الأردنية كان له أثر كبير في الوصول إلى هذه اللحظة."
أما فلاح بني صخر، أحد مؤسسي جمعية النشامى في أستراليا، فيرى أن الإنجاز يتجاوز حدود الرياضة، قائلاً: "عندنا مواهب وقدرات، لكننا كنا ننتظر اللحظة التي يظهر فيها اسم الأردن على أكبر منصة كروية في العالم، واليوم تحقق هذا الحلم."
ويتابع: "الفرحة لم تكن في الأردن فقط، بل عاشها الأردنيون في أستراليا والخليج وأوروبا وكأنهم جميعاً في مكان واحد."

ماذا يعني "النشامى"؟
ارتبط لقب "النشامى" بالمنتخب الأردني حتى أصبح جزءاً من هويته الرياضية. ويشرح فلاح بني صخر معنى الكلمة قائلاً:
"النشمي هو الفخر والعز والانتماء، وهو كلمة تختصر الكثير من قيم الشهامة والوفاء والمحبة للوطن."
ولعل هذا المعنى هو ما جعل اللقب يتجاوز حدود الملاعب ليصبح رمزاً وطنياً يحمله الأردنيون أينما كانوا.
جيل يغيّر النظرة
من جهته، يرى فالح عورتاني أن المنتخب لم يعد مجرد فريق وطني، بل مشروع يمثل صورة الأردن الحديثة أمام العالم.
ويقول: "المنتخب الأردني خلال السنوات الأخيرة انتقل نقلة نوعية. لم يعد يحقق الانتصارات فقط، بل أصبح يقدم للعالم لاعبين ومهارات وأداءً يفرض الاحترام."
ويضيف: "لدينا أسماء تستحق أن تكون على الساحة العالمية، وليس العربية فقط."
هل يكون الأردن الحصان الأسود؟
يدخل الأردن كأس العالم ضمن مجموعة صعبة تضم الأرجنتين والجزائر والنمسا، وهي مهمة لن تكون سهلة بأي حال من الأحوال. لكن ما يجعل كثيرين يتحدثون عن الأردن كـ"حصان أسود" محتمل للبطولة هو أن المنتخب اعتاد في السنوات الأخيرة على كسر التوقعات.
ففي كأس آسيا، لم يكن كثيرون يرشحونه للوصول إلى النهائي، ومع ذلك فعلها. وفي التصفيات المؤهلة للمونديال، أثبت أنه قادر على مقارعة منتخبات أكثر خبرة وتاريخاً.
حتى على المستوى الجماهيري، يبدو الإيمان بقدرات الفريق في أعلى مستوياته. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل التهنئة من الجماهير العربية والآسيوية بعد التأهل التاريخي، فيما وصف كثير من المتابعين في المنتديات الرياضية العالمية الأردن بأنه أحد أكثر المنتخبات استحقاقاً لبلوغ كأس العالم بعد تطوره الكبير في السنوات الأخيرة.
أكثر من مجرد كرة قدم
في النهاية، قد ينجح الأردن في عبور دور المجموعات أو قد يكتفي بتجربة المشاركة الأولى. لكن المؤكد أن الإنجاز تجاوز حدود النتائج.
فمونديال 2026 ليس مجرد بطولة جديدة في سجل المنتخب الأردني، بل هو تتويج لرحلة طويلة بدأت بأحلام أطفال كانوا يشاهدون كأس العالم من خلف الشاشات، وانتهت بوصول منتخب بلادهم إلى المسرح الأكبر في كرة القدم.
وبالنسبة لجماهير النشامى، فإن الحلم الذي انتظروه لعقود قد تحقق بالفعل. أما ما سيأتي بعد ذلك، فهو فصل جديد لم يُكتب بعد.
تستخدم أس بي أس الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد النصوص المكتوبة الخاصة بالتسجيلات الصوتية. اقرأ المزيد حول كيفية استخدام أس بي أس للذكاء الاصطناعي هنا.
للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.





