في أستراليا حالياً عشرات المشبوهين بالإرهاب، حوالى 200 منهم تمكنوا من السفر إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف داعش ومنظمات متطرفة أخرى. بحسب تقديرات الاستخبارات الأسترالية، لقي حوالى 65 شخصاً من دواعش أستراليا مصرعهم في الشرق الأوسط، فيما لا يزال هناك ما لا يقل عن 110 أشخاص منهم في الخارج. إلا أن السلطات التركية قدّرت عدد الأستراليين الذين يقاتلون حالياً في الشرق الأوسط بأكثر من 420 شخصاً. أما في الداخل، فقد تمكنت سلطات الأمن الأسترالية حتى الآن من إحباط 12 عملية إرهابية قبل حصولها، في حين تم تنفيذ 4 عمليات.
من نقاط الضعف التي كشفها البرنامج الوثائقي، إهمال نداءات المراجع الإسلامية الرسمية إلى الحكومة لضبط التعليم الديني في البلاد، ادعاءاتٌ بوجود مرشدين دينيين غير مؤهلين ينصحون الأهل والشبيبة، الافتقار إلى برامج صحيحة وفعّالة لمنع التطرف في صفوف الشبيبة، غياب المحاسبة في توزيع المنح الحكومية للجمعيات الإسلامية التي تعمل مع الشبيبة وعدم وصول هذه المنح إلى المنظمات التي تستحقها.
وفي هذ السياق، وصف رئيس جمعية باراماتا الثقافية الإسلامية نائل قدّومي المساعدات الحكومية بالمنح السياسية. ولجمعية باراماتا الإسلامية مسجدٌ كان يتردد عليه فرهد جبار، ابن السادسة عشرة من العمر، قبل أن يهاجم مركز الشرطة في تلك الضاحية في تشرين الأول/أكتوبر 2015 ويقتل الموظف كورتس تشانغ ثم ينتهي قتيلاً برصاص الشرطة. السيد قدّومي كشف أنه أبلغ الشرطة عن نشاطات مشبوهة لجبار وعدد من المترددين على المسجد، وأن الشرطة جاءت إلى الجمعية وأجرت تحقيقات بهذه القضية، لكنها لم تُتبع هذه التحقيقات بأي إجراء أمني.

وجمعية باراماتا التي كان يتردد عليها فرهد جبار لم تحصل على منح حكومية على رغم طلبات قدمها السيد قدومي، فيما يؤكد الناشط في الجالية الإسلامية قيصر طراد أن جمعيات كثيرة تلقت منحاً حكومية من دون أن تؤدي الأعمال المطلوبة منها، وأن أحداً لم يحاسبها.

المفتي: لا "للشيخ غوغل والشيخ يوتيوب" وأوقفوا "المصلّيات تحت السلّم"!
من جهته، اعتبر مفتي أستراليا الدكتور ابراهيم أبو محمد أن هناك من يستثمر في الإرهاب ويعمل على ربطه بعبارات دينية بهدف الإساءة إلى الإسلام. ولفت سماحة المفتي إلى عدم وجود مشروع قومي لمكافحة التطرف، مؤكداً أن الحل لمسألة التطرف لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، ولا يجب ترك القضية كلها في أيدي الاستخبارات والشرطة دون سواها، بل المطلوب وضع خطة وطنية متكاملة تستند بشكل خاص إلى برامج تعليمية وعلاجات نفسية.

بدورها، أكدت النائب آن علي، وهي أول امرأة مسلمة في البرلمان الفدرالي الأسترالي، أن الحلَّ لمشكلة التطرف متعدد الأوجه، لأن لكل شخص وقع في فخ التطرف مفاتيحه الخاصة التي يمكن من خلالها معالجته. فمنهم من لديه مرض نفسي، وآخرون بدأت مشكلتهم من بيئتهم الخاصة، فيما تأثر قسم آخر بحروب الشرق الأوسط. من هنا، لا بدّ للحل برأيها أن يكون مزيجاً من مقاربات تأخذ في الاعتبار كل حالة على حدة.
ولفتت الدكتورة علي، وهي أيضاً أكاديمية خبيرة بشؤون الإرهاب، إلى أن في أستراليا قوانين كثيرة لملاحقة المشبوهين بالإرهاب أو توقيف العائدين من حروب الخارج، لكنّ أياً منها لم يُمتحَن، مشكّكة بقدرة الاستخبارات والشرطة على توقيف الدواعش العائدين إذا ما قدموا عبر بلد ثالث أو رابع لعدم توافر أدلة كافية بأنهم حاربوا فعلاً مع داعش أو تنظيمات متطرفة.
ويبدو أن ما تقوله الدكتورة علي تعاني منه الشرطة التي رفضت أن تفصح للبرنامج عن عملياتها. وقد اكتفى المسؤول في وحدة الإعلام لدى شرطة نيو ساوث وايلز طارق العيساوي بالقول إن القوى الأمنية تأخذ وقتها وتراقب كل شيء لأنها تريد في النهاية تقديم أدلة دامغة تقبلها المحكمة ولا تردها. وشدد السيد العيساوي على أهمية تعاون الجالية مع الشرطة لمنع وقوع عمليات إرهابية.
من هنا برزت قضية الإشارات التحذيرية التي يمكن التعويل عليها لدرء الخطر الأكبر عن أستراليا ومجتمعات الغرب عموماً، وهو خطر ما بات يُعرف بـ "الذئب المنفرد" (Lone Wolf). وقد سلّط عدد من الخبراء الذين تحدثوا إلى البرنامج الوثائقي الضوء على الإشارات التحذيرية التي يمكن من خلالها التعرف على شخص يُحتمل أن تكون لديه توجهات متطرفة، منها إطلاق اللحية بشكل مفاجئ والانطواء والادعاء بأن أحداً لا يعرف حقيقة الإسلام سواه.
النائب علي أشارت إلى أن كشف الذئاب المنفردة مسألة صعبة لكنها ليست مستحيلة لأن أحداً ما، في مكان ما، يعرف شيئاً عن هؤلاء. فعلى رغم تحركاته المنفردة وتكتمه بالطرق التي يُجري فيها اتصالاته، للذئب المنفرد جماعته الخاصة التي تعرف بتحركاته ونيّاته.

وفي معمعة هذه المسألة الشائكة، بدا المسؤولون الحكوميون والأمنيون الأستراليون أكثر جرأة من أي وقت مضى في توجيه أصابع الاتهام عن أسباب التطرف كما يرونها. وفي هذا السياق، رأى المدير العام للاستخبارات الأسترالية آزيو، دانكن لِويس، أن مصدر التطرف هو تفسير سني متزمّت للإسلام، فيما وصل النائب العام الفدرالي جورج براندس إلى حد القول إن الوهابية هي مصدر الإرهاب.



