تقرير عن تجربة الحرب المريرة التي استطاعت المرأة السورية أن تهزمها، كاسرة كلَ موازين القوى في الحروب.
استمعوا إلى قصة الحرب ترويها سيدات سوريات بالضغط على الرابط الصوتي المرفق بالصورة أعلاه.
هي "الجنس اللطيف" وتلك "الحرب القاسية"، لا يليقان ببعضهما ولا يلتقيان إلا على لون شاءت الصدف أن يكون رمزاً للحب وللموت معاً.
فبين أحمر الشفاه وأحمر الدماء جمال شوّهته ندباتٌ يصعب على الزمن محوَ آثارها.
بين المرأة والحرب، لا مساواة ولا عدالة.
فهذه ضعيفة بريئة وتلك قوية مستبدة، هذه تخسر الكثير وتلك تأخذ الكثير.
ولكن بين المرأة والحرب لا منطقَ أيضا، ولا قواعد.
بل تاريخ أثبت أن تلك التي تكبدت أكبر الخسائر، هي نفسها التي خرجت منتصرة في كل معركة. منتصرة على نفسها، على الأحكام المسبقة التي لم تر إلا أحمر شفاهها، وعلى الحرب التي حسبناها يوماً قوية.
حرب سوريا والأحلام الضائعة
تسع سنوات من الحرب في سوريا، ألقت بثقلها ودمارها على البلاد، رجالاً ونساءً وأطفالاً.
وفي لحظة مصيرية، استطاعت المرأة السورية أن تحمل على كاهلِها أوجاعَ وآلام أمة بكاملها.
ثلاث سنوات من هذه الحرب القاسية عاشتها "رهف الرفاعي" في مدينة حلب شمال غرب سوريا.
وهي لا تزال حتى الساعة ترفض أن تصدّق أن ما أصاب مدينتها الحبيبة كان واقعاً وحقيقة.
أم لثلاثة أولاد، ومحاضرة مع زوجها بكلية الهندسة في جامعة حلب، كانت رهف تنتمي لطبقة اجتماعية تعتبر أعلى من المتوسطة. كانت تتمتع بالأمان الوظيفي وتحصل على مرتّب يسمح لها ببناء أحلام وطموحات لها ولعائلتها: "كانت احلامنا أحلام، ولكن كان بالإمكان تحقيقها".
Image
هذا الواقع الآمن تحوّل بين ليلة وضحاها إلى مستقبل ضبابيّ قاتم.
إنه عام 2011 عندما بدأت طبول الحرب تقُرع في سوريا، لكنّ كثراً من السوريين ومن بينهم رهف كانوا يرفضون سماع صوتها: "كنا نسمع الأخبار في الأسابيع الأولى ولا نصدّق، اعتبرنا أنها غيمة سوداء وسوف تمرّ غير أن الأسابيع تحولت إلى أشهر...وفجأة رأينا مستقبلنا يضيع وتحوّل البرج الذي كنا نبني أحلامنا عليه إلى قصر من رمال".
تقبّل الواقع لم يكن بالأمر السهل، فقد خلق في قلب رهف صراعاً مريراً بين البقاء ومحاولة الحفاظ على بقايا ما بنته لسنوات في وطن أحبته للغاية، وبين التطلع إلى مستقبلٍ لأولادها يخلو من الصور البشعة التي شهدت عليها.
لا أحد يخرج من الحرب دون خسائر لكن المرأة هي أكثر من يشعر بمرارة الخسارة.
فهي إن نجت بحياتها، فقدت زوجاً أو طفلاً أو أباً، خسرت وظيفةً أو منزلاً أو طموحاً...ووجدت نفسها وحيدة، تحمل مسؤولية مستقبل أولاد وعائلة ووطن بعد أن ضاع مستقبلُها هي في مهب معارك وانقسامات لا دور ولا خيار لها فيها.
في حلب أيضاً عاشت فارتيني خوديسيان خمسَ سنوات من الحرب. هي أيضاً كانت ترى المستقبل مشرقاً أمامها وهي لا تزال طالبة في الجامعة. لم تكن تعلم أن هذه السنوات الخمس ستأخذ منها الكثير: "الحرب أخذت مني الطمأنينة، أخذت أجمل سنوات حياتي، أخذت كلّ شيء... الحرب أخذت روح أغلى صديق عندي".

خلال الحرب كما بعدها...لا مكان للاستسلام
وكما في كل حرب، رفضت المرأة أن تستسلم للواقع الأليم. فأثبتت قوة ملحوظة وإن لم تكن على جبهات القتال. واستطاعت أن تحمل بشجاعة كل المهام التي ألقيت على كاهلِها. فكان لها الدور الأساسي في دعم عائلتها ومساعدتها على الصمود.
ويختلف هذا الدور باختلاف موقع المرأة وظروفها الاجتماعية. فمن خلال وظيفتها كمدرسة في الجامعة، استطاعت رهف الرفاعي مع زميلاتها أن تضعن حداً لأجواء الكراهية التي تفشت بين الطلاب المنقسمين بين معارض ومؤيد في وقت اشتد النزاع وأصبح الصراع في أوجه.
ولعلّ كلمة الحرب هي كافية لوصف بشاعتها. فهي بنفسها أبشع من البشاعة. ولوهلة، يظنّ البعض أن ما من شيء ايجابي يمكن أن يثمر عن هذه الفظاعة، تماماً كما كانت تعتقد رهف: "لوهلة تعتقدين أن الحرب كلها دمار وأسى...ولكن عندما فكرت بطريقة أخرى، أنا رأيت رهف جديدة بعد الحرب، اكتشفت انساناً جديداً بداخلي، انساناً قوياً جداً، قادراً على تقبّل أي شيء في هذه الحياة وقابلاً على التعلّم والتأقلم مع جميع الظروف."
قامت منظمة Care التي تعنى بشؤون اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا بدراسة مؤخراً لمعرفة تأثير الحرب السورية على النساء اللاجئات في تلك البلدان. وأظهر التقرير الصادر عن المنظمة أنه بالرغم من الألم والمعاناة، تمكّن عدد كبير من النساء أن يخرجن من الحرب أكثر قوة وصموداً. وبحسب ما تقول المتحدثة باسم المنظمة في أستراليا روزلين دانداس: "المأساة أجبرت النساء على الاطلاع بدور كان حكراً على الرجال فاكتسبن مهارات عملية وعلاقات اجتماعية غيّرت من نظرتهن إلى أنفسهن وزادت من ثقتهن بقدراتهن".

ترفض فارتيني الخوض في تفاصيل الحرب البشعة، دون أن تنسى ما عاشته من مآسي. هذه المآسي التي حاولت أن تجعل منها شخصاً أسوأ، ولكنها واجهتها بشجاعة لتخرج منها امرأة أقوى وأكثر ايماناً وصلابةً، امرأة تسعى لبناء حياة جديدة هنا في أستراليا :"الحرب حاولت أن تجعل مني شخصاً بشعاً، حاولت أن تزرع الكراهية في داخلي، ولكنني مع مئات من النساء معي استطعن التغلب عليها ونخرج منها أقوى وأكثر ايماناً وصلابةً مما كنا".
في يوم المرأة العالمي، تحيّة لمن كسرت كلَ موازين القوى في الحروب.
تحيّة إلى التي حسبناها يوماً الطرف الأضعف في النزاعات.
هي تقول لنا اليوم: أعيدوا حساباتِكم: الحرب لن تهزمني!




