تعرفوا على القصة المهملة لإسهام السكان الأصليين وسكان جزر توريس في يوم "الأنزاك"

First Nations Anzac

The Australian War Memorial For Our Country memorial recognises the military service of Aboriginal and Torres Strait Islander peoples. Credit: Tracey Nearmy/Getty Images

يجتمع الأستراليون في كل عام في يوم "الأنزاك"، كوقفةَ وفاءٍ، لاستحضار تضحيات أولئك الذين خدموا في ميادين الحروب، وفي بؤر الصراعات، وعلى دروب حفظ السلام. غير أنّ سؤالًا يظل معلقًا في أفق الذاكرة، أيّ القصص نروي، وأيّها نغفل؟ أهناك حكايات لم تأخذ نصيبها من السرد والإنصات؟ في هذه الحلقة، نُزيح الستار عن صفحةٍ مهمّة من تاريخ أستراليا، طالما بقيت في الظل، لنستعيد سِيَرًا غُيِّبت طويلًا، ألا وهي سِيَر خدمة السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، وما قدّموه من عطاءٍ وتضحياتٍ جديرة بأن تُروى وتُصان في الوجدان.


خدم العديد من أبناء وبنات الشعوب الأصلية في القوات المسلحة الأسترالية، خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وغالبًا إلى جانب غيرهم من الأستراليين، رغم أنهم في فترات معينة كانوا محرومين رسميًا من حق التجنيد.

واليوم، تتزايد الجهود الوطنية للاعتراف بهذه الإسهامات وإعادتها إلى موقعها في الذاكرة التاريخية. ومن بين أبرز العاملين في هذا المجال مايكل بيل، من شعب نونغاوال/جوميرو، الذي يشغل منصب مسؤول الارتباط مع السكان الأصليين في النصب التذكاري للحرب الأسترالية، حيث يعمل على توثيق والاعتراف بخدمة وتضحيات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، سواء الذين ارتدوا الزي العسكري أو الذين دعموا المجهود الحربي داخل البلاد. وقد بدأت ملامح هذه الجهود تُنتج صورة أكثر شمولاً ووضوحًا للتاريخ.

وعبر هذا العمل، بدأت صورة أوضح في الظهور.

كم عدد السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس الذين خدموا في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية؟

يقول بيل: «لدينا حاليًا ما يزيد قليلاً عن 1200 رجل من السكان الأصليين تم تجنيدهم أو محاولتهم التجنيد في الحرب العالمية الأولى، ونقدر أنه سيكون حوالي 6500 رجل في الحرب العالمية الثانية».

Indigenous Australians Honoured On Anzac Day At Coloured Diggers March
إن فهم يوم ANZAC يعني الاعتراف بالمساهمات والتحديات التي يواجهها السكان الأصليون وسكان جزر مضيق توريس. Credit: Brendon Thorne/Getty Images

وتستمر هذه الأرقام في الازدياد مع اكتشاف المزيد من الوثائق والسجلات التاريخية. غير أن السؤال الذي يُطرح باستمرار هو كيف تبدو هذه الأرقام مقارنة بغير السكان الأصليين؟ وماهي العوائق التي واجهوها؟

وعلى الرغم من التحديات الكبيرة، فقد شارك السكان الأصليون في الخدمة العسكرية بمعدلات مماثلة لبقية الأستراليين.

معدلات التجنيد أو الشهادات هي نفس معدلات إخوانهم وأخواتهم من غير السكان الأصليين.
مايكل بيل

ما هي الحواجز التي واجهها الأستراليون من الأمم الأولى عند محاولتهم التجنيد في الجيش؟

يوضح مايكل بيل أن القيود كانت متعددة الأبعاد؛ إذ واجه السكان الأصليون قيودًا على الحركة داخل البلاد، ولم يُعترف بهم كمواطنين كاملي الحقوق، وفي بعض الحالات لم يُعترف بهم قانونيًا كأشخاص. كما ساهمت السياسات العسكرية التي استبعدت غير المنحدرين من أصول أوروبية في تعميق هذه القيود.

ورغم ذلك، أظهر كثيرون منهم عزيمة استثنائية من أجل الالتحاق بالخدمة العسكرية، و يوضح بيل أن أحد هؤلاء الرجال سار من ولاية كوينزلاند على طول الطريق إلى "ألبوري". ويضيف: «في طريقه، حاول الالتحاق بالتجنيد العسكري خمس مرات، ولسوء الحظ لم يتمكن من الخدمة لأنه توفي بسبب المرض على متن السفينة في طريقه إلى ساحة المعركة. لذا فإن تفاني رجالنا وإعادة تجنيدهم هو المكان الذي تم فيه رفضهم لكونهم من السكان الأصليين، لكن عودوا وحاولوا مرة أخرى».

قصص مثل هذه توضح التصميم والمرونة والرغبة القوية في خدمة البلاد، حتى عندما لم تقدم تلك الدولة لهم حقوقًا متساوية.

Aboriginal And Torres Straight Islander Veterans
A wreath is laid during the annual ANZAC coloured diggers service in Sydney. Credit: Lisa Maree Williams/Getty Images

ماذا حدث لجنود الأمم الأولى عندما عادوا إلى الوطن من الحرب؟

تعكس هذه القصص مستوى عاليًا من الإصرار والتضحية والرغبة في خدمة الوطن، رغم غياب المساواة في الحقوق. وحتى عند عودتهم من الحرب، لم تنتهِ معاناتهم. إذ عادوا إلى مجتمع كان فيه التمييز والقوانين التقييدية لا تزال جزءًا من الحياة اليومية.

يقول بيل: «كان رجالنا يقاتلون من أجل الحقوق في حرب خارجية لم يكن من حقهم الحصول عليها في بلدانهم الأصلية». «ولكي يعودوا إلى ديارهم في مجتمع غير متكافئ بشكل يائس، ويعودون إلى الفصل العنصري، كان الافتقار إلى الاعتراف القانوني، والقيود المفروضة على ملكية الأرض، والأجور المتساوية، والقيود المفروضة على إدارة أطفالنا، الأجيال المسروقة، على قدم وساق».

ورغم حصول بعضهم على امتيازات محدودة، حُرم كثيرون من حقوقهم بسبب القيود الاجتماعية والسياسية السائدة. كما واجهوا صعوبات في التواصل مع زملائهم من المحاربين، إذ كان الانضمام إلى نوادي المحاربين القدامى “RSL” يشكّل تحديًا إضافيًا، كون العديد منها كان يقدم المشروبات الكحولية، مع وجود قيود على دخول السكان الأصليين، ما جعل مشاركتهم شبه مستحيلة.

وتم استبعادهم بشكل فعال من كل من الدعم والاتصال.

كيف تعترف أستراليا بالخدمة العسكرية للسكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس اليوم؟

وفي السنوات الأخيرة، بدأ الاعتراف بهذا التاريخ يتسع تدريجيًا، حيث لعب النصب التذكاري للحرب الأسترالية دورًا أكثر فاعلية في إبراز هذه الإسهامات..

يوضح السيد بيل: «يتم مشاركة قصصنا بالتساوي والتناسب في جميع معارضنا». ويضيف: «لدينا محتوى أصلي في جميع الخدمات، وجميع المعارض، وجميع القصص، وجميع تمثيلاتنا.»

لا توجد زاوية سوداء في النصب التذكاري للحرب الأسترالية. ما نقوم به هو سرد القصة بالتساوي طوال الوقت، كما طلب منا المحاربون القدامى القيام بذلك.
مايكل بيل

«في الزي الرسمي، كان بإمكانهم فقط رؤية أنفسهم على أنهم لون خدمتهم مثل الأخضر أو الأزرق أو الرمادي للجيش والقوات الجوية والبحرية.»

ويعكس هذا النهج كيف كان كثير من الجنود يرون أنفسهم: جنودًا أولًا، يخدمون جنبًا إلى جنب. وفي الوقت ذاته، بدأت قصص كثيرة طالما بقيت مخفية بالظهور مجددًا، وإعادتها إلى عائلاتهم.

ويضيف بيل: " في بعض الحالات، نكون أمام الصورة الوحيدة المعروفة لجندي من السكان الأصليين، ولم تكن عائلته قد رأتها من قبل. يمكننا تقديم هذه الصورة للعائلة اعترافًا بخدمته ومساهمته، وهو أمر مؤثر جدًا، لأن هذه القصص كانت محفوظة داخل المؤسسة وتُعاد اليوم إلى أصحابها الحقيقيين."

وتشكل هذه اللحظات بالنسبة للعائلات استعادة للذاكرة والهوية والارتباط الإنساني.

Aboriginal And Torres Straight Islander Veterans
The annual ANZAC coloured diggers event in Sydney celebrates the contributions of Aboriginal and Torres Strait Islander servicemen and servicewomen. Credit: Lisa Maree Williams/Getty Images

ما الذي يجب أن تعرفه عن تاريخ السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس في يوم ANZAC هذا؟

يؤكد مايكل بيل أن يوم أنزاك يجب أن يعكس التاريخ الأسترالي الكامل، لا الروايات الانتقائية، خصوصًا للقادمين الجدد، مع ضرورة الاعتراف بالسكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس، وتصحيح ما تم تجاهله تاريخيًا.

وفق بيل: "المسألة تتعلق بالتاريخ الكامل لأستراليا كما هي اليوم، لا كما كانت تُقدَّم سابقًا. ونريد أن يرى الجميع هذا التاريخ بكامله، لا كما صاغته أنظمة استبعدت الاعتراف بنا".

إن يوم "الأنزاك" هو مناسبة لتكريم من خدموا في الحروب والصراعات، وهو أيضًا فرصة للتأمل في التاريخ الوطني. غير أن فهمه الحقيقي يقتضي إدراك القصة الكاملة لأستراليا، بما في ذلك إسهامات وتحديات السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس.

ومع اتساع نطاق هذه القصص، يتشكل تدريجيًا فهم أكثر عمقًا وشمولًا للماضي الأسترالي وحاضره.

استمعوا لتفاصيل هذا البودكاست، بالضغط على زر الصوت في الأعلى.

اشتركوا أو تابعوا بودكاست “أستراليا بالعربي" (Australia Explained) للحصول على المزيد من المعلومات القيّمة والنصائح المفيدة حول الاستقرار وبدء حياتكم الجديدة في أستراليا.

إذا كان لديكم أي أسئلة أو أفكار لمواضيع ترغبون طرحها عبر هذا البودكاست؟ يمكنكم مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني:

australiaexplained@sbs.com.au

أكملوا الحوار عبر حساباتنا على  فيسبوك و انستغرام.

اشتركوا في  قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.


شارك

تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now