قصتي: من الموصل إلى ملبورن: رحلة موسيقي أعاد بناء حلمه ثلاث مرات

6120777015184002590.jpg

أحياناً لا تكون الهجرة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل عبوراً عميقاً من مرحلة حياة إلى أخرى. رحلة تبدأ من ذاكرة الطفولة، تمرّ بمحطات قاسية، وتنتهي بمحاولة إعادة بناء الذات في أرض جديدة من دون التفريط بالهوية.


للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.

هذه هي قصة الموسيقي العراقي رائد عزيز، الذي عاش ثلاث محطات مفصلية في حياته: في العراق، ثم سوريا، وأخيراً أستراليا. وفي كل مرة، كان عليه أن يبدأ من الصفر. لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً في جميع تحوّلاته: الموسيقا.

البدايات… من كنيسة في الموصل

في مدينة الموصل شمال العراق، بدأت الحكاية. نشأ رائد بالقرب من كنيسة، وهناك تعرّف إلى الموسيقى لأول مرة. تعلّم العزف على آلة الأورغ (الكيبورد) على يد إحدى الراهبات، وبدأ قراءة النوتة الموسيقية في سن مبكرة.

سرعان ما أصبح جزءاً من جوقة الأطفال في الكنيسة، ثم تطورت علاقته بالموسيقا لتصبح أكثر من مجرد هواية. كانت جزءاً من يومياته، ومن تكوينه الداخلي.

اختار دراسة الموسيقا أكاديمياً في بغداد، فالتحق بأكاديمية الفنون الجميلة، حيث اجتاز اختبار القبول الصعب، وأكمل دراسته الجامعية ثم الماجستير. أصبح لاحقاً معيداً في الجامعة، وبدأ مسيرته نحو الدكتوراه. كان حلمه واضحاً: أن يصبح أستاذاً جامعياً متخصصاً في الموسيقى.

لكن الأحلام أحياناً تصطدم بالواقع.

6120777015184002588.jpg

لحظة الهدم… ومغادرة العراق

في عام 2004، ومع تصاعد الظروف الأمنية، اضطر رائد إلى مغادرة العراق بعد تلقي تهديدات. كانت أصعب لحظة في حياته ليس فقط لأنه غادر بلده، بل لأنه ترك خلفه حلماً بناه لسنوات.

أن تهدم ما بنيته بيديك ليس أمراً سهلاً. أن تترك منصباً أكاديمياً، وطلاباً، وسمعة فنية، لتبدأ من جديد في مكان لا يعرفك فيه أحد كان ذلك التحدي الأكبر.

محطة سوريا… استراحة مؤقتة

انتقل إلى سوريا في البداية بنيّة البقاء لفترة قصيرة، لكن الأبواب فُتحت أمامه سريعاً. عُيّن أستاذاً للموسيقى في دير سيدة صيدنايا، واستقر هناك قرابة سنة ونصف.

كوّن علاقات جميلة، وبدأ يشعر بالانتماء. لكن القلق الإقليمي، وتدهور الأوضاع في العراق، دفعاه لاتخاذ قرار جديد: الهجرة إلى أستراليا بعد حصول عائلته على التأشيرة.

6120777015184002589.jpg

أستراليا… البداية من الصفر

وصل رائد إلى أستراليا عام 2006. وهنا كانت البداية الأصعب. اللغة، الاختلاف الثقافي، والشعور بالاقتلاع من الجذور كلها تحديات يومية.

التحق بدورات لغة إنجليزية لتقوية مهاراته، ثم بدأ يساعد طلاباً عرباً في تعلّم اللغة، ما ساعده بدوره على تطوير لغته. لاحقاً، حصل على مقعد في جامعة فيكتوريا، لكنه فوجئ بضرورة إعادة دراسة البكالوريوس، لأن شهاداته الشرقية لم تكن معترفاً بها بالكامل في النظام الأكاديمي الأسترالي.

بدلاً من الاستسلام، اختار مساراً جديداً: تخصّص في هندسة الصوت، وفتح لنفسه باباً مختلفاً داخل عالم الموسيقا.

المقام العراقي على مسارح ملبورن

حلمه في أستراليا كان واضحاً: تقديم صورة جميلة عن الموسيقا العربية، وخاصة العراقية. بدأ بتقديم حفلات منفردة على آلة العود، ثم أسس فرقة موسيقية قدّمت عروضاً في ملبورن وخارجها.

لم يكن الهدف مجرد عزف موسيقى شرقية، بل تصحيح صورة نمطية، وإظهار غنى الثقافة الفنية العربية.

واليوم، يدرّس رائد آلة العود والمقامات الشرقية لطلاب أستراليين، بعضهم يقطع ساعات طويلة ليتعلم هذه الموسيقى. ويصف شعوره بالفخر حين يرى طالباً أسترالياً يعزف مقام البيات أو السيكا بإتقان.

بالنسبة له، هذا ليس إنجازاً فنياً فقط، بل جسر ثقافي.

الموسيقى كرسالة إنسانية

عندما سقطت الموصل بيد تنظيم داعش، نظّم رائد أمسية موسيقية خيرية في أستراليا، تمكّن خلالها من جمع أكثر من عشرة آلاف دولار لدعم المتضررين في العراق.

يؤمن بأن الموسيقى إن لم تحمل رسالة إنسانية، تصبح مجرد وظيفة. أما إذا حملت قيماً من محبة وسلام، فإنها تتحول إلى مسؤولية ثقافية.

رحلة مستمرة

بعد كل هذه السنوات، لا يرى رائد نفسه في مرحلة استقرار نهائي. بالنسبة له، الفنان الذي يعتقد أنه وصل إلى القمة يتوقف عن التطور. لذلك لا يزال يبحث عن مشاريع جديدة، يؤلف موسيقى، ويعمل على أعمال مسرحية وتصويرية.

رحلته بين العراق وسوريا وأستراليا لم تكن مجرد تنقل جغرافي، بل سلسلة من إعادة بناء الذات. وفي كل مرة كان يبدأ من جديد، كانت الموسيقى هي الوطن الذي لا يُفقد.

أكملوا الحوار عبر حساباتنا على  فيسبوك و انستغرام.

اشتركوا في  قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.


شارك

تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now