في الصمت صوت يبحث عن المعنى في شتات غربة وزمن ثقيل يبحث عن خلاصه تحت انقاض الحرية، ليعانقها مصلوبة على خشبة المسرح بين الموت والخلود، بين الحرف والوتر. من الصمت الى الصوت، وخبز الكلمة الساخن كجرح الوطن... من أين تبدأ الحياة، وأين تنتهي بالنسبة لسمير جبران؟ هل الثلاثي جبران ثالوث في الوتر؟ كيف "سار في الدرب الطويل" مع محمود درويش حين سكتت الكلمة واتسع الجسد في نعش؟ رافقته من بعيدي القريب على توقيت الهوية التي لا تتسّع بأرض!
على توقيت فلسطين التقيته، على توقيت جرحها وصبحها وعرسها فكان وتر اللقاء ولكنه في خضم الحب يعترف أنه تعب من ضغط وعبء الهوية، تعب من أن يكون ضحية أو بطلًا، ويهرع الى أحضان العود ليتأكد أنه على قيد الحياة!
يعزف سمير جبران ليتأكد أنه ما زال على قيد الحب فالحياة في غربة لا تفقد سلطانها الا على خشبة المسرح وخشب صليب العود. تعب من ثقل الهوية التي تسجنه بين مقام الضحية والبطل ليبحث عن انسانه بين الركام فيقول "أعزف لأتأكد أنني حي"، "أنا أحتاج أن أطمئنّ أنني إنسان قبل أن أكون فلسطينيًا"، يقول سمير جبران.
الوطن والمنفى
الوطن بالنسبة لسمير جبران لا يتّسع في المكان وإن ينطلق منه، وبين الصمت والصوت، الغربة والوطن، يبحث عن ذاته الكبرى في هذا الشتات الواسع.
تعب سمير جبران من الفلسطيني الذي فيه؛ من كونه مُطالبًا أن يكون ضحية أو بطلًا، بينما يقول "طموحي أن أكون إنسانًا فقط".

هو الذي لفظ اسمها، فلسطين ببهاء مجدها كامرأة تُزف لعريسها في ساعة أتت وساعة ستأتي، أحبّها حتى الوتر وهو يعي أنّ الوتر بوح وحب وأرض ومقام يعترف قائلًا:
"أعترف أنّني تحت ضغط الهويّة " مللتُ من الفلسطينيّ الذي فيَّ… تعبتُ من دور الضحية. لا أريد من الجمهور أن يصفّق لي لأنني ضحية، ولا أن يصفّق لي لأجل ذلك فحسب".
هناك على "المسرح الوطن"، يترقّب في حناياه الغائب الحاضر محمود درويش "اسم الأرض الثانية لفلسطين…" الذي لم يغادره يومًا، والذي أراده حُرَّا حتى من عبء الهويّة الوجودي الذي يحاصره " مللتُ من الفلسطيني الذي فيّ… تعبتُ من دور الضحية".
أعترف أنّني تحت ضغط الهويّة!
"الوطنُ الوحيد الذي أملك فيه كامل الحرية هو خشبة المسرح."
هناك يترقّب الغائب الحاضر الذي لم يغادره يومًا، والذي أراده حُرَّا حتى من عبء الهويّة الوجودي الذي يحاصره " مللتُ من الفلسطيني الذي فيّ… تعبتُ من دور الضحية"، "لا أريد من الجمهور أن يصفّق لي لأنني ضحية، ولا أن يصفّق لي لأجل ذلك فحسب".
أما "الغربة الوطن" بالنسبة لابن الناصرة ليست مجرد معركة سياسية، بل مساحة للتأمل والفهم والتعبير. ورغم أنّه منهك من ثقل الهوية الفلسطينية، إلا أنّه ينكر ذاته ان أنكرها ويريدها حرّة حتى من تعاطف الجرح الذي لا يجرؤ حتى على النقد. هو الذي يؤمن بضرورة أن يبقى الفن قادرًا على قول الحقيقة من دون صراخ يقول:
"الموسيقى هي لغتي في التحرر من ضغط الهوية، وهي تأويلي الخاص للحياة خارج السياسة"،
"حين تتعب الأرض ويبهت الوطن، يصير المنفى كأنه وطنٌ آخر، ويصير الوطنُ منفى."
الموسيقى كتجربة روحية وصوفية: ثلاثي أم ثالوث؟
الموسيقى في عالم سمير جبران الباطني ليست مجرد أصوات، بل مساحة حرية، وفلسفة، وحوار دائم مع الحياة والموت، مع وفاء دائم لأولئك الذين شكّلوا مساره مثل الشاعرالفلسطيني محمود درويش والذي بات هو ايضًا أرضه.
يتحدث سمير جبران عن الموسيقى كتجربة صوفيّة ؛ كالنًّفْس التي تبحث عن الحب الأول في هذيذ الصمت لا الصوت، لا في النغمة وحدها، بل في الفراغ الذي يليها كما يقول جبران، في محاولة لاكتشاف الوجود عبر لحظات متقطعة من التأمل لبلوغ المعنى في أنفاس الصوت إذ يقول:
"أبحث عن الصمت بين النغمات؛ فالصمت هو الذي يمنح الموسيقى نجمتها في ليلٍ حالك."
يعترف "جبران" سمير، أنّ العود ليس مجرد آلة، بل مرآته الإنسانيّة ليهرع الى رحم الوتر ويرتمي "حيث الحرية" فيولد لا مرّة، بل مرات م بعيدًا عن جدلية وعبثية خطوط زمنية.
يتنهّد سمير جبران قائلًا:
أعزف على العود لأتأكد أنّي ما زلتُ بشرًا بعيدًا عن ثِقل الضحية ودور البطل
تجربته مع " الثلاثي الجبران" تجسّد هذا البعد في تنافس إبداعي يولّد جمالًا جديدًا في كلّ مرة، مع احترام كامل لفرادة الفردية في بوتقة ثالوثية التلاقي الخصب.
حين يتكلم العود: الموسيقى بوصفها فلسفة بوح
هناك في البلاد المتوهّجة بالألوان، في قلب أميركا اللاتينية، لم يكن العود آلةً تُعزَف، بل كائنًا يُحاط بستّ أيادٍ وثلاثين إصبعًا ليقول ما تعجز عنه الكلمات. في عزفٍ ثلاثيٍّ واحد، يستسلم العود لثلاثي لا توحّده التقنية بقدر ما تجمعه الرغبة في القبض على المعنى الهارب.
وعن استسلام العود للثلاثي في عزف جماعي واحد على أحد مسارح المكسيك يقول:
" هناك حاوطنا العود، بستّة أيادٍ وثلاثين إصبعًا كي تقول ما أعجز عنه بكلماتي".
من هذا الاشتباك الحميم، تولد جُمل موسيقية قصيرة، قد لا تتجاوز خمسًا وثلاثين ثانية، لكنها، حين تُعاد وتُستكشف في تكرار يولد الملل الإبداعي.
وعن هذه التكرار الخصب يقول:
"القِصر هنا ليس فقرًا، بل تكثيفًا، فالجملة الموسيقية القصيرة قد تحمل في أقل من نصف دقيقة ما تعجز عنه صفحاتٌ من الكلام"، يوضح، معتبرًا أن التكرار الواعي يبدّل السمع إلى تجربةٍ تأملية.
الموسيقى، في رؤيته، أكثر تحررًا من اللغة؛ لأنها لا تُغلق على معنى واحد. «الموسيقى قابلة للتأويل؛ لذلك هي أكثر حرية من الكلمة المحاصَرة بالمعنى" لهذا، لا يسعى إلى استعراض المهارة بقدر ما يبحث عن الصدق، حتى لو تطلّب الأمر إرهاق الجسد".
يقول سمير جبران:
"أحيانًا أترك العود شهرًا كاملًا لأُتعب أصابعي، كي تعود الموسيقى من عمق الروح لا من ليونة التقنية".
أما في العمل الثلاثي، فالتلحين أشبه بمواجهةٍ جمالية: اختلافاتٌ حادة، توترٌ خلاّق، ثم مصالحة تُنتج "صوتًا واحدًا"، "نلحن القطعة الثلاثية كأننا ندخل معركة جمال؛ اختلافٌ متعب لكنه يولّد روحًا واحدة".
ومع التكرار دون ملل، يصل العازف، كما يقول، إلى "تلك العتبة الدقيقة التي تتكثّف فيها الروح، "حين نكرّر الجملة دون ملل، نصل إلى لحظةٍ تتكثّف فيها الروح، ويصبح العازف في حالة صفاء تُشبه التصوّف".
هناك، لا يعود العود أداةً ولا العازف فردًا؛ بل تجربةً مشتركة، حيث القليل يقول الكثير، والصمت يكمّل ما لم تقله النغمة.
محمود درويش… الذي لا يغيب
لم يكن محمود درويش، في وعي سمير جبران، اسمًا يُستحضَر عند الحاجة، ولا شاعرًا تكتمل صورته بالتصفيق. كان حالة وجودية، حضورًا يتجدّد خارج الزمن، طيفًا يمرّ بين نبضةٍ وأخرى دون أن يطلب الإذن. لا يُقيم في الذاكرة بوصفه ماضيًا، بل يواصل العيش كفعلٍ يومي، كتنفّسٍ لا يُرى. لذلك يقول سمير إنّ درويش «لم يرحل عنه يومًا»؛ لأن الغياب، حين يبلغ هذا العمق، يتحوّل إلى شكلٍ آخر من الحضور، وعنه يقول سمير جبران:
اسمُ الأرضِ الثانية لفلسطين، محمود درويش، ما زال مقيمًا فيَّ لا يرحل… هذا هو محمود درويش بالنسبة إليّ
هنا، لا يعود الاسم دلالة، بل مقامًا؛ لا يعود الشاعر شخصًا، بل أرضًا ثانية تُحمل في الداخل، وطنًا يُمارَس لا يُستعاد.

كان درويش لصيقًا بروحه، لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل صديقًا وملهمًا ومعلّمًا في فنّ الرؤية. علّمه ما لا تقوله الموسيقى وحدها: كيف تُرى فلسطين وهي تتخفّى في الهشّ واليوميّ، في حبل غسيل امرأة تنتظر الصباح، في التفاصيل الصغيرة التي تحمل عبءَ المعنى كلّه. هناك، حيث لا بطولة مُعلنة، كانت الحياة تُمارَس بهدوء، وكانت امرأةٌ– وطن تحرس المكان بحركة يدٍ تُعلّق قميصًا في الشمس.
هكذا صار الشعر، بالنسبة إليه، طريقًا لمعرفة العالم لا لوصفه، وصارت الموسيقى فعل إصغاءٍ دائم لذلك المعنى حين يمرّ خفيفًا… ولا يُرى. كان درويش يفتح أمامه المعنى المختبئ في المشهد البسيط، ويُعلّمه أن الوطن لا يُصان بالخطب، بل بالاستمرار في العيش.
وحين طلب سمير إليه أن يُلحّن كلماته، قال:
"لا تلحّن شعري… دعه حرًّا، قابلاً للتأويل. اللحن يسجن الكلمة، وأنت تعزف موسيقى تُفتح على احتمالاتها، فابقَ هناك".
كانت تلك النصيحة أشبه بوصيّةٍ جمالية لسمير جبران لا سواه، كي لا يُقيَّد ما خُلق ليحوم، وألّا يُغلَق المعنى حين يكون اتّساعه هو جوهره.
وفي الأمسية الأولى التي جمعتهما، انحنى الزمن قليلًا. صمت المسرح حين بدأ درويش يتنفس الشعر، وصار عزف سمير يتكوّن على إيقاع الشهيق والزفير. لم ينتظر إشارة، فقد وجد نفسه يقرأ الموسيقى داخل النص نفسه، إلى درجة جعلت درويش يقول للصحافة الفرنسية "هذا الموسيقي يعرف أن يقرأ الصوت داخل القصيدة"، و كانت تلك اللحظة إعلانًا لولادة ثنائية لم تتكرّر.
وحين عزف سمير مقطوعة "مسار"، لأول مرة، نظر إليه درويش طويلًا، كما لو أنه يسمع أثرًا قديمًا في داخله، ثم قال:
" أنت الآن في حالة تصوّف".
لن نفترق ولكننا لن نلتقي
لكنّ محمود درويش رحل… تاركًا منه رائحة الأمسية الأخيرة في جنوب فرنسا شاهدةً على البوح الأخير، قبل ثلاثة أسابيع فقط من الغياب. أمسيةٌ بدت كأنها انتظارٌ أخير لـ"السنابل السبع إن وُجدت"، حيث كان الشعر يودّع الجسد، وتستعدّ الموسيقى لتحمل ما تبقّى من الروح.
في ذلك الفاصل بين الحياة والموت، أم الموت والموت في يقظة الحياة، كان سمير حاضرًا بكامل إنسانيته. حمل نعش محمود درويش بين الجموع، ثم ترك الجموع كلّها خلفه. لم يحتمل الطقس، ولا المشهد، ولا الثقل الرمزي للفقد. هرع إلى خشبة المسرح، كأنّ الحرية وحدها هناك، وبكى… وسكب جرحه في دمع الوتر.
يقول سمير، وهو يستعيد تلك اللحظة الزمن:
أمسكتُ بالجثمان… حملتُ النعش، وقالوا لي: أنتَ الأولى
مشهدٌ يُمسك فيه درويش حيًّا وميتًا في آنٍ واحد، قبل أن ينتهي العازف وحيدًا على المسرح، منهارًا بالبكاء، كأنّ الموسيقى وحدها قادرة على حمل هذا الثقل الإنساني الهائل ليبوح قائلًا:
"ركضتُ لأمسكَ بالجثمان الوحيد في السيارة… كان السائق، وكنتُ في الداخل أحمل محمود درويش، أحمل النعش".
ثم يتابع:
"قال لي إخوة محمود درويش: أنتَ الأولى، فسكبتُ التراب على درويش، وتركتُ الجموع كلّها خلفي… وركضتُ نحو المسرح، وانفجرتُ بالبكاء وحيدًا… كانت من أصعب اللحظات".
بين الموت والحياة، يبحث سمير جبران عن الحب. عن ذلك الخيط الخفي الذي ينساب مع النفس الأخير. يدرك، في لحظة صفاء موجعة، أنك يا موت موت، في كامل جبروته، "هزمتك الفنون جميعها". وأن الموسيقى، حين تكون صادقة، تستطيع أن تواجه الفناء دون أن تدّعي الانتصار إذ يقول:
"إن أردتَ أن تكون شاعرًا… فعليك أن تكون درويشيًا".
ليست دعوة إلى التقليد بالنسبة لسمير، بل إلى موقف أخلاقي وجمالي من العالم، حيث يكون الشعر انحيازًا للإنسان، والموسيقى موازية للكلمة، لا قيدًا عليها.
يقول سمير:
"محمود درويش لم يرحل عني؛ أفكّر فيه كل يوم، في بيتي، في صوتي، وفي كل لحظةٍ من حياتي".
فهل ما زال محمود درويش يتنفّس في الصمت بين نغمتين وفي الكلمة التي تترقّب خبز أمّه في هذا السجن الكبير؟
المزيد في هذه الرحلة الصوتية الدرويشيّة مع سمير جبران، في الملف الصوتي أعلاه.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل وأندرويد.وعلى القناة 304 التلفزيونية.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.


