من الأحلام ما يتحقق.. من الأحلام ما يصعب تحقيقه.. ومن الأحلام.. ما هو مستحيل. قصتنا عن حلم ظنه الكثيرون مستحيلاً.. إلى أن جاءت إيفون غولاغونغ كاولي.
حققت إيفون حلمها في كرة المضرب قبل ولادتي بزمن طويل. لكن إرثها يلهمني على الملعب وخارجه. كامرأة أفخر بانتمائي إلى شعب نغاراغو أعتز بإرثنا المشترك. وبتواضع.. أسير على خطاهاآش بارتي
بهذه الكلمات تصف نجمة التنس الأسترالية آش بارتي التأثير العميق الذي تركته إيفون غولاغونغ كاولي على مسيرتها كلاعبة وكامرأة من سكان أستراليا الأصليين.
فارق السن بين أسطورتي كرة المضرب 45 عاماً.

فماذا حدث ليل الثلاثاء 31 تموز/يوليو عام 1951 في قرية صغيرة بنيو ساوث ويلز وما زال تأثيره حاضراً بقوة حتى اليوم.
الحكاية من البداية
بلدة Barellan في منطقة Riverina جنوب غرب نيو ساوث ويلز تنتظر مولوداً، الأب Ken والأم Melinda فرحان بابنتهما الصغيرة.. أسمياها إيفون.
في زمن "الجيل المسروق"، مستقبل إيفون محفوف بالمخاطر. سياسة الحكومة الأسترالية آنذاك كانت إبعاد أطفال السكان الأصليين عن عائلاتهم ونقلهم إلى معسكرات لتعليمهم وفقاً لما تراه السلطات مناسباً لدمجهم في مجتمع السكان البيض لأستراليا.

كبرت إيفون في منزل يرتجف أطفاله كلما اقترب من بابهم موظف الرعاية الاجتماعية، خوفاً من أن يأخذهم من أهلهم بالقوة.
المنزل كوخ من الصفيح أرضيته ترابية، في هذه القرية الزراعية التي تبعد 450 كيلومتراً عن سيدني، لا يوجد كهرباء.. فقط أحلام.. أحلام صغيرة ستصبح يوماً بحجم أستراليا.
ولد حلمي بعمر الثامنة عندما قرأت في مجلة Princess عن فتاة تجدها سيدة فتدربها وتأخذها إلى مكان يدعى ويمبلدون حيث تلعب مباراة داخل ملعب كبير وساحر وتفوزإيفون غولاغونغ كاولي
تتابع إيفون: "لم أكن أعلم أن هذا المكان موجود فعلاً إلى أن جاء أحدهم وقال لي: هذا المكان حقيقي. إنه في لندن". فكأن ويمبلدون كانت - ومنذ البداية - تنادي "فتاتها الخارقة" كما ستُلقب بعد سنوات.
لم تكن إيفون تملك ثمن مضرب حقيقي. فصنع لها والدها هذا اللوح الخشبي الذي أسمته Bundi، وبه تدربت لسنوات. كانت تضرب الكرة على جدران منزلها.
خصمها – ومعلّمها – كان الجدار. فكأنها من طفولتها كانت تصارع المستحيل.
وذات يوم.. تحقق ما كان مستحيلاً.
صدفة بألف ميعاد
من خلف سياج في نادي Barellan للتنس شاهد Bill Kurtzaman رئيس النادي، إيفون تضرب كرتها على جدار المنزل المجاور لناديه. بعينه الثاقبة رأى فيها موهبة تستحق الرعاية.
سألها إذا كانت ترغب بالانضمام للنادي، فلم تتردد. ومن تلك اللحظة تغير كل شيء.
بسرعة البرق انتشر الخبر. مدرب التنس الشهير فيك إدواردز المقيم في سيدني، قطع مسافة 400 ميل ليرى الطفلة المعجزة بنفسه.

بسرعتها ورشاقتها، كانت غولاغونغ كل ما يحلم به أي مدرب. أقنع فيك إدواردز والديها بالسماح له بأخذ ابنة الـ 14 عاماً إلى سيدني لتلقي التعليم في مدرسة ويلوبي (Willoughby) للبنات.
عام 1965 ضم إدواردز إيفون رسمياً إلى عائلته. حماها من الإهانات العنصرية التي كانت تطال السكان الأصليين. وجعلها تثق بنفسها وموهبتها.
بعد سنة واحدة، فازت ببطولة نيو ساوث ويلز. وفي عام 1967 شاركت في أول بطولة لها على المستوى الوطني. لكن العالم كان ملعبها.. وفيه ستكتب التاريخ.

التاريخ: 1971. هنا المكان الذي حلمت به إيفون منذ كانت في التاسعة. قصة الفتاة التي تأخذها السيدة إلى ويمبلدون لتحقق الفوز في الـ Centre Court أصبحت حقيقة، واسم الفتاة إيفون غولاغونغ.
جدار منزلها حاضر أيضاً.
لاحقاً ستقول: "في كل مرة كنت أضرب الكرة على الجدار كنت أتظاهر بأنني هناك. كلما ذهبت للفراش كنت أحلم باللعب في هذا الملعب الساحر".
جمهور ويمبلدون عشق بطلته. أعطاها لقب Sunshine.. الفتاة الخارقة. فازت غولاغونغ بالكأس لتصبح المصنفة الأولى على العالم وأفضل رياضية للعام.
وتوالت الألقاب، من رولان غاروس في عام 1971 إلى بطولة أستراليا لأربعة أعوام متتالية من 1974 إلى 1977.
عام 1980 فازت مجدداً ببطولة ويمبلدون، بعد تسع سنوات من فوزها الأول لتصنع التاريخ كأول "أم" تفوز باللقب منذ 66 عاماً.

وفي الأوسمة كان لها نصيبها أيضاً. عام 1972 منحتها الملكة إليزابيث وسام الإمبراطورية البريطانية. وقبل ذلك بعام نالت لقب شخصية العام الأسترالية. ومُنحت وسام أستراليا عام 1982.
مسيرتها نحو النجومية كانت قد انطلقت. لكن فرحتها لم تدم طويلاً.
نجاح مجبول بالألم
عام 1991، كين غولاغونغ، والد إيفون، فقد حياته في حادث سيارة. والدتها ميليندا، رحلت عام 1991. الوالدان ذهبا.. لكنهما تركا لإيفون إرثاً ستكتشفه عما قريب.
في جنازة أمها، إيفون التي كانت قد تزوجت من لاعب التنس البريطاني روجر كاولي، التقت العديد من أقاربها من شعب الويرادجوري لأول مرة. هذا اللقاء المؤثر دفع الزوجين لمغادرة الولايات المتحدة حيث كانا يقيمان والعودة إلى كوينزلاند حيث استقرا مع طفليهما كيلي ومورغان.
في السنوات التي ستلي، إيفون ستصبح من أشد داعمي السكان الأصليين والمثل الأعلى للعديد منهم.

عام 2024، وبعد مرور خمسين عاماً على رفعها كأس بطولة أستراليا المفتوحة للمرة الأولى، تم تكريم إيفون غولاغونغ كاولي على مساهماتها الكبيرة لرياضتها ووطنها وتراثها.
اسمها الذي لمع ولا يزال، سيُمنح للاحتفال السنوي لبطولة أستراليا المفتوحة بثقافة الأمم الأولى، الذي سيُعرف اعتباراً من عام 2025 باسم "يوم إيفون غولاغونغ كاولي".
العمر كما يقال، مجرد رقم. والمستحيل كذلك.. مجرد كلمة.. هذا ما أثبته فتاة الريف التي حلمت بالمدينة، وبلوح خشبي، غلبت المستحيل.
أكملوا الحوار عبر حساباتنا على فيسبوك وإنستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على اليوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار من أستراليا والعالم.




