أيام السنة قد تتشابه.. لكن "يوم أستراليا" لا يشبه ما عداه. قصته بدأت قبل أكثر من 230 عاماً مع فيليب آرثر، قائد الأسطول الأول، الذي انطلق من سواحل بريطانيا متجهاً إلى شواطئ نيو ساوث ويلز. مهمته كانت إنشاء مستوطنة لصالح التاج الملكي البريطاني.
لكن، ما قصة "الأسطول الأول"؟ ولماذا سمي كذلك؟
نحن في العام 1788. 11 سفينة ترسو على شواطئ بوتاني باي في نيو ساوث ويلز. الرحلة استغرقت 250 يوماً.
لكن هذه السفن حمولتها غريبة بعض الشيء: 775 سجيناً. ليس هذا فقط.. بل معهم 14 من أولادهم!
معظم هؤلاء السجناء هم من مواطني بريطانيا العظمى. جرائمهم تتراوح بين السرقة وشهادة الزور والاحتيال والاعتداء. لكن مع تكاثر أعدادهم واكتظاظ السجون بهم، أخذت بريطانيا قراراً بإبعادهم إلى ... أستراليا.
وهكذا وصل المستوطنون الأوائل إلى سواحل نيو ساوث ويلز على متن الأسطول الذي سيُعرف لاحقاً باسم "الأسطول الأول".

مهمة الأسطول الأول كانت إنشاء مستوطنة لصالح التاج الملكي البريطاني. Credit: Ramy Aly
لذلك قرر آرثر فيليب البحث عن مكان آخر. وبعد عملية بحث شاقة لم تخلُ من المخاطر، وصلت سفن الأسطول الأول إلى سيدني كوف أو خليج سيدني حيث تم إنشاء المستوطنة الأولى لتكون نواة دولة أستراليا الفتية.
كان ذلك يوم السبت 26 كانون الثاني/يناير. وهذا اليوم أصبح يُعرف بـ "يوم أستراليا".
لكن القصة لا تنتهي هنا. وفصولها ستصبح أكثر تشويقاً كلما تقدم بنا الزمن.
هذه هي قصة أستراليا - قصة أمة غير عادية
القصة بدأت منذ مئات السنين، وأول احتفالات بيوم أستراليا تعود إلى عام 1808.
لكن الولايات والمقاطعات الأسترالية لم تعتمد جميعها اسم "يوم أستراليا" أو Australia Day إلا في عام 1935.
في هذا اليوم - الذي أصبح عطلة رسمية عام 1994 - يخرج الأستراليون إلى الحدائق لإقامة حفلات الشواء وإلى المسارح لحضور العروض الموسيقية.

يخرج الأستراليون في "يوم أستراليا" إلى الحدائق لإقامة حفلات الشواء وإلى المسارح لحضور العروض الموسيقية. Credit: Ivanko_Brnjakovic/Getty Images/iStockphoto
في هذا اليوم يتم الإعلان عن شخصيات العام الأسترالية.
في هذا اليوم تقام احتفاليات منح الجنسية لترحب أستراليا بأكثر من 16 ألف مواطن جديد يقسمون لها الولاء.
في هذا اليوم تمتلئ الساحات وتتزيّن بالأعلام والأضواء واللافتات.
لكن في هذا اليوم أيضاً .. تنطلق الاحتجاجات!
يوم الغزو
يوم أستراليا لا يسميه الجميع هكذا.
آخرون، وعلى رأسهم بعض السكان الأصليين، يعتبرونه "يوم الغزو" و"يوم الحداد". اليوم الذي انتزعت منهم أرضهم بالقوة.
يسمونه أيضاً "يوم البقاء"، تعبيراً عن صمودهم على مر السنين.
ويعبّرون عن ذلك بمراسم وتظاهرات يدعون فيها لتغيير تاريخ Australia Day إلى يوم آخر أو إلغائه بالكامل.

يعبّر بعض السكان الأصليين عن اعتراضهم على "يوم أستراليا" بمراسم وتظاهرات يدعون فيها لتغيير تاريخه أو إلغائه بالكامل. Credit: Alexi Rosenfeld
لذلك من غير المستغرب أن يثير الجدل وحتى الانقسام داخل المجتمع الأسترالي.
وبالفعل، أعلنت بعض المجالس البلدية نيتها إلغاء الاحتفالات بهذا اليوم.
فيكتوريا ثاني كبرى الولايات الأسترالية، ألغتها عام 2023.
ومع مطلع عام 2024، أعلنت متاجر كبرى أنها لن تبيع بعد اليوم منتجات خاصة بيوم أستراليا.
والجدل حتماً باقٍ.. ولن ينتهي قريباً.
لكن Australia Day يبقى رغم كل شيء أفضل مناسبة للتلاقي، للاعتراف بالآخر، لإيجاد قواسم مشتركة بين مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات، رغم كل اختلافاتهم، في وطن واحد يتفق الجميع على اسمه وعلى حبه.. أستراليا.




