للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
أهلا بكم! في حلقة جديدة من بودكاست مشوار من أستراليا، سأصحبكم أنا دينا عبد المجيد في رحلة عبر الزمان والمكان لاكتشاف أحد أهم الحكايات التي شكّلت أستراليا كما نعرفها اليوم.
وجهتنا اليوم إلى أقصى شمال شرق ولاية كوينزلاند، إلى بلدة صغيرة في حجمها، كبيرة في تاريخها… إنها كوك تاون.
قد يوحي الاسم بأنها مجرد محطة في رحلة الكابتن جيمس كوك، ولكن الحقيقة أن كوك تاون هي أكثر من ذلك بكثير.
إنها بلدة شكلت نقطة التقاء بين حضارة السكان الأصليين القديمة والاستكشاف الأوروبي، حيث تلتقي الغابة المطيرة بالشعاب المرجانية.
لنعد إلى ما قبل عام 1770، حين كانت هذه الأرض موطنًا لشعب غوغو يميثير (Guugu Yimithirr)، أحد شعوب السكان الأصليين الذين عاشوا في هذه المنطقة لآلاف السنين.
كانوا يعيشون بتناغم تام مع الطبيعة، يتنقلون مع الفصول، وينقلون معارفهم عبر الأجيال بلغة غنية، وفنون عريقة، وتقاليد راسخة.
ومن هذه اللغة تحديدًا، سُجّلت أول مرة تُذكر فيها كلمة "كانغرو" في التاريخ، عندما دونها بحارة كوك نقلاً عن كلمة غانغورو بلغة السكان الأصليين.
لماذا أقام فيها كابتن كوك؟
في عام 1770، وبعد أن اصطدمت سفينة إنديفر بالشعاب المرجانية، لجأ كابتن كوك إلى مصب نهر أُطلق عليه لاحقًا اسم نهر إنديفر لإصلاح الأضرار.
مكث هو وطاقمه في كوك تاون 48 يومًا، وهي أطول مدة قضوها في أستراليا.

وخلال هذه الفترة، حدثت أولى لحظات التواصل، بل وأحيانًا التوتر، بين الثقافتين. كانت هناك لحظات من الفضول، وأخرى من الفهم، وسُجّلت كلمات، ورُسمت مشاهد، وتكوّنت بدايات حوار حضاري.
ثم جاء عام 1873، ومعه حُمّى الذهب.
اكتشاف الذهب في نهر بالمر حوّل كوك تاون إلى مركز يعجّ بالباحثين عن الثراء.
ازدحمت البلدة بالسفن والحانات والبنوك، وبلغ عدد سكانها ما يُضاهي مدنًا كبرى.
لكن هذا الازدهار لم يأتِ دون ثمن. فقد واجه السكان الأصليون تهجيرًا قسريًا، وضياعًا للأراضي، وصدمات ثقافية واجتماعية هائلة.
ومع تراجع مناجم الذهب، تراجعت كوك تاون. اندلعت فيها حرائق، واجتاحتها الأعاصير، وفقدت الكثير من سكانها.
حيث تلتقي حضارتان
ما يميز كوك تاون اليوم هو شجاعتها في مواجهة تاريخها بكل صراحة.

في موقع صخور المصالحة (Reconciliation Rocks)، يُعتقد أنه حدث أول فعل للمصالحة بين السكان الأصليين والمستعمرين الأوروبيين.
وفي متحف كابتن كوك، لا تُعرض فقط مغامرات البحّار الشهير، بل تُروى أيضًا قصص المبشرين، والباحثين عن الذهب، ومجتمع غوغو يميثير المحلي.
وفي شهر يونيو من كل عام، تحتفل البلدة بمهرجان اكتشاف كوك تاون (Cooktown Discovery Festival)، الذي يجمع بين عروض تمثيلية وفعاليات ثقافية وفنية.
وما يميّز المهرجان مؤخرًا هو إشراكه المتزايد لصوت السكان الأصليين، مما يجعل القصة أكثر اكتمالًا وإنصافًا.
ماذا يمكن للزائر أن يفعل في كوك تاون اليوم؟
يمكن للزوار الاستمتاع بالحدائق النباتية التي تأسست عام 1878 ما تزال تنبض بالحياة والنباتات النادرة. ويمكنهم أيضا الصعود إلى تل جراسي هيل حيث وقف كوك بنفسه ليرى الشعاب المرجانية، أو الانطلاق بسيارة رباعية الدفع نحو المحميات الطبيعية والشواطئ البكر.
وهناك، على مقربة من البلدة توجد غابة دينتري المطيرة والحاجز المرجاني العظيم.
أما عشّاق التاريخ والثقافة، فسيجدون ما يدهشهم.
يوجد في كوك تاون جدار ميلبي، وهو لوحة فسيفسائية رائعة تروي حكايات الشعوب الأصلية — من الأسطورة إلى الاستعمار.
ولكن كيف يُنظر اليوم إلى التاريخ الاستعماري للبلدة؟
البعض يراه قصة استكشاف وإنجاز والبعض الآخر يراه مأساة قهر وتهجير، ولكن المميز هنا أن كوك تاون لا تُحاول طمس هذه التناقضات. بل تُتيح لك أن تسمع كل الروايات، وتكوّن رأيك بنفسك.
كوك تاون أشبه بمرآة صغيرة تعكس صورة أستراليا الكبرى — تعقيدها، تاريخها، وتحوّلاتها. مكان التقى فيه عالمان وما زالا يتعلمان كيف يعيشان جنبًا إلى جنب.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك وانستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




