مشوار إلى Naracoorte Caves.. حيث تحوّلت مصيدةٌ طبيعية للحيوانات العملاقة إلى كنز علمي يكشف تاريخ أستراليا

Naracoorte-cave.jpg

في جنوب شرق ولاية جنوب أستراليا، وعلى بُعد نحو ثلاث ساعات بالسيارة من أديلايد، تبدو بلدة ناراكورت الريفية هادئة كغيرها من مناطق السهول الزراعية. طرق مستقيمة، مزارع مفتوحة، وأفق واسع. لكن تحت هذه الأرض مباشرةً، يوجد أحد أهم المواقع الأحفورية في العالم: Naracoorte Caves، الموقع المُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1994. هذه الكهوف ليست مجرد تشكيلات حجرية جميلة، بل سجلّ جيولوجي وأحفوري يوثّق فصولًا حاسمة من تاريخ الحياة في أستراليا.


للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.

تعود أصول Naracoorte إلى مئات آلاف السنين، حين كانت المنطقة مغمورة ببحرٍ ضحل. تراكمت طبقات من الحجر الجيري عبر الزمن، ثم بدأت مياه الأمطار، مع تغيّر المناخ وانحسار البحر، بالتسرّب عبر الشقوق، مذيبة الحجر الجيري ببطء شديد.

ومع مرور الوقت، تشكّلت شبكة من الكهوف تحت الأرض، تضم اليوم أكثر من 20 كهفًا معروفًا، بعضها مفتوح للزوار، وبعضها مخصص للأبحاث العلمية.

الحرارة داخل الكهوف تبقى شبه ثابتة طوال العام، بحدود 15 درجة مئوية تقريبًا، ما يخلق بيئة مستقرة ساعدت على حفظ الأحافير في حالة استثنائية.

لماذا تُعد Naracoorte موقعًا عالميًا؟

التميّز الحقيقي لهذه الكهوف لا يكمن فقط في تكويناتها الصخرية، بل في محتواها الأحفوري. فقد كشفت أعمال التنقيب التي تكثّفت خلال القرن العشرين عن طبقات غنية بعظام حيوانات من حقبة تُعرف باسم "الميغافونا" — وهي الحيوانات العملاقة التي عاشت في أستراليا حتى نحو 40–50 ألف سنة مضت.

Naracoorte_Caves_National_Park_-_South_Australia_-_3547933089.jpg

من أبرز ما عُثر عليه:

  • Diprotodon: أكبر حيوان جرابي عرفه العالم، ويُقارن حجمه بفرس النهر.
  • Thylacoleo carnifex: المفترس المعروف باسم "الأسد الجرابي".
  • أنواع ضخمة من الكناغر والزواحف المنقرضة.

تُعد Naracoorte من أغنى مواقع الميغافونا في العالم من حيث تنوّع الأحافير وجودة حفظها، ما جعلها مرجعًا علميًا لفهم تطور الحياة في القارة الأسترالية.

لغز اختفاء الحيوانات العملاقة

توفّر الكهوف تسلسلًا طبقيًا دقيقًا سمح للعلماء باستخدام تقنيات التأريخ بالكربون المشع وتحليل الرواسب لتتبّع فترات ازدهار هذه الحيوانات وانقراضها.

ولا يزال السؤال مطروحًا:

هل كان تغيّر المناخ في نهاية العصر الجليدي هو السبب؟

أم أن وصول البشر الأوائل إلى أستراليا قبل نحو 65 ألف سنة لعب دورًا في تسريع الانقراض؟

Naracoorte ساهمت بشكل كبير في هذا النقاش العلمي، إذ توفّر أدلة زمنية مهمة لفهم التحولات البيئية الكبرى التي شهدتها القارة.

الحياة داخل الكهوف اليوم

رغم أن الحيوانات العملاقة اختفت منذ آلاف السنين، فإن الكهوف لا تزال موطنًا لكائنات حية، أبرزها مستعمرات من خفافيش Southern Bent-wing Bat، وهو نوع مهدد بالانقراض يستخدم بعض الكهوف كملاجئ موسمية.

المنطقة المحيطة أيضًا تُعد جزءًا من محمية طبيعية تحافظ على التنوع البيولوجي المحلي، ما يجعل الموقع ذا قيمة بيئية إلى جانب قيمته التاريخية والعلمية.

تجربة الزيارة

زيارة Naracoorte اليوم منظّمة ومناسبة لمعظم الأعمار. من أبرز الكهوف المفتوحة للجمهور:

  • Victoria Fossil Cave: أشهر الكهوف الأحفورية.
  • Alexandra Cave: المعروف بتشكيلاته الكلسية المتنوعة.

الجولات الإرشادية تستغرق عادةً بين 45 دقيقة وساعة، ويشرح المرشدون التفاصيل الجيولوجية والعلمية بلغة مبسطة. تتوفر أيضًا جولات مغامرة أكثر تحدّيًا للراغبين في تجربة مختلفة.

Fossils_at_Naracoorte.jpg

الأسعار المعلنة حديثًا للجولات القياسية تبدأ من نحو 20 إلى 30 دولارًا أستراليًا للبالغين، مع خيارات عائلية وخصومات للأطفال، ويُفضّل الحجز المسبق خلال المواسم السياحية.

لماذا تستحق الزيارة؟

Naracoorte Caves ليست أعلى جبل ولا أشهر شاطئ في أستراليا، لكنها واحدة من أهم المواقع لفهم التاريخ العميق للقارة. إنها مكان يُذكّر بأن ما نراه فوق السطح ليس سوى فصلٍ صغير من قصة أطول بكثير.

تحت طبقات الحجر الجيري، تختبئ آثار حياة امتدت لملايين السنين. وحين ينطفئ الضوء داخل الكهف للحظة، يدرك الزائر كم تغيّر العالم منذ أن كانت هذه الممرات موطنًا لحيوانات عملاقة جابت أستراليا قبل آلاف السنين.

للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغط على الرابط التالي.

أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.

اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.

spk_0

على بعد نحو ثلاث ساعات بالسيارة من مدينة أديلايد، وفي جنوب شرق ولاية جنوب أستراليا، تقع منطقة هادئة تبدو للوهلة الأولى ريفًا أستراليًا عاديًا؛ مزارع، طرق ريفية، وسماء مفتوحة. لكن تحت هذه الأرض مباشرة يوجد أحد أهم المواقع الأحفورية في العالم.

spk_0

حلقة جديدة من مشوار، معي أنا ريان برهوم، نذهب فيها إلى ناراكورت كايفز، الموقع المُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث لا تروي الصخور قصة ملايين السنين فحسب، بل تضعك وجهًا لوجه أمام أستراليا التي سبقت البشر بآلاف القرون.

spk_0

قبل نحو خمسمائة ألف سنة، كانت هذه المنطقة مغمورة ببحرٍ ضحل. تراكمت طبقات من الحجر الجيري عبر العصور، ومع انحسار المياه وتغير المناخ، بدأت مياه الأمطار تتسرّب عبر الشقوق، فتُذيب الحجر ببطء شديد، وتُشكّل شبكة من الكهوف تحت الأرض.

spk_0

اليوم تضم ناراكورت أكثر من عشرين كهفًا معروفًا، بعضها مفتوح للزوار، وبعضها لا يزال مخصّصًا للأبحاث العلمية.

spk_0

ما يجعل ناراكورت مختلفة عن كهوف كثيرة في أستراليا ليس جمال التشكيلات الصخرية فقط، بل ما وُجد داخلها. في أواخر القرن التاسع عشر بدأ اكتشاف عظام غريبة في بعض الكهوف، لكن الأبحاث المنهجية لم تنطلق فعليًا إلا في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم تكثّفت في العقود اللاحقة.

spk_0

ما اكتشفه العلماء كان مذهلًا. الكهوف كانت عبر آلاف السنين مصائد طبيعية؛ حيوانات تسقط في فتحات مخفية، أو تلجأ إليها، أو تُسحب إليها من مفترسات. ومع الوقت تراكمت طبقات من العظام والرواسب محفوظة بشكل استثنائي.

spk_0

هنا عُثر على بقايا حيوانات من حقبة تُعرف بالميغافونا، وهي الحيوانات الضخمة التي جابت أستراليا قبل نحو أربعين إلى خمسين ألف سنة، من بينها الديبرُوتودون، أكبر جرابي عرفه العالم، بحجمٍ يقارب فرس النهر.

spk_0

وكذلك ثيلاكوليو، المفترس المعروف باسم الأسد الجرابي، وكناغر عملاقة، وزواحف أكبر بكثير من نظيراتها الحالية. تُعد هذه الكهوف من أغنى مواقع الميغافونا في العالم من حيث تنوّع الأحافير وجودة حفظها.

spk_0

لكن لماذا اختفت هذه الحيوانات؟ العلماء لا يزالون يناقشون ذلك. هل كان السبب تغيّر المناخ في نهاية العصر الجليدي، أم وصول البشر الأوائل إلى أستراليا قبل نحو خمسةٍ وستين ألف سنة وما رافقه من صيد وضغط بيئي؟ ناراكورت تلعب دورًا مهمًا في هذا النقاش العلمي.

spk_0

فمن خلال التسلسل الزمني الدقيق لطبقات الرواسب، واستخدام التأريخ بالكربون المشع وتحليل الطبقات، استطاع الباحثون تتبّع فترات ازدهار واختفاء الأنواع. بمعنى آخر، هذه الكهوف ليست متحفًا ساكنًا، بل مختبر حي لفهم كيف تغيّر وجه القارة.

spk_0

ورغم أن الميغافونا انقرضت، فإن الكهوف اليوم ليست فراغًا. ناراكورت موطنٌ لمستعمرات من خفافيش بنت وينغ الجنوبية، وهي نوع مهدّد بالانقراض. آلاف الخفافيش تستخدم بعض الكهوف كملاجئ موسمية، كما تحتوي المنطقة المحيطة على تنوّع بيولوجي غني، ما يجعلها ليست فقط موقعًا تاريخيًا بل بيئة طبيعية حيّة.

spk_0

زيارة ناراكورت ليست مغامرة خطرة، بل تجربة منظمة ومناسبة لجميع الأعمار. أشهر الجولات تُقام داخل فيكتوريا فوسيل كيف، الكهف الأحفوري الأشهر، وألكسندرا كيف المعروف بتشكيلاته الكلسية الجميلة. الجولات الإرشادية عادة تستغرق بين خمسٍ وأربعين دقيقة وساعة، بقيادة مرشدين يشرحون التفاصيل العلمية بلغة مبسطة.

spk_0

توجد أيضًا تجارب أكثر تحديًا لمن يرغب، مثل جولات المغامرة التي تتطلب انحناءً وزحفًا في بعض المواقع. الأسعار مناسبة، ويُنصح دائمًا بالحجز المسبق خلال المواسم السياحية. ماذا عن الملابس؟ يُفضَّل ارتداء جاكيت خفيف حتى في الصيف، حيث تنخفض الحرارة داخل الكهوف إلى ما يقارب خمس عشرة درجة مئوية طوال العام، إضافة إلى أحذية مريحة غير قابلة للانزلاق.

spk_0

عام 1994 أُدرجت ناراكورت كايفز ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو إلى جانب ريفرزلي في كوينزلاند، باعتبارهما من أهم مواقع الأحافير الثديية في العالم. السبب لم يكن الجمال الطبيعي فقط، بل القيمة العلمية العالمية للموقع ودوره في فهم تطور الحياة في القارة الأسترالية.

spk_0

ناراكورت واحدة من الأماكن التي تجعلك تعيد التفكير في الزمن نفسه. تحت طبقات الحجر تختبئ قصة قارة كاملة، وحين تنزل بضع عشرات من الأمتار تحت الأرض تفهم أن أستراليا ليست فقط ما نراه فوق السطح، بل أيضًا ما احتفظت به في صمت طويل.

spk_0

كان هذا مشوارنا اليوم إلى ناراكورت كايفز… حيث تخبّئ الأرض تاريخها.

END OF TRANSCRIPT

شارك

تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now