للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.
من ضفاف نهر دجلة في بغداد، حيث اعتادت العائلات الاجتماع حول نار الحطب، إلى مطاعم ملبورن التي أعادت إحياء هذا التقليد، يواصل المسكوف العراقي رحلته عبر الزمن والجغرافيا.
التقينا صاحب مطعم بغداد في ملبورن، الفنان والملحن بسام بولص، أحد القلائل الذين ما زالوا يحضّرون المسكوف بالطريقة التقليدية المعروفة في العراق.

سمك المسكوف من أشهر الأكلات العراقية، ومن الصعب أن تستغني عنه العائلة العراقية. أقل شيء بالأسبوع لازم تكون عندهم وجبة سمكصاحب مطعم بغداد في ملبورن، الفنان والملحن بسام بولص
المسكوف ليس مجرد سمك مشوي. إنه طقس اجتماعي ارتبط بالحياة اليومية في بغداد لقرون. تقليديًا يُحضّر من سمك الشبوط (الكارب النهري)، حيث تُفتح السمكة على شكل فراشة وتُثبت على أوتاد خشبية مقابل نار الحطب، لتُنضج ببطء أمام اللهب لا فوقه.
طريقة تختلف عن أي شواء آخر
ما يميز المسكوف عن طرق الشواء التقليدية، سواء في العالم العربي أو في ثقافة الـBarbecue الأسترالية، أنه لا يُطهى مباشرة فوق الجمر، بل يُعرّض لحرارة غير مباشرة وبطيئة قد تستغرق ساعة أو أكثر. هذه التقنية تمنح اللحم طراوة ونكهة مدخنة متوازنة.

يشرح بولص الفرق قائلاً: "السمك المسكوف العراقي يختلف بطريقة طهيه وترتيبه. ما يصير تسويه غير على الفحم والحطب. إذا مو حطب، الطعم ما يطلع مثل ما إحنا متعودين."
ويضيف أن الوقت عنصر أساسي في نجاح الطبق:
"السمكة إذا ما تنحط على نار هادئة وتاخذ وقتها، ما تطلع طيبة، الاستعجال يخرب الطعم."
حضور عراقي في أستراليا
بحسب بيانات التعداد السكاني الأسترالي لعام 2021، يعيش في أستراليا أكثر من 90 ألف شخص من أصول عراقية، وتُعد ملبورن من أبرز المدن التي تضم جالية عراقية كبيرة. ومع انتقال الجاليات، انتقلت معها تقاليدها الغذائية.
ويشير بولص إلى أن الإقبال لا يقتصر على العراقيين فقط:
"يجون أستراليين من أماكن بعيدة يسمعون بالمسكوف ويجربوه. من يجربه، يرجع مرة ثانية."
بل إن بعض الأيام، بحسب قوله، قد يصل عدد الأسماك التي تُحضّر في المطعم إلى عشرات يوميًا، ما يعكس حضور هذا الطبق في المشهد الغذائي المحلي.
كيف يُحضَّر المسكوف العراقي بالطريقة التقليدية؟
يُحضَّر المسكوف تقليديًا من سمك الشبوط (الكارب النهري)، وهو سمك شائع في نهري دجلة والفرات ويتميّز بلحم متماسك يتحمّل الطهي البطيء. تبدأ العملية بتنظيف السمكة جيدًا وإزالة الأحشاء من دون فصل الرأس، ثم تُفتح طولياً من جهة الظهر لتأخذ شكل “الفراشة”، بحيث تبقى قطعة واحدة متصلة.
بعد ذلك، تُشقّ عدة فتحات خفيفة في الجلد واللحم على الجانبين ليسمح ذلك بتغلغل الحرارة والملح. يُرش الملح الخشن داخل السمكة وعلى سطحها الخارجي، وأحيانًا يُضاف قليل من الفلفل أو عصير الليمون. في بعض المناطق العراقية تُدهن السمكة بطبقة خفيفة من صلصة الطماطم أو دبس الرمان قبل الشواء، لكن الطريقة البغدادية الكلاسيكية تكتفي بالملح للحفاظ على النكهة الأصلية.

اقرأ المزيد
السمك المسكوف وسر المصلحة التجارية الناجحة
تُثبّت السمكة المفتوحة على أوتاد خشبية أو شبكة معدنية، وتوضع عموديًا مقابل نار حطب مشتعلة، لا فوق الجمر مباشرة. هذه الحرارة غير المباشرة تسمح بنضج السمكة ببطء، وقد تستغرق العملية ما بين 45 دقيقة إلى ساعة أو أكثر، بحسب حجم السمكة وقوة النار. في المرحلة الأخيرة، تُقرّب السمكة من الجمر لبضع دقائق لتحمير الجلد وإعطائه قوامًا مقرمشًا خفيفًا.
يُقدَّم المسكوف تقليديًا مع الخبز العراقي الحار، وطبق من “العمبة” (صلصة المانغا المتبلة)، والطرشي (المخللات)، والبصل، والطماطم المشوية، وأحيانًا يُضاف عصير الليمون حسب الرغبة.
أكثر من مجرد وجبة
المسكوف في العراق ارتبط بالسهرات الطويلة على ضفاف دجلة، حيث يُؤكل ببطء ويُشارك بين الجالسين. وبحسب بولص، حاول نقل هذا الطابع إلى ملبورن أيضًا:
"مطاعمنا بالعراق كانت مطاعم سهرات… تقعد تاكل سمك وتمضي وقت طويل. حبيت أنقل هاي الأجواء لهنا."
من بغداد إلى ملبورن، لم تنتقل وصفة فقط، بل انتقلت ذاكرة كاملة. نار المسكوف التي كانت تشتعل على ضفاف دجلة، ما زالت تجد مكانًا لها اليوم في قلب مدينة أسترالية حديثة حاملة معها طعم بلاد الرافدين ودفء اللقاء.
استمعوا إلى اللقاء كاملاً في الرابط الصوتي أعلاه.
أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك و انستغرام.
اشتركوا في قناة SBS Arabic على YouTube لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.




