مشوار إلى Snowy Mountains Scheme.. أعظم مشروع هندسي في تاريخ أستراليا بناه المهاجرون

Snowy Mountains Hydro Plant

Snowy Mountains Hydro Plant Credit: ABC

في أعالي جبال الألب الأسترالية، بعيدًا عن المدن الساحلية الصاخبة، يمتد أحد أهم المشاريع الهندسية في تاريخ البلاد: مشروع سنوي ماونتنز الكهرومائي، الذي لم يغيّر فقط طريقة إدارة المياه والطاقة في أستراليا، بل أصبح أيضًا رمزًا لمرحلة تاريخية شكّلت ملامح المجتمع الأسترالي الحديث.


للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغطوا على الرابط التالي.

بدأ المشروع رسميًا عام 1949، بعد سنوات من النقاش حول كيفية الاستفادة من مياه نهر سنوي التي كانت تتجه شرقًا نحو البحر، في وقت كانت فيه البلاد بحاجة متزايدة للكهرباء وتوسيع الأراضي الزراعية. الهدف كان طموحًا: توليد الطاقة الكهرومائية وتحويل جزء من المياه إلى الداخل لريّ الأراضي الزراعية في ولايتي نيو ساوث ويلز وفيكتوريا.

قاد المشروع المهندس السير ويليام هدسون، وتحول بسرعة إلى ورشة بناء ضخمة في قلب الجبال. وعلى مدى نحو ربع قرن من العمل حتى اكتماله عام 1974، شارك في بنائه أكثر من 100 ألف عامل قدموا من أكثر من 30 دولة، في واحدة من أكبر موجات العمل متعددة الجنسيات في تاريخ أستراليا.

مشروع هندسي ضخم

عند اكتماله، شمل المشروع 16 سدًا رئيسيًا و7 محطات كهرومائية، إضافة إلى شبكة واسعة من الأنفاق والقنوات تمتد لمئات الكيلومترات عبر الجبال. سمحت هذه البنية بتحويل المياه بين الأحواض النهرية وتوليد الكهرباء قبل استخدامها في الزراعة، ما جعل المشروع عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الأسترالي لعقود.

The Tumut 3 power station at the Snowy Hydro Sceme in Tablingo
Source: AAP

لكن المشروع لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل قصة إنسانية أيضًا.

ففي مخيمات العمل الجبلية النائية، عاش العمال في ظروف قاسية من بردٍ شديد وأعمال حفر خطرة داخل الأنفاق. وتشير السجلات الرسمية إلى أن 121 عاملًا فقدوا حياتهم أثناء البناء، ما يعكس حجم التضحيات التي رافقت هذا الإنجاز.

رمز للهجرة والتعدد الثقافي

يُنظر إلى مشروع سنوي ماونتنز اليوم بوصفه أحد أبرز رموز مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في أستراليا، حين بدأت البلاد تستقبل أعدادًا كبيرة من المهاجرين. وقد أسهم المشروع في ترسيخ فكرة المجتمع متعدد الثقافات، إذ عمل فيه أشخاص من خلفيات لغوية وثقافية مختلفة جنبًا إلى جنب، وأسهم كثير منهم لاحقًا في بناء حياتهم واستقرارهم في أستراليا.

ولا تزال أهمية المشروع مستمرة حتى اليوم، مع تطويرات حديثة مثل مشروع Snowy 2.0 الذي يهدف إلى تعزيز قدرة التخزين وتوفير طاقة متجددة إضافية لشبكة الكهرباء الوطنية.

ماذا يمكن أن يرى الزائر اليوم؟

لم تعد منطقة سنوي ماونتنز مجرد موقع صناعي، بل أصبحت وجهة سياحية تجمع بين الطبيعة والتاريخ والهندسة.

Former prime minister Robert Menzies opening the first power station in Snowy
Former prime minister Robert Menzies opening the first power station in Snowy Source: Supplied

يمكن الوصول إلى المنطقة بسهولة نسبيًا من كانبيرا خلال ساعتين إلى ثلاث ساعات بالسيارة، وتُعد بلدات مثل Jindabyne وTumut نقاط انطلاق رئيسية لاستكشاف الجبال والبحيرات والسدود.

توفر بحيرة Jindabyne مثلًا فرصًا للرياضات المائية وصيد السمك والمشي حول المياه في الصيف، بينما تتحول المنطقة في الشتاء إلى بوابة رئيسية لمنتجعات التزلج في Perisher وThredbo.

NFSA.
L'attore australiano Snowy Baker. Credit: National Film and Sound Archive (NFSA).

أما للراغبين في معرفة تاريخ المشروع، فيمكن زيارة Snowy Scheme Museum في بلدة Adaminaby، حيث تُعرض صور ووثائق وأدوات من فترة البناء، إلى جانب شهادات عن حياة العمال الذين شاركوا في المشروع.

متى تزور وكم التكلفة؟

يُعد الصيف، من ديسمبر إلى مارس، الوقت الأنسب للمشي والتخييم والأنشطة الخارجية، بينما يجذب الشتاء من يونيو إلى أغسطس عشاق التزلج والثلوج.

دخول المنطقة نفسها مجاني، لكن أسعار الإقامة في بلدات الجبال قد تتراوح تقريبًا بين 120 و250 دولارًا أستراليًا لليلة الواحدة للفنادق المتوسطة، وترتفع في موسم التزلج.

وينصح الزوار بالتخطيط المسبق للرحلة، خصوصًا في الشتاء، والتأكد من حالة الطرق والطقس، لأن بعض المسارات قد تُغلق بسبب الثلوج.

للاستماع إلى أحدث التقارير الصوتية والبودكاست، اضغط على الرابط التالي.

أكملوا الحوار على حساباتنا على فيسبوك SBSArabic24 ومنصة X وانستغرام.

اشتركوا في قناة SBS Arabic على يوتيوب لتشاهدوا أحدث القصص والأخبار الأسترالية.

spk_0

في أعالي جبال الألب الأسترالية، حيث الشتاء طويل والقمم مغطاة بالثلج معظم العام. تبدو الطبيعة هادئة اليوم إلى حد يصعب معه تخيّل أنها كانت يومًا مسرحًا لأحد أكبر مشاريع البناء في تاريخ أستراليا.

spk_0

مشروع لم يغيّر الجبال فقط، بل غيّر مستقبل بلد كامل.

spk_0

حلقة جديدة من مشوار يقدمها لكم ريان برهوم.

spk_0

القصة بدأت بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كانت أستراليا في أواخر الأربعينيات تبحث عن طريق للنمو. مصانع تحتاج إلى كهرباء، ومزارع تحتاج إلى مياه، ودولة تريد أن تستقبل موجات جديدة من المهاجرين لإعادة بناء اقتصادها.

spk_0

في تلك اللحظة، عاد إلى الواجهة حلم قديم كان مطروحًا منذ أواخر القرن التاسع عشر: تحويل جزء من مياه نهر سنوي من الساحل الشرقي إلى الداخل الجاف لتوليد الطاقة وريّ الأراضي الزراعية. لكن ما بقي لعقود فكرة على الورق تحوّل أخيرًا إلى قرار سياسي حاسم.

spk_0

في عام 1949 أقرّ البرلمان الأسترالي إنشاء هيئة مشروع سنوي ماونتنز الكهرومائي، وأسند قيادة المشروع إلى المهندس البريطاني المولد السير ويليام هدسون، الذي أصبح الشخصية المحورية في هذه الملحمة الهندسية. كان ويليام معروفًا بدقته الشديدة وانضباطه الصارم، وقد قاد المشروع بروح أقرب إلى قيادة حملة وطنية.

spk_0

غير أن المشروع لم يكن مجرد مخططات هندسية، بل كان قصة بشر قبل أي شيء آخر.

spk_0

وخلال سنوات قليلة بدأت الجبال تستقبل عمالًا من كل أنحاء العالم. أكثر من 100000 عامل شاركوا في المشروع على مدى فترة البناء، قدموا من أكثر من 30 دولة. كان بينهم أوروبيون من إيطاليا واليونان وألمانيا والنمسا، كما ضم المشروع مهاجرين من أنحاء العالم، إضافة إلى الأستراليين المحليين. كثير منهم كانوا

spk_0

لاجئين أو نازحين بعد الحرب يبحثون عن بداية جديدة وحياة مستقرة. في تلك الجبال النائية نشأت بلدات مؤقتة ومخيمات عمل تحولت إلى مجتمعات صغيرة متعددة اللغات والثقافات. كانت الحياة صعبة: برد قاسٍ، طرق وعرة وأعمال حفر في الصخور العميقة. أحيانًا كان العمال يعملون

spk_0

داخل أنفاق طويلة تحت الجبال، حيث الضجيج والرطوبة والخطر الدائم. ومع ذلك كانت تلك السنوات أيضًا لحظة تأسيس لمرحلة جديدة في تاريخ أستراليا، إذ أصبح المشروع رمزًا مبكرًا لفكرة المجتمع متعدد الثقافات الذي تشكّل لاحقًا. أما على المستوى الهندسي، فقد كان التحدي هائلًا. لم تكن هناك طرق كافية في المنطقة

spk_0

عند بدء العمل، فاضطرت الفرق أولًا إلى بناء البنية الأساسية: طرق وجسور وخطوط نقل ومساكن للعمال، قبل أن تبدأ المرحلة الأهم وهي شق الأنفاق وبناء السدود. وعلى مدى نحو 25 عامًا من العمل بين 1949 و1974

spk_0

تحولت الجبال إلى ورشة عملاقة. تم إنشاء 16 سدًا رئيسيًا و7 محطات كهرومائية ومحطتي ضخ وأكثر من 225 كيلومترًا من الأنفاق والقنوات والأنابيب لنقل المياه عبر سلاسل الجبال.

spk_0

الفكرة الجوهرية كانت تحويل المياه من حوض نهر سنوي الذي يتجه شرقًا نحو البحر إلى حوضي نهر موراي ونهر مورومبيدجي غربًا،

spk_0

بحيث تُستخدم المياه أولًا لتوليد الكهرباء ثم لريّ الأراضي الزراعية. لم تكن المهمة سهلة. واجه المشروع انهيارات صخرية، فيضانات مفاجئة وعواصف ثلجية قاسية. وتشير السجلات الرسمية إلى أن أكثر من مئة عامل فقدوا حياتهم أثناء البناء، ما يذكّر بأن هذا الإنجاز لم يكن خاليًا من التضحيات.

spk_0

لكن رغم الصعوبات بدأ الحلم يتحقق تدريجيًا. في عام 1955 دخلت أول محطة كهرومائية الخدمة لتبدأ أستراليا بجني ثمار المشروع.

spk_0

ومع مرور الستينيات، تحول المشروع إلى رمز وطني للفخر الهندسي والتنمية الاقتصادية، وظهر في الإعلام بوصفه أحد أعظم إنجازات البلاد. وعندما أُعلن رسميًا اكتمال المشروع عام 1974، كانت النتيجة شبكة ضخمة من السدود والأنفاق غيّرت إدارة المياه والطاقة في جنوب شرق أستراليا. ساهم المشروع منذ ذلك الحين في توفير جزء مهم من الطاقة

spk_0

الكهرومائية في سوق الكهرباء الوطني، كما دعم ريّ مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في نيو ساوث ويلز وفيكتوريا. ولم تتوقف القصة هناك. في السنوات الأخيرة أُطلقت توسعات حديثة مثل مشروع Snowy 2.0 لتعزيز قدرة التخزين والطاقة المتجددة، ما يعني أن المشروع الذي بدأ قبل أكثر من سبعين عامًا لا يزال يتطور ويؤدي دورًا مهمًا في مستقبل الطاقة في أستراليا.

spk_0

اليوم لم تعد هذه الجبال مجرد موقع صناعي، بل وجهة يمكن للزائر أن يكتشف فيها مزيجًا فريدًا من الطبيعة والتاريخ والهندسة. يمكن الوصول إلى منطقة سنوي ماونتنز بسهولة نسبية من كانبيرا، حيث تستغرق الرحلة بالسيارة نحو ساعتين إلى ثلاث ساعات للوصول إلى بلدات مثل Tumut أو Jindabyne، وهما من أهم نقاط

spk_0

الانطلاق لاستكشاف المنطقة. في Jindabyne مثلًا، تمتد بحيرة صناعية واسعة تشكل جزءًا من منظومة المشروع، وتوفر فرصًا للرياضات المائية وصيد السمك والمشي حول المياه. وفي الشتاء تتحول المنطقة إلى بوابة رئيسية لمنتجعات التزلج في Perisher وThredbo، ما يجعلها وجهة سياحية نشطة طوال العام. أما من يريد فهم القصة التاريخية

spk_0

للمشروع، فيمكنه زيارة Snowy Scheme Museum في بلدة Adaminaby، حيث تُعرض صور وأدوات ووثائق أصلية من فترة البناء، إضافة إلى شهادات تحكي عن حياة العمال والمهاجرين الذين شاركوا في المشروع. أفضل وقت للزيارة يعتمد على طبيعة الرحلة. الصيف من كانون الأول/ديسمبر إلى آذار/مارس مثالي للمشي

spk_0

والأنشطة الخارجية مع طقس معتدل في الجبال. أما الشتاء من حزيران/يونيو إلى آب/أغسطس، فهو موسم الثلوج والتزلج، لكنه يتطلب تجهيزات خاصة وحجزًا مبكرًا بسبب الإقبال الكبير. ومن حيث التكاليف فإن دخول المنطقة نفسها مجاني، لكن الإقامة في بلدات الجبال قد تتراوح تقريبًا بين 120 و250 دولارًا أستراليًا لليلة الواحدة

spk_0

للفنادق المتوسطة، وترتفع الأسعار في موسم التزلج. أما المتاحف ومراكز الزوار فغالبًا ما تكون برسوم بسيطة أو رمزية. النصيحة الأهم للزائر هي التخطيط المسبق، خصوصًا في الشتاء والتأكد من حالة الطرق والطقس، لأن بعض المسارات قد تُغلق بسبب الثلوج.

spk_0

كما يُنصح بتخصيص يومين على الأقل للمنطقة، لأن التجربة ليست في موقع واحد، بل في الرحلة عبر الجبال والبحيرات والسدود والمناظر الطبيعية.

spk_0

في النهاية قد تبدو السدود والأنفاق مجرد منشآت هندسية ضخمة، لكن خلف كل نفق حكاية وخلف كل بحيرة آلاف الساعات من العمل والانتظار والأمل. مشروع سنوي ماونتنز ليس مجرد

spk_0

مصدر للطاقة أو المياه. إنها قصة بلد أعاد بناء نفسه بعد الحرب، وقصة مهاجرين جاؤوا بحثًا عن مستقبل أفضل، فتركوا بصمتهم في جبال لا تزال حتى اليوم تروي حكايتهم. وهكذا حين تقف على ضفاف إحدى بحيرات سنوي الهادئة، قد ترى الطبيعة فقط، لكن إن أنصت قليلًا ستسمع في صمت الجبال صدى خطوات أولئك الذين بنوا هذا الحلم.

END OF TRANSCRIPT

شارك

تحديثات بالبريد الإلكتروني من أس بي أس عربي

.سجل بريدك الإلكتروني الآن لتصلك الأخبار من أس بي أس عربي باللغة العربية

باشتراكك في هذه الخدمة، أنت توافق على شروط الخدمة وسياسة الخصوصية الخاصة بـ "SBS" بما في ذلك تلقي تحديثات عبر البريد الإلكتروني من SBS

Follow SBS Arabic

Download our apps

Watch on SBS

Arabic Collection

Watch SBS On Demand

Watch now