يحدق العالم بدقة وتمعن في صور المشاهير في سعي لمعرفة المزيد عن شخصهم وشخصيتهم، وفيما يلعب رجال الدين دوراً مهما في نمو المجتمعات وبشكل مميز ضمن الجاليات العربية والشرق أوسطية، غالبا ما ننسى أن رجل الدين بشر كسائر الناس، في وجدانه وقلبه وفكره يضحك ويدمع، يفرح ويتألم، يسعد ويتعب.
رأينا في لقائين مع رجلي دين، الأول مع راهب مسيحي والثاني مع شيخ مسلم، أن نسلط الضوء على الدوافع وراء اختيار هذا المسار الحياتي وعلى التحديات التي ترافق تكريس الحياة للخدمة.
في لقاء مع أس بي أس عربي 24، قال سماحة الشيخ ودود السعد من مركز الصادق الإسلامي في ملبورن إن "رجل الدين حامل رسالة، هذه الرسالة تحمل القيم والمبادىء والأخلاق السامية وأعتقد أن هذه الرسالة موجودة في كل الأديان السماوية الهادفة لتحقيق سعادة الأنسان وإنقاذه من الضياع وتعليم وتوعية الإنسان".
مهمة رجل الدين رسالة يؤديها في سبيل محبة الناس لجمع الناس وإصلاح المجتمع
كما اعتبر الشيخ السعد أن هذا المقام هو: "مهنة ولكن ليس كسائر المهن (..)"
وصل الشيخ ودود السعد وهو عراقي الأصل من جنوب العراق إلى أستراليا عام 1999 ولم يكن في صغره غريباً عن الثقافة الروحية التي غرف منها منذ طفولته.
فقد تربى في كنف الشيخ الوالد الذي كان صاحب مكتبة كبيرة وقيّمة وتحت جناح عمّه الواعظ المثقف في أمور الدين وفي بيئة ساعدته على تنمية حبه للحياة الروحية منذ صباه: "والدي رجل عالم ديني كبير، معروف في جنوب العراق وفي البصرة تحديداً، وفتحت عينيّ على مسجد والدي وكنت أرى الناس يأتون إليه ويلتقون بوالدي".
"كانت لوالدي مكتبة كبيرة وضخمة في المسجد، ولم تكن مكتبة عامة بل خاصة به، لكنها كانت قديمة وتحتوي على كتب علمية ودينية وفلسفية وثقافية ومجلات".
وتطرق الشيخ ودود السعد الى الوضع السياسي في العراق في تلك الحقبة، والذي تسبّب بشرخ في المجتمع بين مؤيد ومعارض للقرارات السياسية في تلك الآونة: "الوضع السياسي انعكس على الناس".
أشار الشيخ السعد إلى أن ما يتعلمه الإنسان بالمثل من بيئته وتربيته ينطبع في كيانه ويبقى معه كما يبقى النقش في الحجر: "التربية كانت تحتم علينا أن نلتقي بالناس الطيبة وبأصحاب الأخلاق المؤدبين ومن خلال معاشرة للناس الذين كانوا يقصدون المجسد طلباً للإرشاد والمشورة لحل قضاياهم وإقامة الشعائر الدينية، تعلمنا الكثير وهذه كانت المدرسة الكبرى".
خلال صباي، كنت أبحث عن الثقافة وأفتش في الكتب، وكنت على دراية في المواد المطلوبة لأصبح رجل دين
في الثلاثين من العمر، توجه الشيخ ودود السعد إلى النجف الأشرف ودرس هناك حتى عام 1995 ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان: "تعرضت للاعتقال في ذلك الوقت وبقيت فترة في المعتقل خرجت بعدها من المعتقل ومن العراق ككل".
"وصلت إلى الأردن، ومنه الى سوريا فلبنان ثم انتقلت إلى أستراليا".
تزوج الشيخ السعد مبكرا عند بلوغه التاسعة عشرة من العمر، وشريكة حياته عراقية وهي من أقربائه، ورزقا معاً بثلاث بنات وصبي، لكن الشيخ يسترجع آسفاً ذكرى موجعة هي فقدان ابنته الوسطى خلال أحداث مؤلمة شهدها لبنان أثناء فترة تواجده فيه: "حين نتذكر ما جرى نتألم كثيراً".
الحزن والألم ليس بقليل حين يفقد الإنسان عزيزاً خاصة إذا كان ابناً أو ابنة، الولد عزيز على والديه، لكن إذا امتلكنا شيئاً من الإيمان بالله نستطيع أن نتجاوز المأساة والمصائب
وتطرق الشيخ ودود السعد لضرورة التحلي بصفات معينة وبشخصية مرنة ليتمكن الشخص من أن يكون رجل دين، لأن المهام تتطلب الكثير: "وقتي ليس لي وشغلي لا يتوقف بعد ساعات معينة".
الخدمة نعمة، ليس كل إنسان قادر على خدمة الناس وهذه هي الغاية الأساس في حياة رجل الدين
وبالرغم من أن "رجل الدين إنسان وليس ملاكاً" فهو محط الأنظار وموضع الحكمة ونبع المشورة والمثال الأعلى بتصرفاته وقراراته وكلامه، وحتى أصغر هفواته يكون لها وقع أكبر مما لو قام بها أي إنسان آخر: "رجل الدين حينما يمشي في الشارع، الناس تنظر له بعين القدسية والاحترام، فيفترض عليه أن يتحلى بدرجة عالية من الخلق أمام الناس وفي أي مكان."
يبقى أن رجل الدين إنسان كسائر البشر، معرض للخطأ لكن المهم أن لا يتعمد الخطأ
ومن الأوجه الإنسانية التي تميز عمر الشباب قال الشيخ السعد: "في صباي كنت أحب الرياضة وخلال خدمتي في الجيش في العراق، شاركت في الكثير من البطولات. أنا أحمل لقب بطولة العراق وكنت مرشحاً لبطولة الدول العربية في سباق الجري وحصلت على جوائز وميداليات في مجال الرياضة ذلك الوقت".
يحب الشيخ السعد الطبيعة والسفر: "لو أعطاني الله عمراً لما تركت بلداً إلا وزرتها لأنظر إلى الطبيعة الخلابة التي صنعها الله في هذا الكون الجميل".
ويجد الشيخ ودود السعد في عائلته أيضاً السند والدعم ومصدر القوة والفرح وراحة القلب والفكر، ويعود طفلاً مع أحفاده كجد حنون يلاعبهم، وكما يقول المثل، ليس أغلى من الولد إلا ولد الولد: "الآن عندي أحفاد، حبي لأحفادي أصبح أكثر فأولادي كبروا الآن".
أحب أولادي كلهم كثيراً ولا أفرق بين البنت والصبي ... أولادي كلهم أعزاء
للمرأة مكانة خاصة في فكر ووجدان الشيخ السعد فهي تعني له الكثير في الحياة وفي حناياها كل الحنان.
المرأة هي الأم وما أحلى الأم، المرأة هي الزوجة وما أحلى تلك الشريكة في الحياة، المرأة هي الابنة العزيزة التي حينما يعانقها الإنسان كأنه عانق الدنيا بأسرها
وختم الشيخ ودود السعد الحديث بدعاء الخير والبركة وبهذه الخاطرة: "السعادة الحقيقة تكمن في أن تجعل من حولك سعداء".


