تعيش ولاية فيكتوريا منذ ايام على وقع حرائق غابات واسعة النطاق، تعد من الاكثر خطورة في السنوات الاخيرة. النيران امتدت بسرعة كبيرة على مساحات تجاوزت اربعمائة الف هكتار، مدفوعة برياح قوية وتبدل مفاجئ في الاتجاهات، ما ادى الى خروج عدد كبير من الحرائق عن السيطرة. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها فرق الاطفاء، الا ان صعوبة التضاريس وكثافة الغابات والدخان الكثيف جعلت مهمة السيطرة على النيران بالغة التعقيد.
في مناطق عدة، لا سيما في وسط الولاية مثل لونغوود، واجهت فرق الطوارئ صعوبات كبيرة في الوصول الى المناطق المتضررة لساعات طويلة. وعند تمكنها من الدخول، تكشفت مشاهد الدمار الواسع، مع تدمير منازل ومزارع بالكامل، ونفوق اعداد كبيرة من الحيوانات والمواشي. واعلنت الشرطة لاحقا عن العثور على بقايا بشرية قرب سيارة محترقة، ما اكد تسجيل اول ضحية بشرية لحرائق الغابات هذا العام
لم تقتصر تداعيات الحرائق على الخسائر المادية فقط، بل امتدت لتطال حياة الناس اليومية واستقرارهم. عائلات كثيرة وجدت نفسها فجأة بلا مأوى وبلا مصدر دخل، في وقت تعاني فيه المجتمعات الريفية اصلا من ضغوط اقتصادية ومعيشية. ومع اتساع رقعة الحرائق، تصاعدت المخاوف من تداعيات طويلة الامد على البيئة والاقتصاد المحلي، وسط تحذيرات رسمية من استمرار المخاطر في ظل الظروف المناخية الصعبة.
في خضم هذا الواقع القاسي، جاءت مبادرة كريس منصور لتشكل بارقة امل للكثيرين. صاحب مخبز في ملبورن، لم ينتظر توجيهات رسمية ولا حملات منظمة، بل بادر من تلقاء نفسه الى فتح ابواب محله امام كل من يحتاج الى طعام او مكان يؤويه، مجانا ومن دون اسئلة او شروط.
مبادرة منصور لاقت صدى واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل الاف المستخدمين مع منشوره، معتبرين ان ما قام به يعكس جوهر التضامن المجتمعي في اوقات الازمات. ويقول منصور "اشعر انني مدين لاستراليا"، موضحا ان هذا البلد احتضنه عندما كان في امس الحاجة الى الامان والاستقرار. ويضيف "الشيء الطبيعي ان يساعد الانسان غيره، خصوصا عندما يكون هذا الشخص مر بظروف صعبة وخسر بيته او مصدر رزقه".
بالنسبة لمنصور، العطاء ليس رد فعل مؤقتا على كارثة، بل نهج حياة. ويؤكد "نحن نقوم بهذه الامور دائما ولا نتوقع شيئا بالمقابل، هكذا تربينا". هذه القيم، كما يقول، تعود الى تجربته الشخصية كمهاجر جاء الى استراليا عام 2006 بعد ان تم اجلاؤه مع عائلته من جنوب لبنان بسبب الحرب، من دون اي مقومات مادية.
تجربة النزوح والاعتماد على مساعدة الاخرين تركت اثرا عميقا في شخصيته، وساهمت في تشكيل نظرته للمجتمع والمسؤولية الانسانية. ويشير الى ان استراليا وفرت له ولعائلته فرصا لم تكن متاحة في بلده الام، ما عزز لديه الشعور بالامتنان والرغبة في رد الجميل.
تفاعل واسع ورسالة للمجتمع
التفاعل الكبير مع مبادرة منصور لم يقتصر على المتضررين فقط، بل شمل سياسيين ووسائل اعلام ومواطنين من مختلف الخلفيات. هذا التفاعل، بحسب مراقبين، حمل رسالة واضحة عن الدور الايجابي الذي يمكن ان يلعبه الافراد، وخصوصا المهاجرين، في دعم مجتمعاتهم وتعزيز التماسك الاجتماعي.
ويرى منصور ان مثل هذه المبادرات تساهم في تصحيح الصور النمطية، مؤكدا ان اظهار اجمل ما في المجتمعات المتنوعة هو مسؤولية جماعية. واليوم، بات مخبزه مكانا يجمع الناس في الايام العادية، وملاذا انسانيا في الاوقات الصعبة، في صورة تختصر معنى الانتماء الحقيقي.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
هل أعجبكم المقال؟ استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل و أندرويد وعلى SBS On Demand.









