في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع في الشرق الأوسط، يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الواجهة بمبادرة مثيرة للجدل أطلق عليها اسم «مجلس السلام». مبادرة تبدأ من غزة، لكنها لا تقف عند حدودها، بل تتطلع – بحسب نصوصها – إلى إنشاء كيان دولي جديد يتولى الإشراف على إدارة القطاع وإعادة إعماره، ويقدم نفسه بوصفه بديلاً أو إطارًا موازيًا لمنظومة دولية يصفها ترامب بالعاجزة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
اللافت في هذه المبادرة ليس مضمونها فحسب، بل تركيبتها أيضًا. فالمجلس يرأسه ترامب شخصيًا، ويضم دولًا عدة تلقت دعوات رسمية للانضمام، من بينها أستراليا، التي أعلن رئيس وزرائها أنتوني ألبانيزي أن بلاده ستدرس الدعوة «باحترام» بانتظار الاطلاع على تفاصيلها. هذا الاحتمال يطرح تساؤلات جوهرية حول موقع كانبيرا بين التزامها بالنظام الدولي القائم، ومشاركتها المحتملة في صياغة إطار جديد قد يُنظر إليه كنسخة “ترامبية” من الأمم المتحدة.
وتقوم الخطة، بحسب ما هو مطروح، على تشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية تشرف على الشؤون اليومية في غزة، تحت مظلة دولية. غير أن منتقدي المبادرة يرون أنها تحصر الدور الفلسطيني في الإدارة التنفيذية فقط، وتقصيهم عن دوائر القرار السياسي والسيادي، ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج نموذج وصاية دولية بصيغة جديدة.
من داخل غزة، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالدمار الواسع، وانهيار مقومات الحياة، يدفعان كثيرين إلى القبول بأي طرح يفتح نافذة أمل، ولو كانت محدودة. هذا القبول، كما يصفه صحفيون فلسطينيون، لا يخلو من حذر عميق، إذ يتأرجح بين الحاجة الملحّة لإعادة الإعمار والخشية من تثبيت واقع سياسي منقوص.
عربيًا، انضمت دول عدة إلى المجلس، على رأسها مصر والإمارات وقطر، مع حديث عن انضمام دول أخرى، رغم شروط مالية مرتفعة للعضوية. ويرى مراقبون أن الوجود العربي قد يشكل عنصر ضغط لحماية المصالح الفلسطينية، وتوفير ضمانات إنسانية على الأقل في المرحلة الانتقالية.
أما في إسرائيل، فتتعامل حكومة بنيامين نتنياهو مع الطرح باعتباره مبادرة أميركية منسجمة مع توجهاتها العامة، رغم تحفظات داخلية على بعض التفاصيل، خصوصًا ما يتعلق بإشراك أطراف إقليمية كتركيا وقطر.
في المحصلة، يبقى «مجلس السلام» مبادرة مفتوحة على احتمالات متناقضة: أمل هش بإعادة إعمار غزة وإنقاذ ما تبقى من الحياة، مقابل قلق مشروع من تغييب المشروع الوطني الفلسطيني، وتأجيل حلم الدولة إلى أجل غير معلوم.
لقراءة محتوى التقرير الصّوتي، اضغط على خاصيّة Transcription في الصورة أعلاه.
هل أعجبكم المقال؟ استمعوا لبرنامج "Good Morning Australia" من الاثنين إلى الجمعة من الساعة السادسة إلى التاسعة صباحا بتوقيت الساحل الشرقي لأستراليا عبر الراديو الرقمي وتطبيق SBS Audio المتاح مجاناً على أبل و أندرويد وعلى SBS On Demand.







